الأربعاء ٢٧ آذار (مارس) ٢٠١٩
بقلم ميساء البشيتي

بعض المداد

بعض المداد
جفت دموعي فجفَّ المداد!
صديقي الذي لا ينتظر شيئًا كل صباح، ولا تعتريه الأحلام عند النوم، ولا يهمه إن أيقظته العصافير أم حُقْنَة ملائكة الرحمة، ولا يكترث أبدًا إن كان فنجانه مملوءًا بالقهوة أم بالدواء... بدا في الآونة الأخير أكثر حياة مني!
هل استسلمت للقهر الذي يحتل الشوارع والأرصفة، وفقدت إيماني بأن الغد هو: مظلة كبيرة تقينا عبثية المطر! وأن أشعاري بالماضي القريب عن الأمل، والتحدي، والصبر، واستيعاب الآخر كانت ضربًا من ضروب الهذيان، وأنني كنت أتقن السباحة في بحيرة من السراب؟
ألهذا أنا اختنقت قبل الآوان، وجفت الدموع في شراينني، وانسكب المداد أرضًا، وتبعثر في الطرقات؟ أم لأنني راهنت كثيرًا على النصر ولكن أحصنتي حبلت بالخسارة!
هذا الوطن الممدد على سرير الموت ماذا ينتظر؟ وهل يستطيع بعد اليوم أن يمدني بالحياة؟ هل يستطيع ان يعيدني إلى حالة البكاء التي كنتُ عليها عندما طال غيابك الأخير وكلَّت أقدامي من عناء الانتظار على الشرفات؟

وهل يستطيع أن يتلقف دموع الفرح كعادته حين كنتُ أمطره بها عندما كنتَ تأتيني خلسة عن عيون المساء، تحمل بين يديك ورقة مهترئة سكبتَ عليها بيتين من الشعر المقفى، والقليل من القهوة الجافة، وبعض المهدئات؟
ماذا يستطيع هذا الوطن أن يفعل في هذا الوقت الصعب... هل يستل سيفًا، أم يمتشق قلمًا ويبدأ بالنواح؟
هذا الوطن لم يعد قادرًا على قراءة سَخطِك طِوال الليل وأنت تلعن الغربة والغرباء، لم يعد قادرًا على لملمة الحيرة عن محياك إن رمقك الآخر بعلامة استفهام، ولم يعد قادرًا على ضمك إلى حضنه والمسح على رأسك بالمعوذات.
هذا الوطن جفت شرايينه كقلبي، وروحي، ودمي، وعقلي، وأشعاري. هذا الوطن تجمد الدمع في عينيه، والأكسجين في رئتيه، والصرخة الأخيرة معلقة بين شفتيه تراود نفسها على الانكماش عند أول طعنة توجه إليه.
هذا الوطن أمامك يا صديقي، احتسيه كما تشاء، تنفسه مع هواء الغربة، تناوله في فنجان الصباح، هدهده بين يديك كحلم عتيق، أنشده كلما شعرت يومًا بأنك غريب من رأسك حتى أصابع القدم... لكن أنا يا صديقي إمنحني فقط بعضًا من دموعك علني أرثيه ببعض المداد.


مشاركة منتدى

  • تتحفنا الأستاذة القديرة ميساء البشيتي بنصوص أشبه ما تكون بنصوص الجمال والدهشة ، في كل مقال أقرأه لها أجدها تطاوع الحرف بأصابعها فتظهر الكلمات المتراصة جملاً جميلة ورائعة ومدهشة ، حقاً أدمنت قرائتها ، تحياتي لها ولموقعكم الرائع وادارته الكريمة شكراً لكل هذا الإبداع المائز حقاً ....

  • الأديب العزيز أستاذ زياد سقيرق
    شكرًا لك على هذا المرور البهي كأنت .... صدقني هذا الرد أعتبره بمثابة شهادة كبيرة أعتز بها وأفتخر... وسعادتي لا توصف بأن حروفي المتواضعة حظيت بإعجاب أديب كبير وقامة أدبية متميزة ... شكرا لا تفيك حقك مهما كبرت ...

  • كلما رأيت اسم القديرة ميساء البشيتي مرفقا بنص أدبي إلا وأضمن لنفسي متعة اثناء القراءة...واستعد لوجبة دسمة من الطراز الرفيع..
    شكرا أميرة الخواطر...
    شكرا للقائمين على المنتدى..

  • الأديبة الغالية لطيفة الميموني
    شكرا لبهاء مرورك غاليتي ويسعدني ويشرفني كلامك الجميل بحق خاطرتي ... دمت ودام لك الإبداع ... محبتي يا لطيفة

  • غاليتي الأديبة الرقيقة لطيفة الميموني
    شكرا لبهاء حضورك وجمال كلامك في حقي خواطري يا غالية وهذا من سمو ذوقك ونبل مشاعرك يا لطيفة
    بالمناسبة أنا تركت ردًا سابقًا هنا ربما يظهر لاحقًا أيضأ
    كل التحايا غاليتي

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى