الأربعاء ٢٤ نيسان (أبريل) ٢٠١٩
بقلم مكرم رشيد الطالباني

زوجات خليفة الفاتنات!!

يقع منزلنا عند أطراف المدينة، جوار دار خليفة ذي اللحية الحمراء، ومنذ صباي كنت اشتاق لمعرفة أصل ذي اللحية الحمراء هذا وموطنه . يسترسل البعض من مجايليه حتى الآن بأنه قدم من بلاد القفقاس سائحاً فأستطاب له المقام ولم يقفل راجعاً . ويدعي آخرون إنه كان في الحرب العالمية الثانية هارباً من الخدمة العسكرية في الجيش الأنجليزي فأستقر به المقام في هذه المدينة وإضافة إلى إشتغاله في أعمال الصياغة فإنه كان يخلو لوحده بين حين وآخر، غير أنه وحتى الآن فإن أحداً لا يعرف تماماً أصل ذي اللحية الحمراء هذا، لذا يكفي الإنسان الإعتياد على شيء ومن ثم التفاعل معه ومن ثم يتركه بعد ذلك. والآن فأن قدوم وظهور ذي اللحية الحمراء في ذاكرة مجايليه بقي غامضاً ولن يعرفه الجيل الجديد بأي شكل كان .

ذي اللحية الحمراء رجل متوسط القامة ذو لحية تمرية اللون تتلألأ لحيته في ضوء الشمس كأنها كتلة من اللهب ملتصقة بوجهه. فمظهره وسيرته الخفية غدتا أسطورة وشركاً يحيران الإنسان. لو سألوه من اين انت؟ سيقول وإبتسامة هزلية ترتسم على شفتيه ( لقد ولدت في مدينة جابولقا. فجابولقا مسقط رأسي وموطني يقع خلف الجبال الوعرة. وهناك لن يهدأ الإنسان، ليس الرجال مسلطون ولا النساء، لا وجود للملوك ولا الفقراء، لا وجود للأيام ولا الزمن، لا وجود للجوع ولا الشبع. هناك في موطني الحبيب يكون الإنسان خفيف الظل وكأنك تنفخ في ريشة، سيصل مع الريح إلى أي مكان يبتغيه).

لذي اللحية الحمراء أربع زوجات فاتنات، يقال بأن زوجاته لازلن حتى الآن عذراوات، لأنه يعتقد بأن المرأة الفاتنة زهرة يجب عدم المساس بها وألاّ تنجب أطفالاً أبداً وتدمى تلابيبها. كانت كلمات ذي اللحية الحمراء هذه تلين رغبات المراهقين، كالشمع والسمن. ومنذ لحظتئذ أذوب جسداً ورغبة بفعل تلك الكلمات واغدو بخاراً ومن ثم أعود إلى سيرتي الأولى. جراء تلك الكلمات اصبحت المرأة الفاتنة في نظري تمثالاً سحرياً، تمثال ترنو إليه دون ان ترتوي، تمثال لا ينبس ببنت شفة ولا يتحرك، دون أن ينقص أو يزيد.

حين قام خليفة بزيارة منزلنا لأول مرة، شعر بسعادة غامرة لمشهد المنزل، وكان منزلنا متحفاً في حد ذاته، خاصة إنه كان يشبه منزل الصيادين القدماء، فكانت البنادق القديمة والخناجر الصدئة وجلود السلوقي المليئة تبناً معلقات، وكانت الجدران مزدانة بجلود الغزلان والأرانب البرية والضباع، حين كان المرء يعرج على منزلنا لأول وهلة، كان الفزع يتملكه لفترة، من جهة ينتابه الدهشة جراء المشاهد وتجحظ عيناه، ومن جهة اخرى يصاب بالدوار جراء روائح الجلود والفراء.
اعتبر نفسك بأنك ستتجه الآن إلى منزلنا هذا، فبعد ان تفيق سيقع نظرك مباشرة على فرو أنثى الضبع معلقاً على ذلك الجدار المبني من البلوك الذي لم يتم تبيضه، ستشاهد خرزة زرقاء تم تثبيتها بالخيط في فتحة الفرو، فما عليك سوى ان تصغي، فتتناهى أصوات عويل وتأوهات وانين إلى أسماعك، ولو أصغيت جيداً فإنك ستسمع من بين تلك الأصوات صوتاً مبهماً كأنه صادر من اعماق نفق طويل (نحن نشبه بعضنا بعضاً أباً عن جد، بذاتينا وخطايانا، بحربنا وسلمنا، بحبنا وزعلنا نشبه بعضنا البعض، وإن كنا في عصر ما مختلفين من حيث الهيئة والمظهر، فإننا لا نختلف قيد شعرة في سلوكنا. نحن دوليٌ يبلغ عمرنا آلاف السنين). وحتى الآن يرن في اذني الصوت الصادر من أتون فرو الضبع هذا وحفظت حروفه وكلماته عن ظهر قلب.

ومن ثم تصور، بأن (خليفة) ذي اللحية الحمراء قد قدم إلى منزلنا، واسعده المشهد وذلك الصوت، فالآن أنا ومشهد منزلنا والصوت الصادر من الفرو كنزٌ وقد اكتشفنا لتونا لنقع تحت تصرف ذي اللحية الحمراء حيث لن يستطيع من فرط السعادة لملمة شفتيه لأنه في هذا العمر الذي يزيد عن السبعين ليس لديه رفيق في مثل سنه، لهذا يرغب أن يعاشر الشباب، ولن يدركه الشيب ابداً وان لحيته النارية تشبه لحية شاب ما بعد سن الرشد، فالشاب الذي يزور منزله مرة واحدة سيدركه الخمول جراء أقواله، ويتبخر جسده ويعود ثانية إلى سيرته الأولى، إنه يرحب بالشباب بشكل لن يلقوا الترحيب مثله في مكان آخر. إن منزله عبارة عن متحف كمنزلنا، أعتبر نفسك تتجه الآن إلى منزله، ستجد كافة الغرف وجل الحيطان مغطاة بفراء الثعالب، حيث شدت العديد من فراء الثعالب ذات اللون الرمادي والمائل للأصفر والأحمر والرمادي إلى بعضها البعض مكونة بساطاً في الغرفة . حين يجلس المرء على فراء الثعالب هذه، يشعر بحرارة سحر ما وتتحرك في اعماقه سلوك وتصرفات ثعلبية من تلقاء نفسه. فالشاب الذي يتوجه لأول وهلة إلى تلك الغرفة المغطاة بفراء الثعالب ستتجدد رغبات جل عمره الدفينة هناك، لأن زوجات ذي اللحية الحمراء الأربع سيحطن به بكل ابخرة وعرق أجسادهن الأنثوية وثيابهن المزركشة، وهن يحملن في ايديهن أذيال الثعالب عوضاً عن المهفات وهن يهفنها بصمت وغنج ودلال ويتفرسن فيه بلحاظ سكرة دون الترحيب به .
وقتما توجهت للوهلة الأولى إلى منزل ذي اللحية الحمراء وفي خضم محاصرة زوجاته الأربع الفاتنات كنت اتصبب عرقاً من شدة الاستحياء، كنت ادرك بأن تلك الزوجات أصبن بالغثيان في بيت مغطى بالثعالب، وهن يخسرن عمرهن سدى . كنت أدرك بأن هناك صياداً أختبأ في جمجمة رؤوسهن يتربص بسنهن وسن حديثات البلوغ، فكنت اتصبب عرق الخجل مراراً، لم اكن أعرف كيف اتنفس في خضم روائح فراء الثعالب وابخرة أجساد زوجات ذي اللحية الحمراء الأربع! أو كيف لي التصرف في دنيا من الجمال واللوحات الأزلية! في مكان غير مرئي من ذلك المنزل كان هناك خوفٌ يقضمني من أعماقي: (هذه الزوجات هن مقدسات خليفة ذي اللحية الحمراء، إنهن التماثيل المقدسة التي يجب ان تنحني لها إجلالاً، وحسب تعبيره إنهن زهور يجب الاَ يمسن، ألاَ يخلفن ذرية فاسدة وتدمى تلابيبهن . وحسب تعبيره فإن الذرية عدو المرء، عدو الجمال، مبعث المشاكل .. المشاكل) . كنت ارى في كل واحدة منهن كانت العيون لوحدها، وقمة الصدور لوحدها، والسواعد والزنود التي لم تحف زغبها لوحدها والشهقات الملأى حسرة لوحدها تطالب بالتعويض عن العمر الذي ذهب سدى ادراج الرياح. وهكذا وفي هذا الطقس السحري لم ادري بدوري كيف خرجت من منزل خليفة ذي اللحية الحمراء.

وقتما وصلت إلى منزلنا، كانت روائح وابخرة أجساد زوجات خليفة ذي اللحية الحمراء لا تزال لم تنقطع عن حاسة شمي، كنت اشعر بوجود الروائح نفسها ها هنا، وكانت المشاهد تشبه بعضها، وكان الفرق الوحيد هو شمشمة رائحة فراء الثعالب في منزل ذي اللحية الحمراء وشمشمة رائحة فراء الغزلان والأرانب البرية وانثى الضباع في منزلنا، ومنذئذ وكأن تغييراً قد حدث في نظام حاسة الشم لدي فقد كانت روائح منزل ذي اللحية الحمراء لا تكاد تنقطع عن حاسة شمي دوماً، أينما ذهبت كنت أتشممها، بل إن رائحة فراء الثعالب والأبخرة النسائية كانت تُشَمُّ من يدي وثيابي، لذا أينما حللتُ كانت تلك الرائحة تجذبني دون إرادتي.

وفي المرة الثانية حين اتجهت إلى منزل ذي اللحية الحمراء، لم يكن ذهابي وفق رغبتي، بل جذبتني الروائح، فقد وجدت نفسي واقفاً عند عتبة منزل ذي اللحية الحمراء، طرقت الباب متردداً، وقد فتح ذي اللحية الحمراء الباب لي بمودة واردف قائلاً: (يار علي كنت متأكداً بأنك ستعود ثانية). ومع فتح الباب أسترقت لحيته الحمراء ماء ناظري ككتلة نار حمراء. تطلعت إلى لحيته النارية لبرهة وأنا فاغر فاهي. لكن يبدو أنه يفهم كل شيء ويدرك متى يكون المرء مضطرباً ومتى يكون طبيعياً، أمسك بي من ذراعي كأحد اقربائه وقادني إلى غرفة الضيوف. وهناك أستقبلنا من قبل مجموعة من الناس ولم يستقر بي المقام حتى أحاطت بيّ زوجات خليفة الأربع الفاتنات وهن يمسكن بأيديهن أذيال الثعالب وبدأن بتهفيفي. فأزداد إنزعاجي هذه المرة مما سبق، ففي هذه المرة كان يجلس هناك سبعة اشخاص آخرين، عدا الزوجات الأربع إضافة إلى خليفة ذي اللحية الحمراء نفسه. ومن خلال حصار الزوجات جلتُ بنظري إليهم بطرف عين، وكأنهم في غفلة من وجودي، كانوا مشغولين في أمورهم، فزادني المشهد إثارة، حيث أراني الشك نفسه الآن كشبح، كنت اظن بأن شركاً قد تم حبكه حولي وهو يزداد قوة بمضي الوقت ويلتف حول جسدي، لهذا كنت اعتقد بأنني بين فردوس وجحيم ما، فمن جهة كان عطر وشذى وابخرة زوجات خليفة ذي اللحية الحمراء الفاتنات أسكرتني إلى درجة، كانت ذكوريتي تتجسد امامي، ومن جهة اخرى كان مشهد الأشخاص السبعة يلغي ذكوريتي وكنت أعتبر نفسي مخصياً بلا ذرية. كنت اتوقع إنه بعد هنيهة أو أخرى وفي اعقاب خطيئة ما سيرمى بيّ كآدم من الفردوس إلى أعماق الجحيم.
كنت في توجساتي هذه حين تم وضع قدح من الشاي امام خليفة ذي اللحية الحمراء، فأرتشف نصف القدح من الشاي وقال بصوت رقيق ( فليكن نصف القدح من الشاي هذا ليار علي، لكي يتطهر من ادران الدنيا) وعقب قوله هذا وضع احد من الأشخاص الستة القدح المليء إلى نصفه شاياً امامي، ومن ثم لم يعد لهم اي شان بيّ، وكان ذي اللحية الحمراء مستمراً في حديثه دون توقف، كنت أنظر إليهم بطرف عين وكنت أتصبب عرق الخجل بين ابخرة أجساد الزوجات، حين افقتُ وجدتُ القدح المليء لنصفه شاياً قد وضع امامي، بيد غير راضية ناولت القدح المليء لنصفه شاياً وقربته من شفتيّ وفي تلك اللحظة كان الشك جلاداً وقد اخرج برأسه من خلال القدح المليء لنصفه شاياً، وكان الشرر يتطاير من عينيه، ذو لحية حمراء بارزة ككتلة من النار، وكان يماثل من حيث المظهر الخليفة ذي اللحية الحمراء، كنت اشعر بأنه يقول لي : (إذن أرتشفه، لن تدوم الذكورة لأحد، فالخصي طوال حياته ينتظر كل ذكر، فأحياناً يواجهه مبكراً، ويمكن أن يواجهه في نهاية العمر، إذن إغمض عينيك وارتشفه، وأدخل بدورك إلى حلقة الخليفة ذي اللحية الحمراء وطهر نفسك من الخطايا. إذن ماذا تنتظر! فكل الذين جاءوا قبلك إلى هنا لم يعاند أي منهم كما تعاند، فهم الآن مرتاحو البال والسكينة، هؤلاء ليسوا ذكوراً ولا إناثاً، إذن إغمض عينيك وأرتشفه).
كنت قد أغمضت ناظري، ولم اكن قد وضعتُ شفتي على حافة القدح بعدُ، وفجأة شعرتُ بأحدهم يقف قبالتي في تلك الغرفة وهو يحمل كأساً من السموم يحيط به أناس مختلفون قلت له: (من أنت؟) قال (أنا سقراط، وهؤلاء الذين يحيطون بيّ، هم الجلادون، وأولئك هم وجهاء أثينا، وهؤلاء هم تلامذتي). كان هادئاً جداً إلى درجة وكأن ليس في ضيافته أحد. كنت اسمعهم يقولون: إذن سيدي قل شيئاً ولا ترتشف السم، وآخرون كانوا ينادون بصوت عالٍ ويقولون: لا تقل شيئاً وأرتشفه.

كنت لا أزال مغمض العينين، شعرت بأن سقراط قد دنى مني كثيراً وهو يهمس في اذني (فكر في نفسك ولا شأن لك بيّ، إني أرتشف سم عصري وأنت ترتشف سم عصرك. وأعلم بأن لكل عصر سمه الخاص به والموت الخاص به. إضافة لذلك فلو أستغرق قبض روحي ساعة واحدة فقط فأن قبض روحك ستستغرق عصوراً طويلة، لأن جلادي عصري ليسوا من المهرة وقد تم إختيارهم من بين البلهاء الذين لا يفهمون معنى ربيع موتي، ولكن جلادي سمك هم من المهرة الذين يعرفون كيف يمحون الموت وأهمية الموت معاً. يا يار علي فكر قبل أن ترتشف القدح المليء لنصفه شاياً الذي تحمله. أتعرف لماذا أصر على موتي لكي أسكب ماءً وألاَ أُبطِّلَ سحر العقاب، ولكن سحر العقاب وتعبير الموت في عصرك بطُلَ منذ زمن بعيد ولن ينتج دروساً وعبر، لذا يستوجب أن تكون واعياً وتفكر، فكر يا يار علي فكر..).

كنت مغمض العينين، وكنت أرى سقراط بكل أحاسيسي وهو يقف قبالتي ولم يكن قد ارتشف كأس السم بعد، ولم أكن اعرف هل إنه كان ينتظر إشارة الجلادين، أم إنه كان يريد أن أصدر قراري أنا، وددت أن أنتهز الفرصة قبل أن يرتشف السم واتعلم منه درساً في الخلود، أو على الاقل أن احكي له عن همومي، قلت له( أيها العظيم المغدور سقراط، كيف لي أن اموت موتتك، إن لموتك معنى كونياً، لكن دقق أنت في هذا، إن مادة الموت في عصرك هو السم لوحده، إذن فذلك هو السم يجب على المرء أن يتجنبه، أما في عصري، إضافة إلى السم الطبيعي، تجد جميع الاشياء مسمومة، فأنا الآن في أجواء مسمومة؛ فالمرء، والفكر، والسلوك، والجمال، وأفتن النساء، وأنبل الرجال مسمومون جميعاً، وحتى الجمل والكلمات والحروف في عصري مسمومة، فالقدح المليء لنصفه بالشاي الذي احمله أشك في أن تم تسميمه، لهذا تجدني لم اشرع في إرتشافه بعد، أخاف أن أرتشفه واغدو ثعلباً، وإن غدوت ثعلباً عندها علي الهرب دوماً وأكون بالمرصاد، حيث يتبعني الكلاب ما زلت حياً، ويجب علي سلوك المتعرجات والملتويات خوفاً من الكلاب دوماً، وعدم السير بملء إرادتي ورغبتي في الطرق المستقيمة، يا سقراط العظيم اخاف أن أرتشف القدح المليء لنصفه شاياً هذا وأغدو حصاناً مخصياً لن يستخدمونني ما حييت سوى لنقل الأحمال. أخاف .. أخاف، لأن كل شيء في عصري غدا جثة ذلك الضبع الذي حلِّلَ نصفه وحرِّم نصفه الآخر، لذا لا يؤكل أي منهما لأنهما مقززان ومنفران ..لا .. لا..!).

فتحت ناظريّ قليلاً وأغمضتهما، كان سقراط لا يزال واقفاً قبالتي، وكان لايزال يحمل الكأس في يده، كنت في عجلة من امري، وقبل فوات الأوان، كان عليّ أن أحذره من الخطر المتوقع، أو على الأقل التعبير عن حزني ومواساتي، لأنني كنت اشعر بأننا نشترك في شيء واحد الا وهو الموت، وقد همست فيه بصوت غير مسموع قائلاً: (يا سقراط العظيم، إني أعرف إنك الآن مشغول البال بقضية موتك وليس لديك الوقت لسماع ثرثرتي هذه، ولكن أدرك بأن موتك سيفزع ألوف البلهاء أمثالي. إن قدومك في مثل هذه الساعة إلى هنا بالنسبة لي هو ذلك الدرس والعبرة من أن استفيق من نوم عميق . الآن أدركت أن الذين أرتشفوا نصف القدح من الشاي قبلي بين حصار زوجات خليفة ذي اللحية الحمراء الفاتنات وشذى وابخرة أجسادهن الأنثوية، كانوا يعانون طوال حياتهم من آلام خصاهم، لأن الشاي المسموم ليس له أي أثر على الجسد والروح، لأنه يسير في جوف المرء حتى يستقر في الخصية، كظالم وعارف للغة يجعل الخصية ملاذه السرمدي، وهناك يقوم بإفناء كل الأحياء وكل رجال المستقبل رويداً رويداً، حتى يصبحون رواسب وعلقة خائضة، وهكذا تغدو الخصية خراباً محروقاً. يا سقراط العظيم إن الذين وعقب إرتشافهم نصف القدح من الشاي هذا لم يكونوا ليجرؤا رفع أنظارهم إزاء ذي اللحية الحمراء ولم يبق لديهم حاسة الشم ليشمشموا بها شذى وابخرة أجساد تلك الزوجات الفاتنات الطرية. أعتقد بأن هذا هو اللقاء الأخير بيننا والحديث الأخير الذي يجري بيننا، فإلى أمل اللقاء في عصر آخر وموت آخر)

فتحت ناظريّ، كنت لا زلت احمل القدح المليء لنصفه شاياً في يدي، نظرت فلم اجد زوجات خليفة ذي اللحية الحمراء الفاتنات هناك، ولا الضيوف الستة ولا الخليفة ذي اللحية الحمراء نفسه، فألتفت حولي مندهشاً فاغراً فاهي لبعض الوقت، لم اكد أعرف ما الخطب .
كأنني كنت أحلم، فقد سارت الأحداث كالبرق وأنتهت، لا مشهد الموت البطولي لسقراط ولا زوجات خليفة الفاتنات ولا الضيوف ولا خليفة نفسه لم يكن لهم أثر يذكر، وقد سُكِبَ القدح المليء نصفه شاياً الذي كنت أحمله في يدي منذ أمد بعيد، الآن هناك في هذا المكان أذيال أربعة ثعالب مرمية على الأرض حولي، وقبالتي في مكان خليفة ذي اللحية الحمراء، كان هناك ثعلب كبير ذي لون يميل للإحمرار يجلس القرفصاء يهز ذيله ويتفرس فيّ بعينين عبوسين كتومين .
عن مجلة (رآمان) الكوردية ، العدد(61) تشرين الثاني 2002 .

قصة كوردية مترجمة

قصة : جليل كاكه ويس
ترجمة: مكرم رشيد الطالباني


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى