الأحد ٣١ آذار (مارس) ٢٠١٩
بقلم محمد متبولي

أنثى الكركدن الأخيرة

1
تجلس فتاة جميلة ترتدى ملابس من العصور الوسطى فى قلب الغابة، تعزف على آلة وترية موسيقى شجية، يتقدم نحوها من اللامكان حصان أبيض كثيف الشعر ذو قرن طويل (يونيكورن)، تتوقف الفتاة عن العزف، ثم تقوم لتمرر يديها بحنو حول جسده وتحتضنه، وتعود مرة أخرى لتعزف، فيشعر اليونيكورن بالهدوء والسكينة، ويجلس بجوارها مستمتعا بمقطوعتها الموسيسقية العذبه، ثم يغمض عينيه ويسلم جفونه للنوم.

يقطع الموسيقى الهادئة صوت جلبة، يفتح اليونيكورن عينيه فيجد نفسه محاطا بالصيادين ممسكين فى أيديهم السلاسل والشباك، ينتفض من جلسته ويصيبه الهياج، يحاول الفكاك منهم أو مهاجمتهم بقرنه الطويل، لكنهم لا يعطونه الفرصة، يلقون عليه الشباك، ثم يقيدونه بالسلاسل ميسيطرين عليه تماما، ويبدأون فى إجباره على التحرك معهم، فيرفض فيلهبون ظهره بالسياط، فيستسلم ويسير معهم، بعد أن ينظر فى إتجاه الفتاة نظرة أسى، بينما لا تكترث هى له وتستمر فى العزف.

2
تتحدث الأساطير عن كائن لطيف يشبه الحصان بقرن واحد يدعى الونيكورن، ويعتبر ذلك الكائن رمز العفة والطهر، وتقول الأساطير أيضا أن الصيادين كانوا يستخدمون عذراء جميلة كطعم له حتى يخرجونه من مخبأه، فى الحقيقة لم يرى أحد اليونيكورن على مدار عشرات القرون، ولكن هناك كائن آخر أحادى القرن عاش على وجه الأرض منذ آلاف السنين، رافق الديناصورات وأخذ يتطور ويحافظ على وجوده حتى أوشك على الفناء فى هذا العصر، إنه نحن، يطلق علينا البعض أسم الخرتيت، والبعض وحيد القرن والبعض الكركدن.

ما فهمت أننى أرمى إليه من كلامى صحيح، ولكننى أعرف أنك لن تصدقه، فلن يقتنع عقلك أبدا بأن اليونيكون هو الكركدن، بالمناسبة فيونيكورن بالإنجليزية تعنى وحيد القرن بالعربية، قطعا لن يصدق عقلك أن هناك من حول الخرتيت القبيح إلى اليونيكورن الجميل، ولكنه سيتقبل أن يستخدم الإنسان ذكاءه الشرير ويخدع اليونيكورن رمز العفة ويستخدم وسيلة ليس بها أى طهر لأصطياده، ببساطة أنت تتقبل أن يخدع أحدهم اليونيكورن ولكنك لا تتقبل أن يخدعك أنت.

على العموم ليس لدى أى دليل على ما أقول، لذا فلن أجادلك كثيرا فى ذاك الأمر، ولكن لتعرف فقط أننا حيوانات مسالمة تأكل العشب والأشجار، ولا تهاجم إلا إذا هوجمت، وفى أغلب الأحوال نتوارى عن الأنظار، كذلك دعنى أتفق معك على شئ آخر، إننى أفضل أن تطلق على أسم الكركدن، صحيح أننى لا أعرف أصل تلك التسمية وسأترك لك البحث عنها فى المراجع المختلفة، لكن على الأقل على مستوى اللغة العربية تحمل التسميتان الأخريتان بالنسبة لى معانى سيئة، فعادة ما يستخدم البشر أسم الخرتيت لمعايرة بعضهم البعض، أما أسم وحيد القرن فذاك هو الأسم الذى جر على فصيلتنا الوبال لقرون، فيتم إصطيادنا لأخذ قروننا الثمينة وبيعها بمبالغ باهظة.

3
الطبيعة قاسية، ونحن حيوانات ضعيفة البصر قوية حاستى السمع والشم، حكم علينا الصيد الجائر أن نعيش فى مجموعات صغيرة متفرقة فى الغابات، يومها كنت أنا وأبى وأمى نتمرمغ فى الوحل، خرجت مع أمى أولا وسرنا بضعة خطوات، أشتمت أمى رائحة تعرفها جيدا، رائحة لا يمكن أن تخطئها أبدا، لأنها تعنى ببساطة مواجهة شرسة وعنيفة مع الموت، فألتفتت خلفها، لتجد أبى يحاول الخروج من بركة الوحل ومجموعة من الأسود تحيط به، أطلقت له صيحة تحذيرية، فأطلق من بعيد صيحة لنا يأمرنا فيها بالركض والإبتعاد عنه، وهكذا ركضت أمى وركضت معها، حتى وصلنا لمخبئنا، وأخذنا ننتظر أبى لساعات ثم أيام دون جدوى، حتى تأكد لنا أن الأسود فتكت به وتغذت على لحمه لأيام.

لكن الوقت لم يمضى طويلا، حتى أشتممنا رائحة الموت مرة أخرى، لكنها لم تكن تلك المرة الأسود، ولكنهم كانوا الصيادون، هناك فارق جوهرى بين أن يقتلك الأسود وأن يقتلك الصيادين، ففى الحالة الأولى سيكون لديك فرصتين للنجاة، الأولى أن تركض، والثانية هى أن تواجه الأسود فى معركة شريفة من أجل الحياة أو الموت، فإن عدت سالما ستفخر دوما أنك يوما ما أنتصرت على الأسود، وإن قتلت ستتذكرك عشيرتك بأنك واجهت الأسود بشجاعة، لكن مع الصيادين الأمر مختلف.

فمعهم لن يكون أمامك أى فرصة لمواجهة شريفة وجها لوجه، فلن يقوم الصيادون بمواجهتك، ولن تتمكن من الهرب، فوابل الرصاص الذى سيصبونه عليك سيكون كفيلا بالفتك بك، هكذا حدث مع أمى، حاولت أنا وهى الركض، لكن الرصاص كان أسرع منا ففتك بها، بينما أصبت أنا إصابات خفيفة، فأحاط الصيادون بنا، ثم قاموا بتقطيع أمى أمامى لأخذ قرنيها (القرن الكبير والقرن الصغير)، ثم نظروا إلى، يبدو أن أحدهم أشار لهم بعدم قتلى، فأخذونى معهم تاركين أمى الصريعة حيث قتلوها نظرا لكبر حجمها وعدم قدرتهم على حملها، بعد أن أخذوا منها ما أرادوه، قرنيها الثمينين، وتركوا لى معها ذكرى بشعة مؤلمة لم تفارقنى طيلة حياتى.

4
بداخل كل جماعة قاتلة، توجد مجموعة تعزف عن القتل، أنت لا تعرف إن كانت تفعل ذلك لأنها ترفض القتل، أم لأنها ليس لديها مانع من ممارسة القتل ولكنها ترى أن لا يتم ذلك بتوسع، هكذا الإنسان يترك الآلاف منه يمارسون الصيد والقتل الجائرين حتى توشك الفصيلة الحيوانية على الانقراض، ثم يبكى عليها، ويتحدث فى كل مكان عن إختلال النظام البيئى، وبعدها يقوم بمحاولات ضعيفة داخل بعض من المحميات المنعزلة للحفاظ على أعداد قليلة منها، وكأنه بذلك يعفى ضميره من المساءلة.

حدث ذلك معى، فقد باعنى الصيادون لحديقة حيوان مفتوحة، لأمضى فيها فترة هادئة من حياتى، وأتخذ زوجا، نعم فأنا أنثى، فى الطبيعة يلهث الذكور فى مساحات شاسعة بين الإناث الراغبات فى الزواج، وقد يحدث تشابك فى معركة بالقرون بين الذكر والأنثى حتى يألف كل واحد منهما الآخر ويتزوجا، لكن هنا لم يكن كل ذلك متاحا، فلم يكن أمامى سواه، لذا لم يكن هناك إختيار، ولكنه كان مثلى أمضى فترة لا بأس بها فى الطبيعة فكانت طباعنا متقاربة، تزوجنا وأنجبنا وعشنا عيشة هادئة، بعيدا عن الأسود والصيادين، لكن لم يستمر ذلك طويلا، فيبدو أن المشروع قد تعثر، ومن الواضح أن أحدنا على الأقل كان عليه مغادرة الحديقة لحديقة أخرى، ولكنها حديقة مغلقة، ويبدو أننى من وقع عليه الاختيار، لأفترق عن عائلتى ثانية محملة بذكريات مؤلمة جديدة.

5
تختلف الحيوانات التى تتربى فى الطبيعة ولو خلال فترة من عمرها عن تلك التى تنشئ فى الأسر، فبالنسبة لذاك النوع الآخر من الحيوانات تصبح أقصى أحلامها الحصول على الطعام فى موعده، والخروج من القفص الداخلى للقفص الخارجى للتمتع بالشمس ورؤية زوار الحديقة من خلف القضبان، ويكون سبيلها فى ذلك هو الطاعة العمياء لحراس الأقفاص وعدم مضايقتهم حتى لا يحرموهم من الطعام أو الشمس، قطعا تخلق تلك الظروف لدى الحيوان أى ما كان ما هو ولو كان الأسد ملك الغابة نفسه، طبيعة مختلفة عن مثيله فى البرارى.

لذا فقد كان عسيرا جدا على أن أتخذ زوجا فى الحديقة الجديدة، فالأنثى هى الأنثى مهما كان نوعها أو فصيلتها، إن لم يملئ الذكر عينيها، ويشعرها بقدرته على إحتواءها والدفاع عنها، فلن تنظر إليه من الأصل، وقطعا الذكور الذين تربوا فى أقفاص حدائق الحيوان أبعد ما يكون عن ذلك، صحيح هم لم يختاروا تلك الحياة ولكننى أيضا لم أستطع تقبلهم، فكفانى ويلات حياة الأسر وذكريات صغارى الذين لا أعرف مصيرهم، فلن أثقل على نفسى بتحمل ذكر لا أقتنع به أيضا، خاصة مع بداية تقدمى فى السن، المهم فى النهاية سلمت إدارة الحديقة بعدم جدوى محاولات تزويجى.

لكننى صرت صديقة للإناث الأخريات ووجدت فى صغارهن عوضا عن صغارى، فحاولت تغيير الطبيعة التى سيرثونها من أبويهم، عن طريق إفهامهم أنه خارج قضبان الأقفاص وأسوار الحديقة توجد البرارى، حيث يمكن للكركدن الركض فى مساحات شاسعة من الغابات دون أن يستوقفه شئ، وأن يحصل على طعامه متى أراد، والتمرمغ فى برك الوحل وقتما شاء، دون إذن مسبق من الحارس، وأن يحظى بمواجهة متكافئة مع الأسود والحيوانات المفترسة.

كذلك صادقت الحيوانات الموجودة فى الأقفاص المجاورة والأطفال الذين كانوا يأتون مع ذويهم لمشاهدتى، كان بعضهم أطفال طيبون جدا، قمة سعادتهم أن يأخذوا الطعام من يد الحارس ويعطوه لى، وكان بعضهم أشقياء، ما إن يلتفت الحارس للخلف حتى يقذفوننى بالطوب، أولئك أعرفهم جيدا إنهم من إن سنحت لهم الفرصة سيصبحون الصيادون القتلة، لذا فقد كنت أنتفض بقوة فى وجههم، فمع كل طوبة منهم أتذكر ذكرى مؤلمة عن أبى أو أمى، أو زوجى أو صغارى، الحقيقة أن الحارس لم يكن يطيقنى كثيرا، فقد كنت بالنسبة له الكركدن الذى لا يسمع أوامره بسهولة، فكان يغمض عينيه دوما عن القذائف الأولى من الطوب، قبل أن يقف فى وجه الأطفال وينهرهم.

6
يمر الزمن وتتبدل الأحوال، فعندما تتقدم فى السن تنتظر كل يوم خبر وفاة أو نفوق- كما يطلق البشر على موت الحيوانات- زميل أو صديق لك، هكذا حدث معى، رحل عن الحياة من رحل من زملائى وأصدقائى فى القفص، ونقل لحدائق أخرى من نقل، لأصبح أنا الكركدن الوحيد الباقى بعد أن تقدم بي السن.

رأيته اليوم يقف أمام القفص ويلوح لى تماما كما أعتاد وهو صغير، ويطلب من الحارس أن يسمح لطفله أن يطعمنى، لكن الحارس أعتذر له، فأنا مريضة جدا وبالكاد خرجت لرؤية الشمس والزوار، رأيت فى عينيه نظرة أسى، فقد كان يجئ وهو صغير مع والديه ثم صار يأتى مع أصدقاءه عندما كبر قليلا، ثم كان يجئ دوما معها فى سن الشباب، وها هو ذا يأتى معها اليوم بعد أن تزوجا وأنجبا محاولا أن يرينى ولده، أراك تبتسم قائلا فى عقلك (قصة حب عند قفص الخرتيت)، ولما لا لماذا لا نكون رغم ضخامة جسدنا ودمامة شكلنا حيوانات ملهمة، لماذا لا نكون حقا اليونيكورن، لكن لا بأس ليس هذا وقت الجدل معك الان، فمازال الصيادون الصغار يقذفوننى بالطوب رغم حالتى الرثة، لكن الحارس فى تلك المرة لم يسمح لهم ونهرهم سريعا.

فحتى الحارس مؤخرا تغير كثيرا معى، صار يأتى لى بالطعام فى موعده دون تأخير رغم فقدانى الشهية، ويجلس أغلب أوقات خدمته بجوارى محاولا ملاطفتى، ويمنع الأذى عنى، فالحارس هو الآخر تقدم فى السن ويشعر بدنو الأجل، ولكننى أظن أن الحارس أيضا يخشى على نفسه بعد رحيلى، فسيخلو القفص، ولن يجد ما يحرسه، وسيتعين عليه أن يجد شيئا آخرا ليفعله فى أواخر أيامه، وهو ما لا يريده.

أما الان فدعنى أتركك بسلام، وكفانى ما لقيته من عشيرتك من البشر، فإننى أرى أمى وأبى وهما يناديان على من البرية، وأظن أن الوقت قد حان الآن للحاق بهما.

تمت


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى