الثلاثاء ٤ حزيران (يونيو) ٢٠١٩
بقلم رامز محيي الدين علي

دال للدِّعايةِ والتِّجارة


الدِّعاية للتِّجارة أسلوبٌ حديث تنتهجُه كبرى شركاتِ الإنتاج في العالم، بغيةَ التَّسويقِ والرّبح السّريع، وقد ذهبت شركاتٌ كثيرة إلى حدِّ المبالغة في دعاياتِها، وأنفقتْ عليها أموالاً طائلة تُضاهي قيمةَ السِّلع التي تُنتجُها، وتفنَّنت شركاتٌ أخرى في إدخالِ الجنس الَّلطيف لأداءِ الدّعاية بأسلوبٍ يستميلُ الأنظارَ والقلوب، لكنَّ شركاتٍ مماثلةً أدخلت عنصراً لا يخطر ببالِ إنسيٍّ ولا جنِّي حين استقدمتْ صحفيّين وممثِّلين ومغنِّين ورجالَ دينٍ؛ كي يُكسبوا دعايتَهم شهرةً منحولة من شهرة مقدِّميها.

ولكنَّ الأقبحَ من كلِّ ما ذكرتُ من دعاياتٍ أن تسطوَ بهرجةُ الدِّعاية على عقولِ أناسٍ في ميادين الثّقافة والفكرِ والسِّياسة والعلومِ والآداب وكلِّ عرصةٍ من عرصاتِ المعرفة.
في إحدى حلقاتِ مرايا للفنَّان السُّوري القديرِ ياسر العظمة كان ميدانُ الصِّراع على حرفِ الدَّال المتبوعةِ بنقطةٍ (الدُّكتور) في إحدى الدَّوائرِ الرَّسمية فُوجئَ الجميعُ بأنَّ أحدَ موظَّفي الدَّائرة قد أضافَ، أمام اسمِه على الَّلوحة الاسميَّةِ المتصدِّرةِ مكتبَه، حرفَ الدَّال المتبوعَ بنقطةٍ، فكانت تلك الدَّالُ مثارَ جدلٍ ودهشة واستغرابٍ بين الموظّفين أثارتْ زوبعةً من التَّساؤلاتِ: دار بعضُها حول المصْدرِ المانحِ لهذه الدَّالِ، وعكف بعضُها الآخر على الزَّمنِ القياسيِّ في بلوغِها، وانعطف ثالثُها إلى الطُّرقِ والدَّهاليز التي قادتْهُ إليها، وذهب رابعُها إلى الحديث عن أسمارِ الدُّكتور بلعبِ الورق ( الشدَّة ) مع زملاءِ العمل ليالياً ولياليا، وتطاولَ آخرُها إلى معرفةِ تكاليفِها؛ ولذلك تشعَّبتِ التَّساؤلاتُ والحواراتُ، والنتيجةُ واحدةٌ (ليستِ الدَّكترةُ فكرةً من الخيال، وإنَّما أصبحتْ واقعاً ملموساً يجب التَّعاملُ معه بمستوىً أعلى من الخطابِ العاديِّ).

أُعجبَ الموظّفون بالفكرة، فراحوا يُعدّون العُدّةَ للمفاجأة؛ فبعد وقتٍ وجيز تربّع حرفُ الدّال جميعَ المكاتب، إلا أنّ أحدَ الموظّفين استبدَّ به الطّمعُ، فوضع حرفَي دالٍ أمامَه لنيلِه شهادتَي دكتوراه، وربّما يتطوَّر الأمرُ فيما بعدُ إلى دالاتٍ متعدِّدة، ولا سيما أنّها أضحَت سلعةً رخيصةً سهلةَ المنالِ عبر شبكةِ الإنترنت أو الشِّراء من وكلاءَ مندسِّين هنا وهناك، أو من جامعاتٍ رخيصةٍ لا قيمةَ لها ولا لشهاداتِها عالمياً..

ولكنَّ المشهدَ الدراميَّ الأكثرَ فكاهةً تجلَّى عند الصُّعود والهبوطِ على الدَّرج بعباراتِ التَّحِيّة: صباحُ الخير دكتور.. كيف حالُكم دكتور؟.. فلم يبقَ أحدٌ محروماً من الّلقبِ سوى عاملِ التّنظيفاتِ الذي ضربَ على رأسِه وأصيبَ بالغمِّ.

ليس هذا المشهدُ ضرباً من وحيِ الخيال، وإنّما هو مسرحيّةٌ حقيقيَّة من صميمِ الحياة البشريةِ الواقعيّة، نشاهدُها في حياتنا اليوميَّةِ أبطالُها أناسٌ بعضُهم كاتبٌ، والآخر شاعرٌ، والثّالثُ مؤلِّفٌ، والرَّابع سياسيٌّ، والخامس تاجرٌ، والسَّادس فنَّانٌ، والسّابع مدرِّسٌ، والثّامن مهندسٌ، والتّاسع بائعُ أدويةٍ، والعاشر حدَّادٌ، والحادي عشرَ منجِّمٌ، والثّاني عشرَ إمامٌ منتظرٌ سيفاجئُ العالم بأنَّه بروفيسورٌ في علومِ الغيب..

وكلُّ ما أخشاه أن يخرجَ المشهدُ من نطاقِ الدّوائرِ الرَّسميّةِ إلى الشَّوارعِ والميادينِ العامّة، فلن يظلَّ محروماً من نعمةِ الدَّالِ غيرُ سائقي سيَّارات الأجرةِ وعمَّالِ البلديّة.

ونسي هؤلاءِ أو تَناسَوا أنّ علماءَنا الذين لم يحملُوا أيّةَ شهاداتٍ ورقيَّةٍ مزخرفةٍ بالألوانِ، وإنَّما كانوا يحملون إجازاتٍ خطيّةً أو شفهيّةً من شيوخِهم الذين درسُوا على أيديهم، كانوا يقدِّمون لمؤلّفاتِهم التي سطعتْ شموساً في سماءِ العالمِ بأنصعِ عباراتِ التّواضعِ والتأدُّبِ بقولِهم: (العبدُ الفقيرُ إلى ربِّه)، ولم يستخدمُوا عبارةً أو لقبا ًمن العباراتِ أو الألقابِ التي أطلقَها عليهم مُعاصروهم أو غيرُهم من المتأخِّرين.

من المفاهيمِ الشّائعةِ خطأً في أذهانِ الكثيرين ربطُ الثّقافةِ والإبداع بالتعليم، فكثيرٌ من النّاسِ يعتقد بأنّ مَن لم يتلقَّ تعليمَه في المدارسِ إنسانٌ فاشل، إلا أنَّ هناك نماذجَ واقعيةً كثيرةً أثبتَت ضيقَ أفقِ هذا الاعتقادِ، فتاريخُ العالمِ حافلٌ بالكثير من المُبدعين كتَّاباً وشعراءَ، علماءَ وأدباءَ، مبتكِرينَ ومخترعِين ومكتشفِين..، الذين تركُوا التّعليمَ طواعيةً، أو لظروفٍ قاهرة، إلّا أنّهم استطاعُوا أن يُثبتوا لأنفسِهم وللعالمِ أنَّ الدِّراسةَ النّظاميَّة ليست حاجِزاً يحولُ بينَهم وبين الإبداعِ.

ولنا في أوابدِ تاريخِ العبقريّةِ الإنسانيّةِ شواهدُ كثيرةٌ في شتّى ميادينِ الإبداعِ والابتكار والاختراع، صاغَ فطاحلُها عصارةَ فكرِهم أعمالاً خالدة فذّةً، أنهضَتِ الأممَ بعد كبوتِها، وأيقظتِ البشريّةَ بعد غفوتِها، وهدَتِ الآدميّةَ إلى الصّراطِ المستقيمِ بعد ضلالِها، وقفزتْ بشياطينِ الإبداعِ من الأرضِ إلى السّماءِ بعد أن كانتْ تنهالُ عليهم من السّماواتِ السّبع.

وسأقتصرُ على ذكرِ بعضِ هؤلاء العباقرةِ الذين طارَت شهرتُهم في فضاءِ العالم، بالرّغمِ من قلَّةِ نصيبِهم من التّعليم، لكنَّهم أبدعُوا أيَّما إبداعٍ، ولم يسعَوا يوماً لنيلِ شرفِ الدَّال أو أخواتِها، وقد أبى بعضُهم شهاداتِ الدّالِ الفخريّةَ؛ لأنّهم رأَوا أنّ أعمالَهم تتجاوزُ الكوخَ الصّغيرَ الذي تسكنُه سعادةُ البروفيسورة الدّالُ أو غيرُها من السّعاداتِ.

ومن هؤلاءِ العباقرةِ العربِ: عبّاس محمود العقّاد الذي لم يتجاوزْ تعليمُه الشّهادةَ الابتدائيّةَ، لكنَّ مؤلّفاتِه تجاوزَت المئةَ كتابٍ، ورفض جائزةَ الدّولةِ التقديريّةَ ولم يستلمْها، كما رفض الدّكتوراه الفخريّةَ من جامعةِ القاهرة.

وكذلك مصطفى صادق الرّافعيّ الذي لم يحصلْ فى تعليمِه النّظاميِّ على أكثرَ من الشّهادةِ الابتدائيّةِ بسبب مرضِه، لكنَّه استطاع أن يحملَ لواءَ الأصالةِ في الأدب.

وأحمد فؤاد نجم الذي لم يحصلْ على شهاداتٍ علميّةٍ، وأصبح أبرزَ شعراءِ العاميّةِ المصريّين، وفاز بجائزةِ الأميرِ كلاوس الهولنديّةِ، وهي من أرقى الجوائزِ فى العالم، لكنَّ المنيّة أنشبَت أظفارَها في جسدِه وروحِه قُبيل استلامٍها ببضعةِ أيّامٍ، كما مُنح وسامَ العلومِ والفنونِ من الدّرجةِ الأولى.

وجمالُ الغيطاني الذي أنهى الإعداديّةَ، والتحق بمدرسةِ الفنونِ والصّنائعِ في العبّاسيةِ، ولم يلتحقْ بعدَها بالجامعةِ، وقد حصدَ الغيطانيّ عددًا من الجوائزِ الأدبيّة، منها جائزةُ الدّولةِ التّشجيعيّةُ للرِّواية، وجائزةُ سلطانِ بن عليّ العويس، ووسامُ العلومِ والفنونِ من الدّرجةِ الأولى، وجائزةُ الدّولةِ التّقديريّةُ، وغيرُها من الجوائزِ الأدبيَّة.

ومن العباقرةِ الغربيِّين نذكرُ: غابرييل غارسيا ماركيز الذي فشلَ فى الدّراسةِ؛ ليصبحَ من أهمِّ الرّوائيّين، فكتبَ أعمالاً من أجملِ ما كُتب على مستوى العالمِ، فكان الرّوائيَّ الأشهرَ فى أمريكا الّلاتينيّة.

وليو تولستوي الذي حاولَ دراسةَ القانونِ، والُّلغاتِ الشّرقيّةِ، لكنّ أسلوبَ التّعليمِ لم يُعجبْه فى الجامعةِ؛ فتركَها مفضِّلاً القراءةَ، وبدأ بتثقيفِ نفسِه، فاتّجهَ للكتابةِ، وأصبح أبا الأدبِ الرُّوسيِّ.
وإرنست همنغواي الذي اكتفى بالثّانويّةِ، ولم يهوَ الدّراسةَ في الجامعة، استطاعَ أن يَخرجَ بالرّوايةِ الأمريكيّةِ إلى العالميّةِ، فاعتُبر أحدَ أشهرِ الأدباءِ فى العالم، ووصل إلى العالميّةِ بنيلِه جائزةَ نوبل عام 1954م.

أما باولو كويلُّو، فقد رفض التّعليمَ، ولم يُكملْ دراستَه، وأدمنَ المخدِّراتِ، وصار مع حركةِ الهيبز العالميّةِ، لكنّه حقّق نجاحًا أدبيًا كبيرًا، وأصبح من أشهرِ كتَّاب الأدبِ فى العالم، تجاوزَت مبيعاتُ روايتِه الخيميائيّ سبعةً وعشرين مليونَ نسخةٍ، وتُرجمتْ إلى أكثرَ من ستٍ وخمسين لغةً حولَ العالم، ووُزِّعت في مئةٍ وخمسين دولةً.

وأما بيل غيتس ورفيقُ دربِه بول آلان، فقد غيَّرا ملامحَ التّطوُّرِ التِّكنولوجيِّ في العالمِ عبر إنشائِهما شركةَ مايكروسوفت. لكنْ قد يُفاجَأُ الكثيرون بأنّ بيل غيتس لم يكمِلْ دراستَه الجامعيَّةَ! فحين كان طالباً في جامعةِ «هارفارد»، أمضى وقتاً طويلاً في استخدامِ حواسيبِ الجامعة، ثمّ غادرَ جامعتَه؛ ليؤسِّسَ شركتَه الخاصّةَ مع صديقِه آلان، ويصبحَ بالتّالي أغنى رجلٍ في العالمِ بثروةٍ قُدِّرت بنحوِ مائةِ مليارِ دولار. ولكنّه عاد لاحقاً في عام 2007 ليحصلَ على شهادةٍ في الحقوقِ.

وكذلك ستيف جوبز الذي لو قُدِّرَ له أن تكونَ حياتُه الدّراسيّةُ ناجحةً، ربّما لما وصلَت إلى أيدينا تلك الأجهزةُ الذّكيّةُ: الآي باد، والآي فون، والآي بود. وهو أحدُ أعمدةِ التّكنولوجيا العالميّةِ، وقد اهتمَّ منذ صغرِه بعلومِ الكمبيوتر، فكانت باكورةُ اختراعاتِه شريحةً إلكترونيّةً، وهو لايزالُ في المرحلةِ الثّانويّة. ثمّ التحقَ بجامعةِ (ريد في بورتلاند) في ولايةِ أرغون، ولم يصمُدْ فيها سوى فصلٍ دراسيٍّ واحد، فغادرَها متَّجهاً إلى الأعمالِ الحرَّةِ، وأنشأَ شركتَه الخاصّةَ التي بدأتْ رحلةُ نجاحِه فيها.

وأسطعُ مثالٍ على هؤلاءِ العباقرةِ توماس أديسون الذي أضاءَ العالمَ، كان يُعاني من ضعفِ السَّمع! فلم يستكملْ تعليمَه؛ لأنّ مستواهُ التّعليميَّ كان ضعيفاً، ولكنْ في الوقتِ الذي رفضتْه المدرسةُ، احتوتْهُ والدتُه بالحبِّ والرّعايةِ والحنانِ، فأخذتْ تعلّمُه القراءةَ والكتابةَ والعلومَ.

ويتفق جميعُ العظماءِ بأنَّ كثرةَ القراءةِ والمعرفةِ وعدمَ الاهتمامِ بالمالِ هي التي تخلُقُ العلماءَ والمفكِّرين، وهذا ما عبَّر عنه أديسون بقولِه: “ليس المالُ إلا وسيلةً لا غايةً”.. لذلك كان أديسون يُنفق المالَ في شراء الآلاتِ والمعاملِ لتتّسعَ لاخترعاتِه، وعند بلوغِه سنَّ الثّالثةِ والعشرينَ من عمرِه، كان قد سجَّل باسمِه مئةً واثنينِ وعشرينَ اختراعاً!

وقائمةُ العباقرةِ الذين لم يحملُوا أوسمةَ الدّالِ ولا شقيقاتِها تطولُ وتطولُ، ولكنِّي آثرتُ الإيجازَ، إيماناً مني واحتساباً بأنَّ خيرَ الكلامِ ما قلَّ ودلَّ، وكلُّ هؤلاءِ العباقرةِ نالُوا شرفَ المجدِ والشُّهرةِ بجهدِهم وعبقريّتِهم، ولو سعَوا وراءَ الألقابِ، لما خلّدَهم التّاريخُ أعلاماً يُستضاءُ بنورِهم.
ويعترفُ أحدُ المفكِّرين بأنَّ نتاجاتِه وأعمالَه قد قلَّت بعد نيلِه شرفَ الدّالِ؛ لأنَّ بريقَ الدّكتوراه أعمى بصرَه وبصيرتَه، فركنَ إلى الّلقبِ النَّظريِّ دون النّظرِ إلى العملِ الحقيقيِّ.

ولنعُدْ قليلاً إلى الجيناتِ التي منَحَتْ سعادةَ الدّكتوراه شرفَ المحتدِ بالبحثِ الجادّ عن المعنى الحقيقيِّ لهذا الّلقبِ المضلِّلِ الذي ينحدرُ من أصولٍ أعجميَّةٍ كان يُمنحُ للكنسيّينَ والَّلاهوتيّين.
فالدّكتوراه كلمةٌ نمساويّةٌ معناها (كبير التّوراة) (دُك) كبير، (توراه) التوراة ؛ وهي لغةٌ يهوديَّةٌ صهيونيَّةٌ عالميّةٌ، تعني: (أكبرُ النّاسِ في التّوراةِ، أو عالِمُ التّوراةِ)، ثمّ انتقلتْ إلى ميادينِ الثّقافةِ والعلومِ والآداب. ففي تعريفِ كلمةِ (الدّكتور) DOCTOR جاءَ في معجمِ أكسفورد OXFORD الجديدِ ما يلي: (دكاترةُ الكنيسةِ هم طائفةٌ معيَّنةٌ من آباءِ النّصرانيّةِ الأوائلِ الذين اشتُهروا بالعلمِ والقدسيّةِ، ولا سيّما القدِّيسُون آمبروز وأوغسطين وجرومي وجريجوري آباءُ الكنيسةِ الغربيّة).

وجاء في الطّبعةِ العالميّةِ الثّالثةِ من معجمِ وبستر: الدّكتورُ هو عالِمٌ دينيٌّ برز في دراسةِ الّلاهوتِ، وعُرفَ بالقداسةِ الشّخصيّةِ، وعادةً ما يكونُ من شرَّاحِ المذهبِ الرَّسميِّ والمدافعينَ عنه.

وعرَّفَ معجمُ تشيمبر Chambers (الدّكتورَ) قائلاً: الدّكتورُ أبٌ من علماءِ الكنيسةِ، ورجلٌ من رجالِ الدّينِ مَهرَ في علمِ الّلاهوتِ أو القانونِ الكنَسيِّ.

وحين ذكرَ مُنير البعلبكّي في معجمِه (المَوْرد) كلمةَ الدّكتورِ جعلَ أوَّلَ معانيها العالِمَ بعلمِ الّلاهوتِ النَّصرانيِّ، فقالَ: معنى الدّكتورِ عالمٌ لاهوتيٌّ بارزٌ).

أمّا الأستاذُ الجامعيُّ عليّ جواد الطّاهر الذي كان على درايةٍ واسعةٍ بالثّقافةِ الفرنسيّة، فقد قالَ بأنَّ الدّكتورَ في الأصلِ هو الذي يعلِّم علَناً، وأطلقَه اليهودُ على الرَّبَّانيِّ أو الحَاخَامِ العالِم بالشَّريعةِ، وأطلقَه المسيحيُّون على الذي يفسِّرُ الكتبَ المقدَّسةَ. ودخل الّلقبُ الجامعاتِ لأوّلِ مرَّةٍ في جامعةِ بولونيا في القرنِ الثّاني عشرَ، ثمّ تبِعتْها جامعةُ باريس بعد قليلٍ) [منهج البحث الأدبي ، ص 32 ، بغداد 1970 م].

فيَا مَن تتهافتون وراءَ الألقابِ البرَّاقةِ، وتُنفقون عليها النَّفيسَ والرَّخيصَ، وتسلكُون كلَّ مسالكِ الكذبِ والغشِّ والخداعِ والتّزويرِ وشراءِ الذِّممِ؛ كي ترفعُوا قدْرَكم أمامَ أناسِكم، وأنتم في أسفلِ دركٍ من الانحطاطِ، أو لتتسلَّقُوا سلالمَ التّرقيةِ الوظيفيّةِ أو الإداريّةِ للوصولِ إلى مراكبِ القيادةِ، وأنتم لا تُجيدون الرُّكوبَ، أو لتنفجُوا ريشَكم كالطّاووسِ كِبراً وخُيلاءَ، وأنتم فارغونَ كالسَّنابلِ الشّامخةِ بهاماتِها، أو لتنْتبِذوا مكانةً اجتماعيّةً مرموقةً، وأنتم منبوذونَ بجربِ أخلاقِكم السَّاقطةِ، أو لنيلِ حظوةٍ سياسيَّةٍ، وأنتمُ الخدمُ تحت أقدامِ السَّاسةِ!

فهل عرفتُم أيُّها الجهلاءُ معنى الشّرفِ الحقيقيِّ لألقابِكم؟

إنّكم لا علمَ لكم في الَّلاهوتِ؛ كي تصبحُوا أرباباً فيه، ولا علمَ لكم في التّوراةِ؛ كي تصبحُوا حاخاماتٍ، ولستم علماءَ؛ كي تلبسُوا لباسَ أصحابِ المذاهبِ.. إنَّكم عبيدٌ تريدون أن تُحرِّرُوا أنفسَكم من العبوديّةِ، وإنّكم جاهِلون تلتمِسُون عذراً لجهلِكم، وإنَّكم في ضلالٍ لم تَطأْ أقدامُكم طريقاً للهدايةِ، وإنّكم في قيعانِ الانحدارِ تصطنعونَ ملامسةَ الرَّواسي بأنوفِكم؟!

فمعذرةً من الذين نالُوا شرفَ الدَّالِ بعصارةِ فكرِهم، وكرَّسُوا حياتَهم لخدمةِ أمّتِهم بالجهدِ الصّادقِ في ميادينِ العلمِ والعملِ، ولم يكونُوا يوماً من الأيّامِ عبيدَ الّلقبِ، وإنَّما كانُوا سادتَه بمستوى أخلاقِهم وسلوكِهم ونتاجِهم الفكريِّ!

فيا أيُّها الَّلاهثُون وراءَ سرابِ الشُّهرة والمجدِ والشّرفِ، إنَّ الحقيقةَ تناديكُم: كونُوا على قدْرِ أنفسِكم كما أنتُم، فلا أريدُكم أن تكونُوا إينشتاين ولا أديسون، ولا العقّادَ ولا طهَ حسين، ولا المتنبّي ولا المعرّي، ولا.. ولا..ولا..

أريدُكم أن تكونُوا بشراً أسوياءَ، تنظرون إلى الحياةِ بمنظارِ قدراتِكم، لا بمجهرِ دالاتِكم، أريدُكم أن تعلمُوا أنّ الغوصَ في أعماقِ البحرِ للسبَّاحينَ المهرةِ وليس للمتسلِّقين متونَ الجَواري في المحيطاتِ، وأنّ الآلاتِ الموسيقيّةَ للأناملِ المرهفةِ، وليست للأصابعِ الصمّاءِ الخاليةِ من الإحساسِ، وأنّ المعادنَ الخسيسةَ لا يطولُ لمعانُها، فسرعانَ ما يمحُوه صدأُ الأيّامِ، وأنّ الأممَ تُقاسُ حضارتُها بمنجزاتِها الحقيقيّةِ على أرضِ الواقعِ لا بشهاداتٍ ورقيّةٍ منمَّقةٍ بجميعِ الحروفِ وبكلِّ لغاتِ العالمِ تتطايرُ مع الرّياحِ كملكٍ فقد أحلامَه الحقيقيّةَ وراح يبحثُ عنها في قصاصاتٍ ورقيَّةٍ!!

أريدُكم أن تعلَمُوا أن رفسةَ الحمارِ في حظيرتِه ليست كضربةِ المصارعِ أو لكمةِ الملاكمِ في حلبةِ الصِّراعِ!

أريدُكم أن تفهمُوا أنّ نعيبَ الغرابِ في أبهى الجنانِ ليس كتغريدِ البلابلِ، ولو على غصنٍ يابسٍ في رحمِ الصّحراءِ!

أريدُكم أن تُدركُوا أنّ الأسماكَ الصّغيرةَ مهما التهمَت من الغذاءِ، لا يمكن أنْ تتحوَّلَ إلى حيتانٍ ضاريةٍ!

أريدُكم أن تقتنِعُوا بأنّ المعادنَ المطليَّةَ بالذّهبِ ليس بمقدورِها أنْ تتحوّلَ إلى إبريزٍ، مهما تغيَّرتِ الأيّامُ وتبدّلتِ السّنون!


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى