الأحد ٢٤ آذار (مارس) ٢٠١٩
بقلم محمد زكريا توفيق

طيور تقيم الأفراح والليالي الملاح للزواج

أثناء موسم الحب والزواج بالنسبة لعالم الطيور ، تُظهِر بعض الذكور ألوان ريشها الباهرة، البعض الآخر يحاول كسب قلب الحبيبة بالغناء الرخيم أو بالشقلبة في الهواء وعمل حركات بهلوانية، أو ببناء عشوش زوجية بحرفية بالغة ومهارة غير عادية كالتي يبنيها ذكور الطيور النساجة.

لكن سلوك طائر التعريشة (Bowerbird) في موسم الحب والزواج بين الطيور ليس له مثيل. الذكور تبني تعريشة وصالة أفراح، وتقوم بفرشها وتزويقها وعمل ديكورات بها. ثم تقف أمامها لترقص وتغني على أمل أن يؤدي هذا إلى جذب أنثى عابرة تقبله زوجا لها. التعريشة وصالة الأفراح للحب والحب وحده، لا للسكن وتربية والأولاد.

العش الحقيقي، الذي يكون عادة في شكل فنجال، تبنيه الأنثى فيما بعد وحدها للبيض والرقاد، أعلى شجرة بين الأغصان وعلى بعد مئات الأمتار. بينما يكون الزوج منشغلا بصالة أفراحه، على أمل أن تجذب المزيد من الأناث.

المعروف من هذه الطيور الرائعة، 16 نوعا. 8 في أستراليا و10 في غينيا الجديدة. تمت بصلة القرابة لطيور الجنة، لكن لا تملك ريشها وألوانه المذهلة الخلابة. طيور التعريشة تستخدم طريقة إغراء مختلفة تماما عن أبناء عمومتها طيور الجنة.

صالة الأفراح التي تبنيها طيور التعريشة تختلف كثيرا من نوع لآخر. وتختلف أيضا في نوع المواد المستخدمة في عمل الديكورات وفي طقوس الحب والزواج نفسها.

هذه الطيور خجولة جدا وتعيش في أماكن معزولة تقريبا عن العمار، لذلك يصعب مشاهدتها ودراسة سلوكها. لكن أمكن مؤخرا الدخول إلى عالمها المغلق وكشف بعض أسراره.

طائر التعريشة، بنفسجي اللون وساتان الملمس، والمعروف علميا ب (Ptilonorhynchus violaceus)، يعيش في غابات أستراليا الممطرة. الذكر الذي في حجم الحمامة، يبدأ في بناء صالة أفراحه قبل حلول موسم الحب والزاوج.

يختار بقعة على أرض الغابة غير معتمة، تخترقها أشعة الشمس من عدة جوانب، مساحتها متر مربع تقريبا. ثم يبدأ في كنسها وتنظيفها من الحصى والفروع والأوراق الساقة من الشجر.

بعد ذلك، يشيد ما يشبه الطريق أو الممر، بأن يأخذ أغصان مستقيمة طول كل منها من 20 إلى 30 سنتيمتر، ويغرسها في الأرض ليكون منها صفين متوازيين. في جهة الجنوب، حيث تأتي أشعة الشمس معظم الوقت، يقوم بتجهيز أرض المرقص. يفرشها بسجادة من النجيل الأخضر.

بعد ذلك، يبحث عن مواد وأشياء لامعة ذات ألوان زاهية ليقوم بتزويق وعمل ديكورات للمرقص. إنه يفضل اللونين، الأزرق الداكن، والأصفر المائل للخضرة. ربما لكي تنسجم مع لون ريشه الأزرق-البنفسجي ومنقاره الأصفر المخضر.

ثم ينثر الزهور الصفراء والزرقاء على أرض المرقص، ويجمع ما يجده من ريش الطيور الزاهية وثمار التوت الزرقاء والزجاج الملون والخرز أو الصوف، أو قطع الصيني المكسر. يضعها في مجموعات حسب اللون.

ثم يقوم بطلاء التعريشة من الداخل بعصير التوت الأزرق بعد أن يدغدغها بمنقاره. في بعض الأحيان، يأخذ لحاء من شجرة ويغمسها في عصير التوت ثم يستخدمها كفرشاة أو إسفنجة في الطلاء.

صالة الأفراح يتم إعدادها في أيام قليلة، لكن هذا لا يعني نهاية العمل. لأن الطائر يظل يلتقط الزهور الذابلة والتوت الفاسد، ويستبدله بغيره من الزهور النضرة والتوت الطازج.

هو لا يمانع في سرقة هذه المواد من صالات الأفراح المجاورة. وإذا قامت الأمطار الغزيرة بتدمير صالة الأفراح أو محو طلائها، يقوم الطائر بإصلاح ما تم تدميره من بناء أو ما تم محوه من طلاء. هذا يجعل الطائر مشغولا بعمله لمدة أسابيع كثيرة.

عندما تقترب أنثى أثناء وقت التزاوج، يضاعف الذكر نشاطه لكي يلفت انتباه الأنثى إلى صالة أفراحه ويقوم بالغناء بصوته الصداح أغاني الحب والغزل. إنه هنا مطرب مقلد، تعلم الغناء من غيره من الطيور أو من صوت الرعد في بعض الأحيان.

إذا حدث أن جاءت أنثى إلى صالة أفراحه، زادت إثارته وهياجه وقام ببذل كل جهد لكسب ودها وحبها. ينط ويرقص في حلبة الرقص أمام التعريشة، ويظل يلتقط بمنقاره من أرض الصالة زهورا براقة أو حصوات ملونة أو قطع زجاجية لها بريق لامع، من المواد المستخدمة في الديكور والزينة، ثم يقترب من الأنثى ليعرضها عليها واحدة بعد الأخرى. يظل على هذا الحل، إلى أن تقبل الأنثى جهده وتعجب بأدائه وفنه، وتقرر الزواج والاقتران به.

طائر التعريشة (Chlamydera nuchalis) الذي يقطن الغابات الاستوائية بقارة إستراليا هو أكبرها حجما. صالة أفراحه مدهشة. صفان من الأعمدة المتوازية يكونان التعريشة، يشيدان من الفروع الطرية والحشائش وورق الشجر والعصي، يميلان من أعلى حتى يتقابلان ليكونا ما يشبه قوس النصر، ارتفاعه 40 سم وطول الممر المفتوح داخله متر واحد.

المرقص أو صالة الأفراح تكون أمام التعريشة. هذا الطائر يختار اللونين الأبيض والأصفر الباهت في عمل الديكورات. إنه يبحث عن أشياء لها بريق ولمعان تحت أشعة الشمس. لا يمانع من استخدام ما يجده في طريقه من غطاء زجاجة ببسي كولا أو زرار معدني أو مفتاح تشغيل سيارة أو ملعقة أو كوب صفيح خفيف الوزن. إنه يجمع كل هذه الأشياء الامعة ويضعها في مجموعات، ثم يظل يرتبها ويبدلها ويعيد ترتيبها.

عندما تقترب أنثى من صالة أفراحه، يبلغ قمة إثارته. يبدأ في الرقص ونفش ريشه الأحمر الجميل المختفي تحت ريشه العادي. ثم يأخذ صدفة لامعة أو أجمل تحفة لديه، ليقدمها لها كعربون محبة أو كمهر. أخيرا ترضى عنه الحبيبة وتقبله زوجا. متى تم الزواج، تتفرغ هي لبناء عش الزوجية، ويكون عادة بعيدا بين الأغصان عن أرض المرقص وصالة الأفراح.

نأتي الآن إلى طائر التعريشة الفنان، الجنايني ذي الرأس البرتقالية والمعروف علميا ب (Amblyorrnis subalaris). يعيش في الغابات الجبلية بغينيا الجديدة. عندما يأتي وقت الحب والزواج، يبني الذكر كوخا صغيرا عل الأرض. كوخ لأن له سقف عازل ومدخلان دائريان، مصمم كملتقى للعشاق. بين المدخلين، تجد الأرض مفروشة بالألوان والزهور الباهرة والتي تبدو على شكل الفسيفساء.

أمام مدخل الكوخ، تجد حديقة معتنى بها، مفروشة بالزهور ومحاطة بصور من الفاكهة الحمراء والصفراء. صالة الأفراح هذه هي الأجمل بين كل ما صنعته الطيور حتى الآن.

من عادة هذا الطائر، هو عرض مقتنياته الثمينة على بساط من الحشائش والطحالب الجافة الداكنة. مثل الجواهرجي يعرض مجوهراته على قماش قطيفة داكن لكي تبدو المعروضات في أوضح وأبهى صورة.

هذا الطائر فنان يحب التنسيق والنظام. على اليسار، تجد مجموعة من هياكل الخنافس الزرقاء اللامعة. على اليمين، تجد أصداف قواقع زرقاء. المجموعتان منفصلتان عن بعضهما بخط من الزهور الصفراء. ترتيب الأشياء على البساط مذهل.

العلماء الذين قاموا بدراسة هذا الطائر، ومنهم "إيفن سيلمان"، يقولون أن الطائر يظل يحوم حول صالة أفراحه، يبحث عن طريقة لكي يحسن بها شكل بنائه. ومتى خطرت بباله فكرة، قام بتنفيذها في الحال. هو يلتقط الزهرة بمنقاره ويضعها داخل الكوخ كقطعة فسيفساء. ثم يطير لكي يشاهدها عن بعد. إنه يفعل ما يفعله الرسام التشكيلي عندما يرجع للوراء لكي يشاهد عن بعد ما قام برسمه في حينه.

لكن صديقنا الطائر الفنان يرسم بالزهور. زهور الأوركيد الصفراء لا تبدو له أنها في المكان الصحيح. إنه يحركها قليلا جهة اليسار أو اليمين، ثم يضعها بين بعض الزهور الزرقاء. يظل كذلك حتى يرضى عن عمله كلية. يفعل نفس الشئ بالنسبة لسور الفاكهة ذات الألوان النضرة.

عندما تقترب الأنثى، يدخل الذكر داخل الكوخ ويأخذ في الغناء الصداح. الأنثى تتردد وهي تفحص زينة الكوخ وديكوراته الداخلية وسور الحديقة المبني من الفاكهة. بعد الغناء، يأخذ الذكر في الرقص نافشا ريشه الأحمر المختفي تحت ريشه العادي.

ثم يندفع في لمح البصر خارجا من الكوخ ويدخل من الفتحة الأخرى. يظل يغني ويرقص. في البداية تتراجع الأنثى خائفة، لكن بالتدريج تتبع الذكر . أخيرا يرقص العروسان معا حتى يتلامسان. ثم يختفيان معا في الكوخ ويتم الزواج، وبالرفاء والبنين.

لكن السؤال هو، ماذا يدور في خلد هذا الطائر وهو يبني ويزوق تعريشته وصالة أفراحه؟ وهل لهذا السؤال إجابة؟ الجواب هو بالطبع لا. لأنه لا يوجد لدينا حتى الآن طريقة لمعرفة وعي وطريقة تفكير كائن حي آخر. أنا لست طائرا حتى أعرف كيف تفكر الطيور.

بعض الناس مقنعة تماما أننا نختلف عقليا عن باقي الحيوانات، وأن الإنسان وحده بينها هو القادر على التفكير. وأن الطائر يفعل ما يفعله بحكم الغريزة والاختيار الطبيعي ليس إلا.

لكن هناك من لا يؤمن بهذه النظرية. ما يفعله طائر التعريشة يشبه إلى حد كبير سلوك الإنسان. وإذا رجعنا إلى بداية نشوء العقل والإحساس بالجمال في عالم الكائنات لاستفدنا الكثير من سلوك هذا الطائر الرائع.

طائر التعريشة، بجانب الإنسان، ليس الوحيد بين الكائنات الذي له مثل هذا السلوك. قرود الشمبانزي مثلا، تعي نتيجة أعمالها، هي أيضا تتذوق الفن وتشعر بالجمال. هذا يظهر عندما نحاول تديبها على استخدام الفرشاة والألوان. إنها تستمتع بما تفعله بدون شك. يا عزيزي كلنا إخوة وأخوات في هذا الكون الرائع. وليس هناك ما يدل على غير ذلك.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى