الأربعاء ١٧ نيسان (أبريل) ٢٠١٩
القصة الفائزة بالمركز السابع في مسابقة دع الثامنة
بقلم عزيزة بوقاعدة

وحين فقدتك أضعتُني

أخرج علبة السجائر من جيبه الخلفي، نظر إلي وهو يشعل السيجارة بولاعة والدي!

أتذكرها جيدا؛ استعملتها ذات مرة في حرق دميتي باربي،

أخذتها من غرفة أمي خفية، تعثرت في حذائها الأسود ذي الكعب العالي؛

كادت أن تسمعني لولا أنها مشغولة كالعادة بالحديث على الهاتف، لقد منعتني من اخراج أشياء أبي!

(باربي) لن تغفر لي حرقي لشعرها الطويل وتشويه وجهها الجميل، ولم تغفر لي أمي كذلك، إذ كدت أن أتسبب بحرق المنزل الذي تعرضه للبيع منذ عام واحد،

اجتهدت كثيرا في ترميمه وأعادت طلاءه؛ لم يهتم أحد بشرائه؛ تقول دائما كلما جاءه زبون ثم ذهب من غير رجعة..

_تبا وألف تب كأن لعنة تحيط بهذا المنزل!

وكنت افرح في سري.. لم أشأ يوما مغادرته،

صفعتني يومها كثيرا حتى شعرت بحرارة تلفني؛ لم أستطع النهوض من مكاني لساعات طويلة، حينها كنت أفكر لم كانت تضربني وتبكي!

حتى أنني لم أذرف دمعة واحدة، أثارت ضجة كبيرة بصراخها ونحيبها حتى دق الجيران بابنا، فظلت تشكو لهم سلوكي حتى غفوت.

أنت ِ فعلا يا مرام فتاة ظريفة ومهذبة ولست ِ أبدا ثرثارة كمعظم المراهقات، ولكنكِ فعلا لا تعرفين شيئا عن أزمتنا المالية!

قطبت حاجبي وواصلت تحضير واجباتي، كانت العاصفة قد هدأت لتوها، الجو العاصف يجعلني كئيبة وصامتة وكأنني الوحيدة على هذه الأرض!

أيتها الفتاة حاولي التخلص من كماليتك المعهودة! في هذه الظروف نحن نحاول أن نأكل طعاما شهيا فقط،

في هذه اللحظة سمعت والدتي تدخل البيت الذي غادرته منذ السابعة صباحا ! اغتسلت واستبدلت ثيابها وتناولت الطعام؛ حينها فقط تخلصت من ازعاج زوجها الشاب الذي يجيد استقبالها كل مساء ويجيد الحديث أيضا، وحتى الطهي،

في الآونة الأخيرة بدت أحاديثها معي كثيرة، طيبة وتعاملني بلطف مزعج للغاية،

مرام حبيبتي كيف حالك؟ هل تريدين نقودا...! كيف دروسك! هل وهل..! أسئلة تجعلني مدهوشة،

أعود من الثانوية أجدها تنتظرني وقد أعدت كل ما لذ وطاب تستقبلني بذراعيها المشرعين،

حتى زوجها الشاب الأخرق أصبح لا يزعجني بغبائه وثرثرته،

كنت ابنة أبي، وكان حبيبي الذي فقدته منذ عشرة أعوام، كلما حلت ذكرى وفاته أشعر بأنه عاد إلي، عاد من قبره... يدق الباب ثلاث مرات بخاتم زواجه، اهرع لفتحه بعد أن أطلق صرخة مدوية

بابا... بابا...

اقفز مباشرة إلى عنقه اقبله من أنفه ويعضني من أدنى اليسرى كالعادة وهو يقول :مرام هذه الأذن أطول من الأذن اليمنى سأخذ منها قضمة!

وأضحك ويضحك بصخب، يستعمل أبي عطرا قويا جدا، لم يغادر أنفي الصغير منذ الطفولة، أشمه كلما زاد شوقي له وعصفت بي رياح الحنين!

السابعة عشر من شهر أكتوبر مات والدي، بعد أن صار مختلفا، هزل جسمه وسقط شعره،

كنت أقبله على رأسه الأصلع فيبكي ويضحك بصخب ويقول: قبلتك ِ تدغدغني أيتها الشقية وكنت أصدقه، بشكل هستري كان يضحك حتى تدمع عيناه! كان أبي كاذبا ومخادعا في كل شيء، فقد كان يحتضر في تلك اللحظة ويدعي الفرح والضحك فيما كان يتألم وهو يذهب إلى مستشفى المدينة لجلسات الكيمياوي،

حينما عاد ذات مرة أصلعا؛ أصابني الدعر من منظره! هدأ من روعي حينما أخبرني أنه ينوي تمثيل دور في فيلم تلفزيوني سيعرض قريبا!

لطالما كان أبي فنانا مسرحيا ورساما في الصباحات الماطرة! خدعني والدي بابتسامته التي انكمشت مع مرور الأيام، ظلت عيونه التي ترمش لي بأن اقتربي؛ فأقترب وأنا خائفة من شيء ما! لم أعرف ما هو بالضبط ولكنني عثرت على الجواب يوم سمعت صرخات أمي تدوى كالرصاص! تحت أقدامه جلست لا أملك دموعا ولا صراخا مثلها! كان سؤالا واحد فقط يرميني إلى اللاشيء! ماذا يعني هذا؟ ماذا يعني كل هذا! هذا العويل وهذا اللحاف الأبيض وأبي النائم الذي أرخى جسده ولم يعد يكلمني ولا يرمشني! ماذا يعني هذا!

الآن أبصرت ماذا كان يعني كل ذلك يومها!

كان أبي طعاما يعد على نار هادئة للموت!

المحتضر الوحيد الذي رأيته وأنا في ذلك العمر، وتعرفت على ماهية الموت وأنا في السابعة عشر! إنه البداية أيها الأموات هو بدايتكم إلى الحياة وهو نهايتنا إليكم!

أيها الأحياء إننا وجبات غذائية فلا تبتأسوا وموتوا سعداء!

اكتشفت أن أبي لن يعود منذ أعوام قليلة فقط، اكتشفت أننا لم نعد نعني له شيئا، تخلى عنا لرجل آخر أخذ مكانه في كل شيء، في كرسيه الهزاز و على مائدة الطعام وفي المكتبة وفي مشغله الصغير الذي يرسم فيه،

كان يمنعني من اللعب هناك! ويأمرني بعدم إحضار دميتي باربي، يقول أن شعرها الجميل سيتسخ!

وهاهو قد حولها هذا الرجل إلى غرفة يلعب فيها البلياردو كل مساء وأمي تشاركه اللعب وتضحك كلما تصادمت الكرات ببعضها.

أمي بكتّ الدمع الغزير حين شخصوا حالتي مؤخرا، الإغماء الدائم كشف أنني ابنة أبي فقد ورثته في كل شيء، صمته وذكاءه، عيونه وشعره، ورثت عنه حسن خطي العربي والرسم والتمثيل وكتابة الخواطر، جمعتها مؤخرا تحت عنوان وحين فقدتك أضعتُني.

تمت


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

كاتبة حزائرية

من نفس المؤلف
فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى