الأربعاء ٢٧ آذار (مارس) ٢٠١٩
بقلم محمد متبولي

ساجد

أسمى ساجد، أعرف أنه أسم غير مألوف خاصة لمن يعيشون مثلى فى تلك البلاد، فالكثيرون يحاولون إختيار لأبناءهم ممن ولدوا هنا أسماء لا تدل على أصولهم العربية أو ديانتهم الإسلامية حتى لا تصبح أشبه بالعاهة المستديمة، فكما تعرف نحن صرنا المتهم الأول لأى شئ له علاقة بالتطرف أو الإرهاب، الحقيقة أننى شخصيا لم أفكر قط فى محاكمة معتقد أى شخص على الإطلاق، ولم أنتقد أبدا الطريقة التى يتبعها غيرى فى عبادة الله، فالله وحده هو المنوط به محاكمة السرائر، وكذلك مثلى الغالبية العظمى منا هنا من المهاجرين العرب والمسلمين وأبناءهم، لذا فجيلى ممن ولدوا على تلك الأرض كان ومازال لا يفهم لماذا نصبح متهمين مع كل مرة يحدث فيها عمل إرهابى فى أى مكان بالعالم، لكن على العموم فلقد تأقلمنا على ذلك، وصرنا نتعامل مع موجات التعصب المتصاعدة ضدنا ببساطة.

أعود لأسمى ساجد، فعندما جاءت عائلتى لتلك البلاد البعيدة منذ زمن، إنتاب إبى هاجس أننا مع الوقت سننسى ثقافتنا وديننا وسننخرط تماما مع ذلك المجتمع الغربى متحررين منهما، لذا فقد قرر أن يمنح كل واحد منا أسم يذكره بدينه وثقافته، على الرغم من تحذيرات الكثيرين له من أن ذاك الأسم سيصبح عبئا علينا مستقبلا، لكن فى النهاية والدى أصر، فسمانى ساجد وأعطى على نفس الوتيرة أسما مماثلا لكل واحد من أخوتى، لكننى لن أخفيك سرا، فلست على درجة كبيرة من التدين كما تظن، فظروف الحياة هنا صعبة جدا، لكننى أحاول قدر المستطاع الأبتعاد عن المحرمات، والإلتزام بأداء الفروض، وقطعا لا أنجح دائما فى ذلك لكننى كما قلت أحاول.

أما الذهاب للمسجد، فذاك أمر صعب المنال، فحتى فى الأعياد كثيرا ما يصعب على الذهاب إليه خلالها خاصة لو جاءت وسط أيام عمل، فأقرب مسجد لى يبعد عنى عشرات الكيلومترات، ولكن للأمانه كان والدى أنجح منا فى توفيق أوضاعه، فكان يشترط فى أى عمل يذهب إليه أن يمنح بضعة ساعات يوم الجمعة ليذهب للصلاة، على أن يعوضهم بساعات عمل إضافية فى يوم آخر، فكان يأخذنا معه ليعودنا الصلاة فى المسجد، لكننى لم أستطع حذو حذوه.

لكن بين الحين والآخر يجرفنى الشوق، لكى أذهب إلى ذلك المسجد حيث كان يأخذنا أبى لنصلى، تماما مثلما فعلت فى تلك الجمعة، أستقطعت بعض الوقت وذهبت إلى هناك، شعور مختلف أنت لا تصلى وحيدا كما أعتدت ولكن مع العشرات، وتفعل مثلما يفعل ملايين المسلمين فى المساجد عبر العالم فى ذلك اليوم، والذين لا تراهم إلا عبر شاشات التلفاز ذاك إن كان لديك وقت لمشاهدته، أستمع للخطبة، وأسجد مع الساجدين، وأصلى فى نفس الموضع الذى أعتاد أبى أن يصلى فيه، وأسبح على مسبحته، وحتى أصافح بعض من الوجوه التى أعتاد مصافحتها ومازالت على قيد الحياة.

وكأن نفسى تغسل من داخلها، فبين صلاة جماعية لم أمارسها منذ فترة وبين ذكرياتى مع أبى، حالة من السكينة والهدوء سيطرت على، قطعها صوت مرتفع مفزع، صراخ وعويل، محاولات للهرب، وابل من الرصاص لا أعرف من أين جاء أخذ يخترق أجساد المصلين من حولى، حاولت أن أقترب من أحدهم لكننى لم أستطع، شعرت بثقل كبير فى جسدى، نظرت لنفسى فإذ بى أرى بركة من الدماء حولى فأصابنى الذعر، لكن سرعان ما شعرت بحالة من التحرر والسعادة، فقد تركت روحى الجسد سريعا ونظرت إلى وجهى المذعور مبتسما، أقتربت من جسدى محاولا تهدئته أو إخفاء معالم الذعر من على وجهى، لكننى لم أستطع، فلوحت لجسدى ثم تركته لكى ألحق بركب الأرواح الصاعدة، والتى غمرتها الإبتسامات والسعادة، فأخذنا نصافح بعضنا البعض ونحن ننظر إلى أجسادنا الغارقة فى دمائها، ووجوهنا المفزوعة، ونودعها واثقين من أنها سترد إلينا يوما ما وهى فى أبهى صورها، فالان حالة من الانتشاء سيطرت علينا ونحن ننظر من بعيد للمكان الجديد الذى سنذهب إليه.

أما اليوم فقد جئت لنفس الموضع الذى أفترقت فيه عن جسدى لأرى هل هناك من سيتذكرنى ويدعو لى، ولكى أطمئن أن هناك من يزال يصلى فى نفس الموضع الذى كنت أصلى فيه وصلى فيه أبى من قبلى، ولم تمنعه بقعة الدماء التى أحاطت بجسدى فيه عن ذلك، ولكى أقول لك أننا اليوم سنصلى معك لا بأجسادنا كما كنا نفعل من قبل، بل بأرواحنا.

تمت


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى