الأحد ١٦ حزيران (يونيو) ٢٠١٩
بقلم أمينة شرادي

سي الطيب


خرجت تصرخ ولا تلوي على شيء. تكلم نفسها ولا تبالي بلحافها الذي سقط عن جسدها. تقول كلاما غير مفهوم ولا تسمع منه سوى "قتلني. ولد الحرام. ولد الحرام" واستمرت في المشي بين الأزقة والدروب الملتوية والصغيرة كأنها تبحث عن شيء ضاع منها. وتعيد تصرخ وتولول «ولد الحرام. قتلني.قتلني."

ولجت بيتها بعد جهد جهيد. التفت حولها جاراتها بعيون تطرح ألف سؤال وترغبن في معرفة ماذا حصل لها. وهي السيدة التي تلازم بيتها ولا تغادره سوى لتلبية طلبات أطفالها الصغار.
مات زوجها بعد صراع مع المرض وقصر اليد. تركها وحيدة مع ثلاثة أطفال.

سألتها احدى جاراتها وصديقاتها المقربات كثيرا اليها،"مالك اختي فاطمة؟" ظلت تأخذ أذرع الغرفة ذهابا وإيابا وتولول وتشتم وتسب وتقول "ولد الحرام." وتقترب منها جارتها رقية بكل عطف، تريد أن تفهم ما تعانيه. فتصرخ كطفل جائع" ولد الحرام سي الطيب اختي رقية. والله حتى ولد الحرام".

لم تفهم شيئا. حاولت تهدئتها حتى تساعدها وتهدئ من هيجانها. كانت كالثور الهائج تصول وتجول.

اقتربت منها بكل ود وهمست لها "ماذا وقع يا فاطمة؟" وأضافت «ما به سي الطيب؟".

وأخيرا جلست وكل مفاصلها ترتعش وقالت بصوت يحمل نبرة الحكرة والظلم" ماذا تعرفين عني يا اختي رقية. قولي لي الصراحة؟" انزعجت جارتها وكأنها في استنطاق. أجابت وهي خائفة "انت صاحبتي وجارتي وحبيبتي وأنت سيدة محترمة." واستمرت فاطمة، تولول وتشتم وتضرب رأسها بيديها كأنها ارتكبت جرما. وأضافت «هذا الصباح، ذهبت عند سي الطيب أشتري من عنده العشوب." ثم رفعت رأسها وتأملت كثيرا في وجه جارتها رقية وقذفتها بسؤال دون سابق انذار "ماذا تعرفين عن سي الطيب؟".

ترددت وقالت "رجل طيب وكل سكان الدرب يحترمونه ولا يبرح المسجد أبدا." وأعادت جارتها رقية وقالت "والآن قولي ماذا وقع؟" لم يسعفها فمها ولم تستطع أن تحكي. صورة سي الطيب تهاجمها وتضغط على أنفاسها وترتفع نبضات قلبها كأنها ارتكبت جريمة بشعة. منذ مدة، وهو يحاول التقرب منها واستلطافها وكانت هي صارمة في معاملتها. تأخذ ما تحتاج اليه من مواد غذائية وتعود الى بيتها لترعى أطفالها. فكرت مرارا أن تتجه صوب تاجر آخر، لكن قصر اليد كبلت كل قراراتها وكانت أحيانا تنزوي في ركن من البيت منهارة مستسلمة. لأنه هو الوحيد الذي يسمح لها أن تأخذ ما تريده من حاجيات وطلبات دون ان تضطر أن تدفع في تلك اللحظة. كان يقول لها دائما" لا تفكري في الدفع الآن. خذي كل ما تحتاجينه. لقد ساعدني زوجك كثيرا." لم يعد لها حياة بعد وفاة زوجها. عالمها صغير، يقتصر على البيت والسوق. حتى جارتها المقربة اليها هي التي تزورها.

تركتها جالسة وذهبت الى الغرفة المجاورة لصالة الجلوس حيث يوجد الحمام، وأخذت تنزع عنها كل ثيابها وتغتسل بشكل جنوني. ظنت جارتها رقية أنها جنت. مضت ساعة وهي تغتسل، لم تفهم رقية ما يجري ولم تفهم كلامها السريع والمتضارب الذي تقوله. انتظرت كمن ينتظر نتيجة الامتحان. جاءت فاطمة وهي غير طبيعية. ليست كعادتها ترحب وتحكي وتطلب من جارتها أن تكون متسامحة مع الجميع. لأن وفاة زوجها جعلها تخلو الى نفسها وتهرب من الآخرين ولا تحاسب أحدا. جلست ترتعش وتولول. "ولد الحرام" صرخت رقية لأن صبرها نفذ وقالت لها "ماذا بك؟ إنك تكلمين نفسك؟" وقفت رقية وعزمت على مغادرة البيت وقالت لها بحدة" سأذهب إذا لم تحك لي ".

نظرات في الفراغ. حركات بيديها ورأسها غير مفهومة. دب الخوف في نفس رقية ولما عزمت على الذهاب. سمعتها تحكي وتقول" مشيت عند سي الطيب أشتري العشوب. قال لي، انتظري، سأعطيك أحسن ما لدي. كان يشرب الشاي. ذهب وتأخر قليلا ثم عاد حاملا كأس شاي آخر، طالبا مني أن أشاركه في تذوق طعم الشاي الذي يصنعه بيده. وقال لي اننا أهل ولابد أن نشترك في الأكل والشرب. رفضت." والتفتت الى رقية وقالت لها " انت تعرفينني جيدا. لكنه حكم عقله وحلف بأغلظ الايمان حتى أشرب. وأنا أمام حلفانه لم أستطع أن أرفض. وشربت." رقية تستمع وتتلهف على النهاية. صمتت فاطمة. كأن رقية غير موجودة. قامت فجأة وذهبت تستنجد بالماء تصب على جسدها وتفركه بقوة حتى كادت أن تنزع الجلد عن العظم. لولا تدخل جارتها بقوة وأمرتها أن تكف عن هذا السلوك الغريب قائلة "ماذا بك؟ لماذا تغتسلين بكل هذا العنف؟" لم تهتم فاطمة لكلامها. ظلت صامتة وجلست من جديد. وقالت لها رقية " ماذا وقع فيما بعد؟" تابعت وهي في عالم أخر " لما شربت الشاي. كأنني سافرت. استيقظت من سفري وكأس الشاي الى جانبي وجسدي ممد على الأرض. ثيابي مبعثرة وشعري بدون غطاء..." وهنا وقفت كجندي تلقى أوامرا. بدأت تلعن وطارت الى الحمام تستنجد بالماء كأنها تحتمي به من شيء. وأخذت تصب بكل قوتها وتلعن وتصرخ. قامت رقية وخرجت تحكي لجاراتها وتقول لهن بأن فاطمة أصابها جنون الماء ولا تبرح الحمام.

استحالت حياة "فاطمة" الى فوضى وضجيج. من امرأة لا تغادر بيتها ولا يدخله الا القلة، الى تائهة على وجه الأرض. تكره الولوج الى بيتها. سلقتها ألسنة الناس، لا يعرف فمها كلاما آخر سوى "ولد الحرام." حتى لقبها الجيران وحتى الاهل "امرأة ولد الحرام". تخرج من بيتها نهارا ولا تعود اليه الا عندما تنام المدينة ويختفي المارون من الشوارع كأنها تتحاشى نظاراتهم القاسية والسامة كوخز الابر. لم يسمع قصتها أحد ولم يصدقها أحد خصوصا انه "سي الطيب" الرجل التقي وصاحب الكلمة الطيبة.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى