السبت ٤ أيار (مايو) ٢٠١٩
ماريونيت

رغبات العشق والموت حينما تثور عرائس الماريونت


تأتى رواية ماريونت للأديب المصرى رضا سُليمانكحالة فنية رفيعة المستوى تموج بالوعى والشراسة ترفض أن نقص أظافرها وأن تطفئ حرائقها وأن تمضى هادئة فى سياق التجارب الأليفة الناعمة.

إنها مغامرة مثيرة تجاوزت حدود السائد لتنطلق إلى مشاغبات ثائرة مع إيقاعات الحقيقة المراوغة المسكونة بوهج التساؤل حول هؤلاء الذين اغتصبوا الروح ومزقوا الجسد وبعثروا دفء الشمس وقرروا امتلاك القمر.

كتب المؤلف المثقف رضا سُليمان – الروائى والمخرج والناقد – رواية اسثنائية مدهشة تعلن العصيان على وجود وحشى غاب عنه المعنى والهدف والدلالات، وجاءت الكتابة مختلفة مغايرة.. رشيقة ثائرة، حارة ومتمردة، مسكونة بعشق الوطن والحرية، باحثة عن مصر وعن إنسانية الإنسان.

فى هذا السياق كان فعل الكتابة هو قرار بامتلاك أقصى أشكال الحرية حيث تجاوز المؤلف جمود التابوهات المغلفة واشتبك بحرارة مع السياسة والسلطة والجنس والإقتصاد والمجتمع لنصبح أمام وجود فنى يمتلك شرعية الانتماء للفن الإنسانى الجميل.

وإذا كانت مجتمعاتنا العريقة لا تزال تتباعد عن جدل الحواس ولغة العقل وحرية الكتابة وتنجذب بقوة نحو أحادية الصوت وتسلط التابوهات، فإن الكتابة تأتى غالبا عقيمة مسكونة بهوس الخضوع والرضوخ تغيب عنها قوة الصوت لتبقى الأصداء الشاحبة.. تلك الحالة التى تجاوزها "رضا سليمان" عندما قبض على جمرات الفن النارية واتجه إلى يقين عارم فالإبداع هو فعل احتجاج دائم ضد كل أشكال التسلط الذى يهدد الفن والحرية، إنه حرية مواجهة العالم بدون السقوط فى هوة المصنوع سلفًا، لذلك كان لرواية ماريونت قانونها الخاص وإطارها المرجعى المتميز حيث النضج والاختلاف والتساؤلات التى تمزق الأسرار.

وهذه الرواية يهديها المؤلف إلى شهداء الوطن وأبنائه الباحثين عن الحرية وقداسة الإنسان.. كما يهديها إلى العالم أجمع ليكشف ويعرى كل مَن خانوا وباعوا وتزيفوا وتلونوا واندفعوا إلى أطماع صغيرة أو كبيرة.

من المؤكد أن رضا سليمان قد أهدى الوطن والواقع الثقافى قطعة فنية مثيرة للجدل والتساؤلات باعتبارها الرواية الاستثناء التى تأتى كملحمة مسكونة بقسوة الأقدار ودعارة السياسة ومراوغات التاريخ.. إنها ملحمة الكشف والعشق والواقع والتناقضات، هى بحث عن الإنسان والتاريخ والفرسان عن الثورات والفقراء وعن مصر وهى فى وادى النار.

تجمع الرواية ما بين صدق وحساسية المنظور الوثائقى وبين سحر وحرارة السرد الدرامى المدهش لنصبح أمام وجود واقعى يموج بالحياة ويشتبك نقديًا وعلميًا مع "لوسيان غولد مان" والتيار الاجتماعى للنص، ويشتبك مع فرجينيا وولف وتيار الوعى، ويشتبك أيضًا مع هنرى جيمس فى كتابه " الفن الروائى" حيث يقول إن الروايةهى صورة للحياة أو انطباع شخصى مباشر عنها والروائى لا يستطيع أن يكتب عملًا جيدًا إلا إذا توفر له الإحساس بالحقيقة والمقدرة على تحويل نبضات الوجود إلى رؤى. كما يؤكد على أهمية الدقة وصدق التفاصيل من أجل الإلهام بالحقيقة ولابد من إمكانية الفصل بين الرواية وشخصايتها، أما عمق خواص العمل الفنى فهى تسكن فى قدرة المؤلف على استنتاج الغير مرئى من المرئى، ويذكر أن هدف الرواية بشكل عام هو محاولة الإمساك بنغمة الحياةوإيقاعها الغير منتظم.

هكذا تصبح الماريونيت هى تجربة حداثية مختلفة تمتلك شرعية الإنتماء للفن الروائى الجميل حيث استطاع المؤلف أن يتجاوز الاتجاهات السائدة وأتى بممكن جديد فى وطن أدمن القسوة واعتاد الفرار إلى المجهول.

نتعرف على شخصيات الرواية التى رسمها المؤلف بحرفية عالية فصارت واضحة المعالم كاملة الاستدارة تمتلك الهوية والإطار التاريخى، تشتبك مع الوعى الإجتماعى والثقافى، كما يكشف البناء النفسى للشخصيات عن مستوى أعمق للقراءة يتشكل معه تيار مواز من الصراع العنيف بين الإنسان والسلطة والسياسة، ومسارات تكوين اللاشعور الجمعى المسكون دومًا بالردة والقهر والجهل والعبودية، وفى هذا الإطار اتخذت مشاغبات المؤلف مسارها عبر تقاطع السرد والحكى مع الأحداث.

تيارات الوعى تموج بحرارة المشاعر واندفاعات الأعماق بينما يغيب المفهوم التقليدى للزمن ويظل صوت المؤلف حاضرًا بقوة ونموذجًا لحالة من الجدل والثراء عبر وجهات نظره ورؤيته لما حدث فى ثورة يناير فى مصر.

تأتى تقنيات الكتابة فى رواية ماريونت لتذكرنا بفلسفة بيكاسو الذى أسقط أقنعة الزيف ورسم وجوهًا تعددت فيها الشفاة فنحن أمام كتابة بلا مركز، يميزها التنوع والثراء والتعدد، وهى تعد نموذجًا جماليًا وفلسفيًا لفكرة سقوط المرجعيات المعرفية والإجتماعية حيث لم يعد للعمل الفنى بمفهومه الحداثى بؤرة محددة ينطلق منها ويتشكل وينمو عبر اختلاف الرؤى وتعدد الأنماط، فالفنون بشكل عام وبشكل خاص، تشهد تحولا جذريًا ينتزعها بقوة من سلطة المطلق والواقع والمحاكاة ويأخذها إلى خصوصية الذات والتفاصيل اليومية وإيقاعات المشاعر ونبضات الجسد وذلك فى إطار تغييب المرجعيات وينتقى مبدأ الوحدة العضوية لنصبح أمام جماليات شرسة يبعثها تفجير المعانى الأحادية وتحويلها إلى نص أدبى جديد من التكوينات المشاغبة فكريًا ودلاليًا.

التعويذة

فى رواية ماريونيت وقبل البداية تأخذنا التعويذة إلى فجر التاريخ فى زمن الفراعنة لحظة سقوط الخير وصعود الشر حين قُتِل أوزيريس وأعلن كهنة المعبد أن روحه ستظل مؤرقة بالخوف من أن تحفر الأرض وتروى بالدماء وبالطبع قد تحققت مخاوفه. وفى هذا الإطار نصبح أمام اشتباك جمالى مع دلالات الإمتداد الشرسة لمفاهيم العهر والتسلط والاستبداد فى مصر منذ عهد الفراعنة وحتى اليوم.

وقد تبلورت وجهة نظر رضا سليمان فى أن الكهنة هم أياد الآلهة على الأرض، بيدهم قيادة قطيع خانع يستجدى رحمة الآلهة بإرضاء كهنتهم.. ولن يرضيهم غير ما يحقق مصالحهم وتصبح لهم سطوة لا حدود لها، هكذا ندرك أن حضور الكهنة لا يزال مسيطرًا على حركة المشهد السياسى و الاجتماعى.

وتمتد التعويذة منذ الماضى البعيد وحتى الأن حيث الوعد الأول، وعد أرثر جيمس بلفور 1917 وأفكاره القادمة من الجحيم والتى يطرحها المؤلف برشاقة ساحرة عبر جماليات التضافر بين الحلم الصهيونى والحلم الإخوانى، وعبر تقاطعات الزمان والمكان مع التاريخ والأحلام وعذابات الإنسان لنصبح فى قلب الأحداث فى يناير 2011 ونتعرف على تفاصيل وسط البلد فى زهرة البستان ونجمة التحرير وأسرار المقاهى وهمس البنايات و وجوه البشر وهكذا ندخل عالم "لمياء سعيد" الأنثى الجميلة المسكونة بالأحلام والطموحات خريجة الجامعة التى لم تجد عملًا ولا مسار الوجود فاندفعت إلى عالم الصحفى "توفيق عبد الستار"الذى استقطب "إيمان سمير"و "أحمد عبدالهادى" صديقها المثقف وأيضًا "هانى فؤاد" لنصبح أمام اشتباك ساخن مع الدور المشبوه لمنظمات حقوق الإنسان وطبيعة التمويل الذى اتجه فى الوقت الحرج إلى قلوب وعقول الشباب ليمنحهم أملًا مراوغًا زائفًا ومخيفًا.

ويظهر "مجدى سرور" المحامى والسياسى الشهير حاضرًا بقوة عبر الحالة الروائية، والبناء الدرامى للشخصية يوجهنا بقوة إلى وجوه عرفناها فى السنوات الماضية، فقد استطاعت زوجته "هناء التونى" الصحفية أن تدفعه إلى الأضواء فهى المدبرة والمخططة لكل تحركاته حتى صنعت منه بطلًا خاصة فى فترات سجنه.

أما الشيخ "شريف جلال" فهو نموذج إنسانى يستحق أن نقف أمامه طويلًا لتفسيره وقراءته.. مهندس اتصالات لكنه يعمل حمالاً فى ميناء السويس، اندفع إلى الجماعة وأصبح رمزًا من رموزها، و فى نفس الوقت الذى يعيش فيه لحظات عشق عنيف مع زوجته هدى الأنثى الساحرة يستدعى للذهاب إلى أمن الدولة ليحقق معه الضابط "تامر حسين" الذى أمر بتعذيبه بعد اتهامه فى حادث تفجير الكنيسة فاندفع الصول "حلمى الوردانى" لتنفيذ الأمر ومات شريف جلال من أثر التعذيب.

الوعد الثانى

وتأتى شخصية الشيخ "إبراهيم السويفى" لتضعنا أمام مواجهات ساخنة، أبعاد الشخصية وخطوطها وأعماقها وأهدافها تم رسمها بشكل لا يسعنا معه غير إبداء الإعجاب بوعى المؤلف وثقافته، فالشيخ حاضر بقوة فى قلب صراع هيستيرى مهووس.. رأيناه فى السويس وفى التجمع الخامس وفى قطر وفى أمريكا.. هو الذى باع وخان وأهدر كل القيم والإنتماء وحصل على الوعد الثانى وكان الثمن هو إسقاط مصر الدولة، والجيش، والشرطة.. ليصعد حلم الخلافة الإسلامية.. عرفنا الشيخ عبر السرد الأدبى وتوغلنا إلى أعماقه وشاهدنا اندفاعاته ونزواته وعلاقات، كان رئيس التنظيم السرى للجماعة.. وفى تسارع للأحداث يكاد حلمهم فى الوصول إلى السلطة والعرش أن يتحقق لكن الأقدار دفعت بالدكتور "صالح حفظى" إلى عرش مصر لتعيش مهزلة السقوط والانهيار.

اشتبكت الرواية مع العديد من القضايا والتيمات مثل الفساد والرشوة فى المؤسسات الحكومية والذى تبلور عبر شخصية "وائل طلعت" وتفاصيل حياته وطبيعة رؤيته للوجود بشكل مادى نفعى يتقاطع مع سلبيات أخرى مثل تلك التى طرحها المؤلف عبر العلاقة المثلية بين "إيمان سمير" النفعية بالدرجة الأولى والتى كانت تحقق أطماعها عبر استغلال حاجة الشباب ونزعتهم الوطنية فتوظفها فيما يحقق أهداف جمعية حقوق الإنسان التى تحصل منها على المبالغ التى تضمن لها حياة رغدة وانتشار فى الأوساط الصحفية، تلك العلاقة المثلية بين "إيمان سمير" و "لمياء سعيد" التى تفيق عبر أحداث الثورة لترى الواقع بعيون أخرى فتنهى بنفور هذه الممارسات العقيمة وتقرر "لمياء" البحث عن وهج الحياة.

ويظهر دور بعض الدول فى تأجيج الأوضاع فى مصر عبر شخصية "ناجى عبداللطيف" ولقاءاته بالجالية المصرية وفى نفس السياق نتعرف على كيفية الإعداد لمظاهرات 25 يناير ونتعرف على الخطة التى أخذها رئيس التنظيم السرى للجماعة من مستر "ميشيل" والتى تتبلور فى ضرورة خلق أحداث ومواجهات، تكسير حجارة الأرصفة، خلع قضبان السكك الحديدية والترام وحديد الكبارى، خلق حالة من الرعب والفزع، مصابون حقيقيون و وهميون يندفعون إلى الأهالى صارخين من اعتداء الشرطة الوحشى عليهم، شباب يقوم بالتصوير.. ثم يؤكد المؤلف عبر الكثير من الأحداث والسرد على الحالة المعاشة من أن النظام الضعيف المصاب بالشيخوخة لن يجد الفرصة للدفاع عن نفسه.

تأتى علاقة "إلهام مندور" المرأة الغانية فى حياة "مجدى سرور" لتكشف لنا عن طبيعة مفاهيم النشطاء والناشطات فى مجال حقوق الإنسان حيث علاقات الخلل والجنس والزواج العرفى والطلاق المشروط ورغم حرارة الإثارة والتشويق التى يبعثها هذا الخط إلا أنه امتلك قدرًا عاليا من الجرأة والصراحة والكشف عن خفايا التى تدور خلف الأبواب المغلقة بالشكل الذى يدين وقائع الاهتراء الإنسانى والاجتماعى عبر سنوات طويلة مضت.

تمتد إيقاعات هذه الملحمة الروائية الضخمة وتتنوع شخصياتها، فيتعاطف القارئ مع "حسام منصور" شاعر الجامعة الثائر و زوجته سماح فهو إن كان معذبًا بالفقر وما يشاهده حوله من عهر إلا أنه يعشق مصر ويظل وفيًا لهذا العشق وينسحب تمامًا من المشاركة من أى فعاليات بعد جمعة النصر وتنحى رئيس البلاد.

صياغة المؤلف لشخصية "حسن عبدالحميد" الفلاح المصرى الشهم.. ابن الأرض والشمس والوهج.. جاءت لتضعنا أمام نموذج متميز لم يتحول إلى ماريونت واحتفظ بنقاء روحه وصدق إنتمائه لبلده.

تقترب النهايات ونعايش المواجهة فى 25 يناير عبر تفاصيل أحداث ميدان التحرير وماسبيرو وعبدالمنعم رياض و وسط البلد.. أشباح الموت والدم تعانق الوعى والحياة. وهناك فى التجمع الخامس حيث الشيخ إبراهيم السويفى، الذى تزوج هدى أم مصعب الجميلة و أرملة تلميذة القتيل الشيخ شريف جلال،يمارستصعيده للأحداث تصاعدا مثيرا والمؤلف يشتبك بقوة مع دور الإعلام ودور القنوات الفضائية المشبوة وبداية نزول الإخوان إلى المشاركة ثم الهروب الكبير من سجن وادى النطرون و وقائع التنحى وإحساس الشعب بأنه أمام ميلاد جديد فقد سقط النظام وتحقق ما أراده الشباب.

تمتد الأحداث على مدار الأيام ويتصدر الشيخ "إبراهيم السويفى" المشهد وتصبح الجماهير رهن إشارة الإخوان ويساهم الإعلام فى تكريس الزيف والخلل وعبر إيقاعات التكشف يشعر أبطال الرواية بالقلق والضبابية فالتفاصيل غائمة وما يحدث فى الكواليس غير مفهوم، فقد غابت الثورة وأصبح الإخوان هم القوة التى تقود البلاد فعلا بعد سقوط النظام و وصول الدكتور "صالح حفظى" إلى أريكة الحكم وتظهر أطماعهم وتتكشف أوراقهم وتسقط أوراق التوت الأخيرة لتظره عوراتهم وسوءاتهم فيفيق الشباب.. وفى تسارع للأحداث وتظهر "لمياء سعيد" بدور عظيم تنتهى أحداث ملحمة ماريونت فى 30 يونيو 2013 بخروج الملايين لاسقاط النظام الثانى.

وأخيرًا إننا نشاهد عبر رواية ماريونت أنفسنا وأحداث تعايشنا معها لم نكن ندرك لحظتها أننا ماريونت أو على الأقل معظمنا لم يدرك ذلك لكن هذه الرواية كشفت المستور لتجعلنا ندرك ونتعرف على الكثير من الخفايا والأهم أننا نتخذ القرار الأكبر فى حياتنا وهو ألا نكون ماريونت مرة ثانية. فها قد علمنا وشاهدنا كيف يكون المصير حينما تعلم عرائس الماريونت حقيقة ما تكونه ثم تثور على تلك الأيادى التى كانت تحركها وتظن أنها لا يمكن أبدًا أن تتحرك بدونها.
ملحمة و وجبة دسمة حيثالمتعة والأفكار والأدب والرومانسية والجوانب الاجتماعيةتجدها صديقى القارئ فى رواية ماريونت التى صاغها الكاتب والإعلامى رضا سليمان عبر 565 صفحة صادرة عن دار سما للنشر والتوزيع لتحتل مكانة متميزة بين أعماله الروائية مطلب كفر الغلابة، وحى العشق، ظلال الموتى، شبه عارية، ماقبل اليوم الأخير، وأيضا روايته "المدنس" الصادرة عن دار غراب للنشر والتوزيع.

وفاء كمالو

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى