الاثنين ١٧ حزيران (يونيو) ٢٠١٩
بقلم خالد جمعة

مسرحية الحافلة


الشخصيات:

المرأة

الشاب

الفتاة

السائق

شبه عتمة تغطي فضاء المسرح، هنالك بعض الضربات الضوئية الخفيفة التي تسقط على وجوه السائق والركاب، أصوات محرك الحافلة والإطارات والريح يتداخل بعضها مع بعضها الآخر، الركاب على مقاعدهم يجلسون بوضعيات مختلفة ويلف المكان السكون.

المرأة: (كمن يستيقظ من نومه فجأة، تقف وتتجه صوب الفتاة التي تجلس أمامها) المعذرة بنيتي، كم بقي من الوقت لنصل؟

الفتاة: .......

المرأة: عفواً، أردت أن أعرف كم من الوقت أمضيناه ونحن هنا جالسون؟ لا ليس هذا السؤال، أنا كنت أعني يا بنيتي كم الساعة لديك الآن؟

الفتاة: (تنفجر منفعلة) لا أعرف، ومن أين لي أن أعرف؟

المرأة: (ترتدّ الى الخلف بدهشة وتقول بصوت خافت) من ساعتك التي ترتدينها يا بنيتي ستعرفين الوقت.

الفتاة: (بالانفعال نفسه) لا عليك بي ولا بساعتي، لا أعرف، لا أعرف أي شيء، هيا ابتعدي عني.

يترك الشاب مقعده ويتجه صوب المرأة الواقفة قرب مقعد الفتاة محاولاً تهدئة الموقف بإعادة المرأة الى مقعدها.

الشاب: (للمرأة) لم يحن وقت الوصول بعد سيدتي، ليس الآن.

المرأة: (تعود الى مقعدها، وترمي بصرها الى الخارج وتحدّث نفسَها) كم مضى من الوقت ونحن هنا؟ ساعة، ساعتان، يوم، يومان. كم بقيَ من الوقت لنصل؟

الشاب: (وهو في مقعده ينظر الى الخارج ويحدث نفسه) كل شيء مظلم في الخارج والسماء بلا قمر، لا أستطيع أن احدد أين نحن الآن، لا أستطيع أن أعرف متى نصل، لا أثر يبدو للعين خارج هذه الحافلة، منذ متى ونحن هنا؟ منذ متى ونحن نسير وسط كل هذا الظلام، نشقّ الليل بهذه الحافلة؟ منذ متى ونحن هنا؟ ساعة، ساعتين، يوم، يومين، لحظة سأحاول أن أتذكر (صمت) منذ متى ونحن هنا، ما الذي يحدث؟ هل تجمد الزمن؟ أريد أن اعرف (ينهض من مقعده ويتجه صوب الركاب وهو يردد) كم الساعة الآن لو سمحت؟ عفواً كم الساعة الآن؟ أخي ممكن ان تقول لي كم الساعة؟ (يصل للفتاة ويسألها) كم الساعة الآن؟ ( الفتاة مستغرقة مع نفسها) أختي كم الساعة الآن؟ أنا أسال عن الوقت.

الفتاة: ........

الشاب: لو سمحتِ أختي، كم الساعة لديك الآن؟

الفتاة: (فجأة تنفجر) لا أعرف، ومن أين لي أن أعرف؟!

الشاب: (محاولاً تهدئة الفتاة) آسف، أخطأتُ، أعتذر، أنا مشوش قليلاً، لقد رأيتُ ساعة في يدك ونسيتُ فسألتك، لم أكن أقصد سوءاً، خوفي من جواب السؤال هو الذي زاد من تشويشي وسألتك، خوفي من الجواب هو الذي أعماني، أعرف أنكِ لا تريدين أن يسألك احد، كان يجب ان أنتبه، لم أكن اقصد إثارة غضبك إنه مجرد سؤال، إنسيه، اهدئي أرجوك.
الفتاة:(تصرخ) لا عليك بي، لا عليكم بي، لا وقت عندي، لا دقائق ولا ساعات، ساعتي هذه عاطلة، إنها حجر لا حياة فيها، إنها متوقفة، إنها ميتة (الشاب يبتعد قليلاً للخلف مذهولاً ثم ينسحب الى مقعده، صمت، الفتاة تدير وجهها الى الخارج وتحدّث نفسها) أنا أكره الركاب، أكره نظراتهم المريبة، دائماً أرى بوجوههم أنياباً تريد أن تنهش، لستُ أخاف أحداً، لم أفعل شيئاً كي أخاف (صمت، ثم تعود لتحدّث نفسها) منذ متى ونحن هنا؟ كم مضى من الوقت؟ وكم بقي منه؟ ظلام كثيف في الخارج، كم الساعة الآن؟ (صمت ثم فجأة تقف وتستدير متجهة صوب الشاب، تقف عند رأس الشاب الجالس على مقعده وتصرخ به) أنت، نعم أنت، كفّ عني، أنا لا أخافك، منذ أول لحظة صعدتَ فيها مع تماثيلك الى هذه الحافلة وأنت تصوب نظراتك اليّ، ما الذي تريده مني ها؟

الشاب: كنت أظن العكس.

الفتاة: (متسائلة بانفعال) عكس ماذا؟

الشاب: كنت أظنكِ قد أعجبتِ بالتماثيل، وتتأملين كلَّ تمثالٍ أصعد به الى الحافلة بشغف واعجاب لذلك كنت انظر اليك وابتسم معبراً لك عن شكري وامتناني.

الفتاة: انتَ الآن تسخر مني، أنا لا أقبل بالهزء، لا اسمح لك بذلك ولن اسمح، هل فهمت؟ هل تسمعني؟ لا أسمح لك..

تنهض المرأة من مقعدها لتمسك الفتاة من كتفها وتعود بها وتجلسها في مقعدها.

المرأة: تعوّذي بالله يا بنيتي، انه لم يقل شيئاً، سألك عن الوقت فقط، هو شاب طيب وقد أعتذر، اهدئي، سأجلب لكِ كأساً من الماء البارد، لا شيء يستحق الغضب يا حبيبتي، لحظة وأعود اليك (تأخذ المرأة الفتاة وتعيدها الى مقعدها، ثم تتجه صوب السائق وتسأل): أين الماء؟ (تصل الى خزان عليه قدحٌ فارغ، تحاول ملأه، لكن من دون جدوى، ليس هناك ماء) أ لا يوجد ماء؟ هل نفد الماء؟ (تتحرك بالحافلة وهي تنظر عبر النوافذ الى الخارج) منذ متى ونحن هنا؟ كم قد مضى من الوقت ؟ كم بقي من الوقت لنصل؟

الفتاة والشاب ينهضان من مقعديهما ويردّدان ما تردّده المرأة، يتحركون ثلاثتهم باتجاهات مختلفة في الحافلة، تتعالى أصواتهم وتتداخل معاً حتى تملأ الحافلة، فجأة يحدث صوت كابح وصوت احتكاك الحافة على الاسفلت، يميل الركاب الى جهة واحدة من الحافلة، يصبحون على جانب واحد، ظلمة تعمّ المكان، صمت لحظات، ثم بعدها تتعالى صرخات الركاب.

الفتاة: لقد اصطدمت الحافلة بشيء ما.

الشاب: لقد تعطل الكابح، أظنه الكابح.

المرأة: الحي القيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم..

تضاء الحافلة فيظهر السائق واقفاً قرب مقود الحافلة، ووجهه صوب الركاب والمقاعد.
السائق: ما بكم؟ لِمَ كل هذا الخوف؟ ما الذي حدث؟

الفتاة: كدتَ تقلب الحافلة بنا.

المرأة: كدتَ تقتلنا.

الشاب: كان يجب عليك ان تركز على الطريق.

السائق: (يصرخ بهم) إخرسوا، توقفوا أيها الحمقى، كفّوا عن الصراخ كما الأطفال، انا لستُ سائقاً غشيماً كي تتحدثوا معي هكذا (صمت، ثم يضحك بهستيريا، وبطريقة مائعة يقول) لقد تعلمتُ السياقة منذ نعومة أظفاري (برقة أكثر) حركتُ سيارة أبي أول مرة وأقدامي بالكاد تصل الى الكابح، لقد كنتُ صغيراً جداً، اعرف كل شيء عن قيادة السيارات، لكني لستُ روبوتاً، والله العظيم لست روبوتاً.

المرأة: (تلتفت صوب الشاب وتسأله بصوت أقرب الى الهمس) ما معنى روبوت يا ولدي؟

الشاب: ليس الآن يا سيدتي، لحظة، دعينا نفهم ما يجري.

المرأة: ( تتلفت الى الفتاة وتسألها بهمس) ما معنى روبوت يا بنيتي؟

الفتاة: (بسرعة تجيبها) انسان مصنوع من حديد.

السائق: (يصرخ) لا تتهامسوا، اخرسوا، أريد التركيز، لا أريد تشويشاً (صمت، ثم يعود الى الشاب) ما الذي سألتني عنه أيها الشاب؟ ماذا قلت؟

الشاب: لقد قلت كدتَ تقلب بنا الحافلة.

السائق: لا ليس هذا، لقد كان سؤالاً.

الشاب: لم اسأل يا سيدي.

السائق: (بخبث) ولكني شعرت أن لديك سؤالاً تريد قوله، أ ليس كذلك، هيا قُله؟

الشاب: بلى.

السائق: إسأل إذن.

الشاب: ما الذي اردتَه يا سيدي حينما قلت انك لستَ روبوتاً؟

السائق: (بغضب) لأني نعسان، نعسااااااااان، لا أدري كم قد مرَّ من الوقت وأنا هنا خلف مقود السياقة متسمراً على هذا الكرسي، لا أعرف منذ متى نمتُ آخر مرة، كم قد مرّ من الوقت و لم أغمض عينيّ لحظة، أنا نعسان، نعساااااان، هل فهمتَ؟ هل فهمتم؟( يصرخ بصوت عالٍ) هل هنالك احد يخبرني منذ متى وأنا أقود هذه الحافلة؟ هل هنالك من يخبرني متى نصل؟ أتعرفون كم ليلة ونحن هنا في هذه الحافلة؟!..

ظلمة

أصوات الركاب: منذ متى ونحن هنا؟ كم بقي لنا لنصل؟ (الأصوات تستمرّ بترديد هذين السؤالين)

السائق: (يقاطعهم) كفى، توقفوا، دعوني أركز كي أجد حلاً فأنا نعسان.

الشاب: لستَ بحاجة الى التركيز، الموضوع سهل، دعْ احدنا يقود الحافلة ولتنمْ أنتَ، خذ كفايتك من النوم.

السائق: لا يمكن، هذا مستحيل، لا أحد يعرف أن يقود هذه الحافلة غيري، إنها مصممة لي خصيصاً، آسف أيها الشاب اقتراحك وُلد ميتاً.

الفتاة: نترك الحافلة متوقفة على جانب الطريق لتأخذ قسطاً من النوم وبعدها ننطلق.
السائق: هذا هو المستحيل بعينه.

المرأة: لماذا مستحيل؟

السائق: لأن خزان الوقود يسرّب الوقود إلى الخارج، ولا وقت لدينا للتوقف، وإن توقفنا فسيفرغ الخزان وتبتلعنا الظلمة ها هنا.

المرأة: لا حول ولا قوة الا بالله.

الشاب: ما الحلّ مع هذا الكابوس يا ربي؟

الفتاة: يجب ان يكون هنالك حل، دعونا نفكر.

ينشغل الركاب بالتفكير من خلال اظهار همهماتهم التي تتعالى، صوت طنين كطنين الحشرات يتعالى..

الشاب: (يقاطع تلك الهمهمات المتعالية وصوت الطنين بصرخة اعلى) وجدتها (صمت، يكفّ الركاب عن الهمهمة، ويختفي صوت الطنين، لحظات ويقترح) نشغل مذياع الحافلة الى أقصاه ونجعل صوته يرج المكان رجاً وبذلك ستكون يقظاً ومنتبهاً طوال الطريق.

السائق: (بمرح) فكرة ممتازة، لكن مع الآسف إن تحقيقها مستحيل أيضاً.

الشاب: لماذا؟

السائق: (بمرح) االمذياع وجهاز التسجيل كلاهما عاطلان (يطلق ضحكة مجلجلة)

الشاب: مستحيل، هذا الذي يحدث مستحيل.

الفتاة: لدي اقتراح.

السائق: قولي، لا تتردّدي، ليس لدينا وقت، ما هو؟

الفتاة: كل واحد منا يجلس قربك، أنت تقود وهو يبقى قربك، يثرثر معك، يشاغل نعاسك بحكاية ما، يتحدث معك طوال الطريق ليضمن انك لن تغفو، ها ما رأيك؟

السائق: (بحماس) فكرة جميلة، ولكن بشرط.

المرأة: قل ما هو الشرط؟

السائق: أريد حكايات تدوّي، ترعد، تقصف الروح، حكايات ترجّ الرأس كالقنابل كي تطرد النعاس والنوم.

المرأة: موافقون.

الفتاة: موافقون.

الشاب: موافقون.

السائق: (يعود لمرحه) هنالك شرط آخر.

المرأة: (بيأس) ما هو؟

السائق: أن لا يكون في الحكايات حلم.

الشاب: (ينتفض) ما الذي تقوله يا رجل؟ هل تريد أن تدمر أعصابنا؟...

السائق: (يوجه كلامه الى الشاب وهو يبتسم ساخراً) شرط صغير جداً ولا وقت لدينا فالخزان يسرّب الوقود، ونحن هنا واقفون.

المرأة: قل هذا الشرط وسنوافق، قله.

السائق: الحكاية التي لن تعجبني سأرمي صاحبها خارج الحافلة، أرميه خارج الحافلة، هل سمعتم؟ هيا فكروا بسرعة واخبروني، لا وقت لدينا، هل أنتم موافقون؟

الشاب: ( بهمس مع الركاب قربه) هذا شرط مجنون.

المرأة: (بهمس مع الركاب الذين حولها) لا أظنه سيفعلها، انه مجرد تهديد.

الفتاة: (بهمس مع الركاب الذين حولها) وقد يكون جاداً في ذلك، مَن يدري؟

السائق: (يصرخ) ها، ماذا قلتم؟ ليس لدينا متسع من الوقت.

أصوات الركاب معاً: نعم موافقون.

ظلمة، صوت محرك الحافلة يدار، صوت إطارات الحافلة المتحركة على الإسفلت، يضاء المكان.
الشاب: (للفتاة) أنتِ التي ستبدأين اولاً.

الفتاة: (للمرأة) أنتِ التي ستبدأين أولاً

المرأة: (للشاب) انتَ الذي ستبدأ.

تتعالى وتتداخل أصواتهم معاً

السائق: (يصرخ) كفى، ما هذه الفوضى؟ (يعمّ الصمت في المكان) اعملوا قرعة، لا، لحظة أنا أكره ذلك، إختاروا انتم، هيا اغلقوا النوافذ.. رشحوا واحداً منكم وإلا سوف أقومُ انا بالانتظار، هيا انني أنتظر.

الفتاة: (مع نفسها) هل سيفعلها حقاً؟ ماذا لو اختارني أنا في البداية؟ لا أستطيع تذكّر شيءٍ الآن، رأسي بلا ذاكرة في هذه اللحظة.

الشاب: (مع نفسه) سيفعلها هذا المجنون، أظنه يعني كل ما يقوله، عيونه التي تقول هذا، ماذا لو بدأ بي؟ هل سيرد بخاطري شيء؟ آه رأسي يؤلمني، رأسي سينفجر.

المرأة: (مع نفسها) لا أدري ما الذي يدور برأس هذا السائق حقاً؟ واذا اختارني انا ماذا سأحكي؟ بل السؤال الأهم هل سأستطيع أن أروي شيئاً، لاشي في رأسي الآن، كرة فارغة أحملها على كتفي ليس فيها سوى صرخات الم (تحاول تحفيز الآخرين بصوت عال) تذكروا يا أولادي، انتم مازلتم صغاراً، ذاكرتكم نشطة، انتم تستطيعون التذكر أفضل مني، تذكروا أرجوكم.

الشاب: آه رأسي

الفتاة: لا أتذكر شيئاً، كل شيء ممحوّ من رأسي.

المرأة: تستطيعون، ابدأوا بأي شيء وبعدها تأتي الذكريات مهرولة، سأحاول معكم أنا ايضاً، هيا..

السائق: (يصرخ بهم) هذا كله من الوقت ومن حصة الوقود، الخزان ينزف أيها الحمقى، الحافلة ستموت إن لم نصل.

الفتاة: (للشاب) يا صاحب التماثيل حاول أن تتذكر أي موضوع، أية قصة وانا سأساعدك، آه رأسي سوف ينفجر.

الشاب: لا أستطيع، لا أتذكر، أشعر أني بلا رأس!.

الفتاة: رأسي سينفجر.

الشاب: (للمرأة) تذكري أنتِ سيدتي، فلديك حكايات أطول من أعمارنا يا سيدتي، تذكري فقط.
المرأة: أتذكر! كيف؟ ..

الشاب: (يقاطعها) ساعدينا سيدتي، فهذا السائق لا نعرف ما يفكر به، ساعدينا يا أمي!.

الفتاة: احسبيني كأبنتك إنني أتوسل اليك، ساعديني يا أمي.

المرأة: (بدهشة) هاا؟

الفتاة: أنا مثل ابنتك، أتوسل بك الآن ان تساعدي ابنتك.

المرأة: (تمسك وجه الفتاة بيديها وتستغرق فيه) لكني لا أعرف يا بنيتي سوى الحكايات المليئة بالقهر، حكايات تزيد هذه الظلمة سواداً.

الشاب: (بتوسل) حاولي أرجوك.

الفتاة: (بتوسل) حاولي يا أمي.

ظلمة تعمّ المكان، لحظات وتظهر المرأة داخل بقعة ضوء.

المرأة: هذه الكلمة هي التي انتظرتها سنيناً طويلة، هذا الكلمة هي التي كانت سبباً في صعودي لهذه الحافلة، هي التي جعلت الارض تهتز تحت قدمي، تموج.

أصوات مدوية تأتي من الخارج هي مزيج من تداخل رعد وقصف طائرات ومدافع، برق بأضواء متقطعة مصحوب بصراخات خوف وذعر.

الفتاة: السماء ترعد، انه المطر.

الشاب: قصف، قصف شديد، أخفضوا رؤوسكم تحت مقاعد الحافلة.

الفتاة: لكن مع ذلك ايها السائق، تأكد من ماسحات النوافذ، ماسحات النوافذ الأمامية للحافلة هل تعمل؟ حاول تشغليها فلربما سيكون المطر كثيفاً هذه المرة وسيعدم الرؤية.

الشاب: أيها السائق توقف على جانب الطريق، دعنا نلطخ الحافلة بالطين كي نموه الطائرات ونتحاشى القصف.

يرتفع صراخ الركاب، صرخات خوف وصرخات توسل وصرخات تطالب بالتوقف.

السائق: (يصرخ) عن أي زلق طريق تتحدثون؟ وعن أي قصف؟ عن أي رعدٍ ومطر؟ كل هذا الذي سمعتموه ليس خارج الحافلة، إنه هنا، داخل الحافلة، تحديداً في رأس هذه المرأة (يقهقه) دعوها تروي، لا يتدخل احد بروايتها، اني بحاجة لسماع هذا النوع من الحكايات التي تجعل دماء من يسمعها تغلي من شدة الترقب والتوتر والتفاعل والانفعال، الله، الله، دويّ رعد وقصف، هذا الذي سيجعل النوم من عيني يطير كعصفور مذعور.

ظلمة، أصوات مطر وقصف، صوت طرقات عالية على الباب تسمع وسط هذا الصخب، المرأة كانت نائمة على الأرض ثم أنها تنهض خائفة.

المرأة: مَنْ، مَنْ الذي يطرق الباب؟

الفتاة: خالة، خالة..

الشاب: أين أنتم يا خالة، أما زلتم أحياء، أجيبي أرجوك.

المرأة: لحظة، لقد أتيت، ما الذي يحدث؟ ما الذي يجري؟ لِمَ كل هذا القصف والدويّ؟

الشاب: افتحي الباب بسرعة.

الفتاة: ليس هنالك وقت لدينا، هيا بسرعة.

صوت فتح باب

المرأة: (بخوف) ماذا؟ ماذا هناك؟

الفتاة: هنالك حديد ونار.

المرأة: اريد ان افهم.

الفتاة: الدنيا احترقت.

الشاب: الذي حدث ان النار صارت تأكل البيوت بيتاً بيتاً، هيا اجلبي ابنك، أيقظيه ودعينا نهرب معاً.

المرأة: (باستغراب) نهرب! الى أين؟

الفتاة: الى مكان آمن.

المرأة: ما الذي تقولانه، لن اهرب أنا.

الشاب: لا وقت لدينا للنقاش أو الاعتراض.

الفتاة: هيا لنخرج، لقد نفد الوقت، هيا من اجل الولد ايتها المرأة.

المرأة: (بتردّد) ها، هيا سآتي معكم، هيا.

يركضون بظهور منحنية وبطريقة متعرجة.

الشاب: أين ولدك ؟

المرأة: امسكه بيدي، هو يستطيع الركض، لا تخف عليه.

الشاب: دعيني أمسك به انا، انه نحيف جداً، وزنه وزن ريشة، سأحمله وأركض به، هل هو مريض يا سيدتي؟..

الفتاة: هيا اسرعوا، لا وقت لدينا.

يعودون الى الركض، اًصوات انفجارات، أضواء تبرق، فجأة يتوقف الشاب رافعاً يده للاعلى بكف مفتوحة في اشارة منه لكي يتوقفوا.

الشاب: توقفوا، هذا الركض العشوائي مجازفة غير محسوبة، الأرض ملغومة، وأية حركة خطأ ستشظّينا.

تتوقف الفتاة والمرأة ايضاً.

الفتاة: (بغضب) ما الذي تقوله؟ هل تريد أن نبقى هنا وألسنة النار كالأمواج الهائجة تطاردنا، هل تريدنا أن نستسلم للموت؟.

المرأة: (تقترب من الشاب وتشده من ياقته) لقد كان الأجدر ان أبقى في البيت، لقد خدعتنا أيها الجبان.

الشاب: (يبتعد عن المرأة بعد ان يتخلص من قبضة يدها) لا وقت للّوم سيدتي، انا أفكر كيف نصل الى بر الامان، ولذلك خطرتْ في بالي فكرة تنقذنا أو تقلل خسائرنا على أقل تقدير.

الفتاة : قل ما هي الفكرة، لا وقت لدينا.

الشاب: لنبدأ بالولد، علينا ان نتركه يركض قبلنا بمفرده، نتركه يركض الى خارج مدى النيران، هو الذي سيفلت أولاً من هذا الطوق.

المرأة: أ مجنون انت؟ هذا مستحيل، لا يمكن أن أتركه، لا يمكن هذا، (تبرك المرأة على الارض وتبدأ بالبكاء والصراخ محتجة).

الشاب: اهدئي سيدتي، واسمعيني جيداً، الألغام في الغالب لا تنفجر تحت أقدام الأطفال، الاطفال أوزانهم خفيفة، أن ولدك اخف من ريشة، لذلك خلاصه سيكون اكبر حينما يكون بمفرده ليركض في حقول الالغام، سيدتي أسمعيني وثقي بي ارجوك، سيكون خلاصه أكبر مما لو كان معنا.

المرأة: (باستسلام) هل هذا الذي تقوله صحيح؟، أمتأكد أنت مما تقول؟

الشاب: يا سيدتي ان الذي سنفعله هو الأقرب الى الصحيح، لا يقين في مثل هذه الأمور، الغايةُ إبعاد احتمالية الخطر عن الولد، هيا لا وقت لدينا للنقاش في مثل هذه الأمور، هيا، دعينا نطلق الولد كالطائر نحو الأمان، وليحرسه الله بعينه التي لا تنام...

الفتاة: (تهمس للشاب) هل أنت صادق في ما قلته للمرأة؟

الشاب: (بهمس وغضب) ما الذي ترمين اليه ايتها الفتاة؟

الفتاة: (بهمس) أنا الذي اسأل، هل كنت صادقاً فعلاً فيما قلته عن الالغام ووزن الطفل والانفجار، ام انك اردته كبشاً ينظف المنطقة من الالغام.

الشاب: (بهمس) أ مجنونة انت؟، كيف خطر ببالك مثل هذه السؤال؟

ظلمة، صوت أقدام تركض

صوت الفتاة: هيا اركضْ بعيداً، لا تخفْ، سنلحق بك.

صوت الشاب: أركض، اركض أيها الصغير، أنت دليلنا الى الأمان..

ظلمة تعمّ المكان، بقعة ضوء على المرأة وهي راكعة على ركبتيها.

المرأة: (مع نفسها) لقد كان الذي يركض إنما هو قلبي، والتي كانت تحوم فوقه بقلق إنما هي روحي، روحي التي كانت مربوطة به كما الطائرة الورقية، كنت أرفعه عن الأرض حين أشعر انه في خطر، أطير به للأعلى ولا أدعه يلمس الأرض، وأحطه على الأرض حين أشعر بالأمان، آه يا وجعي، لقد كانت أصعب اللحظات تلك التي غاب فيها قلبي، اختفى بالظلام وظلت روحي ترفرف، تحوم في المكان مرفرفة، تبحث عن تلك اليد الصغيرة التي تمسك بالخيط الذي يربطها به.

ضوء متقطع وخافت يظهر كضربات خاطفة يسقط على الشاب والفتاة وهما واقفان، فيما المرأة مازالت راكعة على ركبتيها.

الشاب: لقد ابتعد الولد مسافة مناسبة، هيا بنا نركض، فهذه المسافة التي بيننا وبينه أظنها كافية لضمان أنْ ليست هنالك شظية ستصل إليه فيما لو انفجر لغم بأحدنا، هيا نركض.

الشاب والفتاة يركضان فيما المرأة تبقى راكعة على ركبتيها.

المرأة: (بصوت مبحوح وواهن، يكاد لا يسمع، وهي راكعة على ركبتيها) هيا نلحق بصغيري...
صوت إطفاء محرك الحافلة، وظهور السائق يقف منتصباً قرب المقود ووجهه الى الركاب
السائق: (يقف مصفقاً وهو يردد) الله، الله، هذا المشهد أعجبني كثيراً، وها إني أوقف الحافلة احتراماً رغم حرج الموقف الذي نحن فيه، ليس مهما إن خسرنا بضع قطرات من الوقود. الله، جميل، رائع، يا لهذه الحكاية، قصف، نار، طفل يركض، طائرة ورقية وأخيراً قلب يهفو ملتاعاً...
المرأة: (بغضب مكتوم وصوت لا يكاد أن يُسمع) دعني أكملْ ...

السائق: (يقاطعها بضرب سقف الحافلة بيده بقوة ويصرخ بغضب) إلى هذا الحد وكفى، انتهت الحكاية.

المرأة: (مازالت على غضبها المكتوم وبصوت يكاد أن لا يسمع) لم أكملها بعد..

يعود السائق إلى مقعده خلف المقود، صوت تشغيل محرك الحافلة يعقبه صوت إطارات على الإسفلت.

الفتاة: (للمرأة بصوت واطئ وبتوسل) لقد اكتملت الحكاية، أرجوك لا تثيري غضبه.

الشاب: أنظري إلى عينيه في تلك المرآة العاكسة، إنها تتطاير شرراً، أخشى أن ينفّذ ما قاله لنا (يلتفت الشاب صوب السائق وبصوت عالٍ صاح) لقد اكتملت الحكاية يا سيدي السائق، اكتملتْ، وبعد قليل سيبدأ واحد منا بحكاية جديدة، لحظات سيدي السائق وسيحضر راوٍ جديد وحكاية جديدة.

السائق: (بغضب) لا تقلها أنت بالنيابة عنها، أريد أن اسمعها منها مباشرة، هيا قولي لقد اكتملت الحكاية.

المرأة: (مع نفسها وبصوت واهن) سأندم أن لم أكمل حكايتي (ظلمة، أصوات أقدام راكضة، صوت المرأة يظهر بقوة) هل رأى أحدٌ منكم إلى أية جهة ذهبَ الولد؟ أيها الناس أ لم تروا الولد؟ إلى أية جهة أخذته الريح؟ (يضاء المكان فتظهر المرأة وهي تمسك بالفتاة متوسلة) خبريني أيتها الفتاة اذهب إلى الشرق أم الغرب؟ أي الجهات ابتلعتْ خطواتهِ الترفة (صمت) آه وما الذي حدث بعدها؟ ما الذي حدث بعدها يا رأسي؟...

السائق: أكملي إذن، هيا لقد غيرتُ رأيي، وأريدكِ الآن أن تكملي..

المرأة: لحظة، دعني أتذكر..

السائق: (بانفعال اكبر) أكملي.

المرأة: دعني أتذكر وكفّ عن الصراخ (صمت، ثم تعود) آه، لا أتذكر من الذي اختفى أولاً، صورة جسده أم صوت أقدامه، رأسي يوجعني، أريد أن أتذكر...

صوت كابح الحافلة قوي جداً على الإسفلت، يهتز الركاب، يقف السائق ثم يستدير كما العسكري ويتقدم بوجه صارم وجسد مشدود صوب المرأة، يصل إليها ويمسكها من رقبتها بكلتي يديه في محاولة منه لخنقها.

السائق: أكملي، هيا أكملي وإلا قتلتك.

يندفع الشاب صوب السائق ويفك يدي السائق عن المرأة ويبعدهما عنها، فيما تحتضن الفتاة جسد المرأة الذي يتهاوى بين يديها، تضع الفتاة رأسَ المرأة على الحافة الخلفية للمقعد أمامها، وتتركها على هذه الوضعية وتعود إلى السائق.

الفتاة: (تصرخ بغضب صوب السائق) ما الذي فعلته كي تخنقها، كدت أن تقتلها، إنها امرأة مسكينة، ما الذي تريده أنت منها بالضبط؟ ما الذي تريده منا؟.

الشاب: (يهمس للفتاة) احذري منه، فهذا السائق غريب الأطوار.

يعود السائق إلى الجلوس خلف مقود الحافلة، صوت تشغيل محرك، تتحرك الحافلة، فيما تعود الفتاة إلى المرأة.

الفتاة: (تهمس بحنو للمرأة) اهدئي سيدتي، أنتِ الآن في أمان، أنسي كل شيء، ليس مطلوباً منك أن تتذكري (صمت، تتلمس يد المرأة فتلتفت للشاب وتهمس له) إن جسدها بارد، يا إلهي، سيدتي، سيدتي...

الشاب: ما الذي تقولينه أيتها الفتاة (يقترب من المرأة ويمسك يدها، يحاول أن يتأكد من نبضها، بعدها يعود إلى السائق ويقف على رأسه) لقد قتلتَها أيها المجنون، لقد قتلتها..

السائق: اخرس وعدْ إلى مكانك ولا تتفوه بأية كلمة أخرى، اعرفْ حدودك ولا تتكلم معي بهذه الطريقة، أنا لستُ قاتلاً، إن كانت المرأة قد ماتتْ فهذا نصيبها، هيا عدْ إلى مكانك، وفكروا لي بحكاية أخرى أقضي بها الطريق، هيا عد لمكانك..

صمت يعم المكان، شبه ظلمة، أضواء خاطفة تمرق على وجوه الركاب، لحظات ويظهر الشاب يسحل جثة المرأة، يتركها في إحدى زويا المكان ويعود خائر القوى متعباً.

الشاب: (بصوتٍ واهنٍ) آه رأسي، لا أستطيع التذكر (يضاء المكان تماماً فيظهر الشاب واقفاً قرب مقعد الفتاة ويخاطبها) هيا تذكري أنت أو ساعديني.

الفتاة: لا أستطيع، رأسي سينفجر.

الشاب: حاولي، تذكري أي شيء، تذكري أيّ جزء من حكاياتك، من الوسط أو النهاية أو البداية، يقولون إن الحكايات الأولى، المغامرات الأولى تكون عالقة في الرأس أكثر، محفورة كالنقش، أنا أحاول الآن، والله أنا أحاول، لكني كلما حاولت صار رأسي بعيداً أكثر، في كل مرة أحاول وأفشل تزداد الهوة اتساعاً بيني وبين رأسي، كلما أردت أن أتذكر يتدحرج رأسي بعيداً عني كالكرة، ساعديني، تذكري البدايات، البدايات فقط، حاولي ربما تساعدينني بالتذكر، تذكري أرجوك، أحتاج فقط إلى ما ينشط ذاكرتي، وستبقين رأسي على جسدي سأتذكر، هيا ساعديني.

ظلمة، بعدها بقعة ضوء على الفتاة

الفتاة: أتذكر حينما كنت طفلة، هل كنت طفلة حقاً؟ (تضحك).. أتذكر كنت ارسم بالطباشير على الجدران والشوارع، أرسم مدناً، وبيوتاً، وأشجاراً..

صوت المرأة: أيتها الشيطانة ما الذي فعلتِه اليوم ببيوت الناس؟

الفتاة: ما الذي فعلتُه يا أمي؟

صوت المرأة: الناس تشكو منك، لقد حوّلتِ جدران بيوتهم إلى لافتات ملونة بطباشيرك التي تسرقينها من المدرسة.

الفتاة: (مستنكرة) أنا؟!

المرأة:لا علاقة لي أنا بالأمر، أبوك السكير هو الذي سيضع لك حداً..

الفتاة: (مع نفسها) كان من المفترض ان يأتي أبي ويحاسبني، لكنه في كل مرة يأتي في الليل متأخراً وتنشغل أمي بموضوع آخر وتنسى أن تنقل لأبي تلك الشكوى، الشكوى التي تتحدث عن سرقة الطباشير وجدران الناس لأرسم عليها، الأمور بدأت هكذا: لقد كنت اكتفي بربع طبشور أو نصف طبشور، كنت في البدء أتعلم به كتابة الحروف، كم كان عصياً عليَّ كتابة حرف الدال، دائماً أخطئ بكتابته (تتوقف وتتساءل) حرف الدال أم انه العدد اثنان؟ لحظة ما هذا التشويش؟ كنتُ اكتب دالاً أم اثنين؟ ما الذي كان عصياً عليَّ كتابته؟ ما هذا التشويش، لحظة أركز، دال ألف راء، نعم حرف الدال، دار نعم لقد كانت الدار، أتذكرها الآن كما لو أني أراها أمامي، لقد كانت كبيرة وواسعة، وليس فيها سواي أنا وأمي وأبي، أتذكر أن هذه الدار ستصغر وتصغر لتستطيل وتضيق، لتصبح كحافلة طويلة، أتذكر أن أبي كان يأتي كل ليلة للبيت سكراناً، ويتفتح باب البيت الخارجي ويقف هناك.

ظلمة، بعدها بقع ضوئية على الشخوص تظهر فيها ممددة نائمة وجنبها الفتاة أيضاً، بمكان قريب يكون الشاب واقفاً.

الشاب: (بصوت عالٍ) أدخلْ عزيزي، السيارة فارغة فلا تقف في طريق الركاب، ابتعد عن الممر ولا تزاحم الركاب، تحرك للأخير السيارة فارغة.

المرأة: (تستيقظ) لقد جاء السكران كالعادة، وهاهو الآن سيوقظ بصراخه الموتى (تلتفت للفتاة وتحاول إيقاظها بهز احد كتفيها) استيقظي وساعديني.

الفتاة: (تستيقظ بصعوبة) ماذا حدث يا أمي؟

المرأة: أبوك واسطوانته المشروخة نفسها التي تتكرر كل ليلة، حفلة الصراخ التي لا يمل منها ولا يكل، هيا تعالي معي يا صغيرتي ساعديني.

الفتاة: أما زال يتخيل البيت حافلة طويلة، ألا يتعب من تكرار هذا الخيال؟ طيب أ لم يستهلك من كثرة الاستعمال؟.

المرأة: (تبتسم) طولك شبران ولك هذا اللسان، يا لتعاسة الذي سيتزوجك، هيا انهضي.

الفتاة: اتركيني أنام يا أمي، وما الذي تفعله فتاة صغيرة مثلي في مثل هذه المواقف، ففي كل مرة أنت التي تتولين الأمر برمته، سأعود إلى الفراش..

تمسك المرأة الفتاة من يدها وتساعدها بالنهوض

المرأة: هيا معي يا صغيرتي تعالي نؤدي المشهد الذي نستدرجه فيه لداخل البيت، المشهد المكرر ذاته، تماماً مثلما كنا نفعل معه كل ليلة.

الشاب: (يصرخ) اصعد عزيزي الراكب، أرجوك لا تقف في الطريق، تقدم للأمام لو سمحت، السيارة فارغة.

المرأة: (بافتعال تصرخ وبحركات متصنعة تتمايل بجسدها) ابتعد عني أيها الوغد، كفّ عن التحرش ايها الوسخ، المكان ضيق فلا تدفع بجسدك عليّ (تلتفت للفتاة وبصوت واطئ) هيا دورك أنتِ قولي.

الفتاة: (وهي تفرك بعينيها وتتثاءب، وبحركة مصطنعة تلوك الكلمات بملل) ابتعد عن أمي أيها الحقير، المكان ضيق، رائحة الأجساد لا تطاق، ابتعد أيها الحقير.

المرأة: (بأدائها المفتعل نفسه) أ لا تخجل أنت؟ أليس لديك شرف، ابتعد عني، أيها السائق، أين أنت أيها السائق؟.

الشاب: (بغضب) ما هذا الذي يحدث؟ اعتداء!، تحرش!، عنف ضد المرأة!، من هذا الذي تجرأ على فعل ذلك؟

يتحرك الشاب من مكانه ويتقدم صوب المرأة والفتاة، يقترب منهما فيمسكانه ويجرانه لمقدمة المكان، ظلمة تعم المكان، لحظات وتظهر الفتاة بمفردها، معزولة عن الظلمة ببقعة ضوء.
الفتاة: (مع نفسها) هل قلت إن دارنا ضاقت؟ هل قلت إنها كانت ضيقة؟، لا، لم اقل هذا، لقد كانت أكثر سعة من كل بيوت الكون، أمي وأبي وطباشيري، لم تكن الدار ضيقة أبداً...
السائق: (يقهقه) هذه الفتاة مجنونة، تتحدث بلغة غريبة، لغة ساحرة، هيا اكملي.
الفتاة: (تتجه لمقدمة الحافلة وتمشي كالمنومة مغناطيسياً) لا أستطيع أن أكمل.

صوت المرأة: (بصوت واهن وضعيف يأتي من بعيد، جاف وبلا مشاعر) انتبهي يا أبنتي، الباب، باب الحافلة مفتوح، احذري ستسقطين.

الفتاة: (لا تلتفت لصوت المرأة وتستمر على حركتها تلك ) دا.. دا.. دا (تقفز من الباب وتختفي بالظلمة التي ستعمّ المكان، ليحل الصمت و يهيمن على المكان، بعدها سيخرق الصمت صوت الشاب وهو يرتجف)

الشاب: ليس دا إنما واحد وعشرون (بقعة ضوء على الشاب وهو متكور في مقعده ويرتجف) جدي اخبرني يا سيدي، أن اذهب بعيداً كي أعيش، فالمرض قد نخر جسدي، قالوا لي اذهب وحدك بعيداً وقاتل مرضك القاتل هذا، أخذت معي هذه المجموعة من التماثيل، تشبه كثيراً أفراد أسرتي، جدي قال لي خذها معك لتكون سلوتك في الوحدة، خذها وتحدث معها هناك ستكون بحاجة لمن يصغي إليك، فصعدت هذه الحافلة وانتظر الوصول إلى المكان الذي أرسلني جدي إليه، ولم نصل إلى الآن، يا سيدي أنا الآن بعمر الواحد والعشرين وجدي قال لو أنك تعدّيت سنكَ هذا العام فلن يقتلك المرض وستعيش طويلاً، سيدي السائق منذ متى ونحن هنا؟ كم بقي ونصل؟ منذ متى ونحن هنا؟ كم عمري أنا الآن؟ منذ متى ونحن نسير في هذه الطريق؟ كم أمضينا من الوقت؟ ساعة، ساعتين، كم عمري الآن؟ هل عبرت المرض والموت أم مازلت فيه؟ وهذه الظلمة الجاثمة كالوحش على الحافلة إلى متى ستبقى؟ كم الساعة الآن؟

يتحرك الشاب وسط التماثيل ويتجه إليهم بأسئلته التي سيكررها عليهم.
السائق: (يصرخ به وهو خلف المقود) توقفْ عن أسئلة الركاب، ركّزْ في الحكاية، أنا مصغٍ إليك، حكايتك أعجبتني، هيا أكملْ.

الشاب: (مازال يردد أسئلته على التماثيل غير آبه بما يقوله السائق) أرجوك كم الوقت؟ كم مضى من الوقت؟.

السائق: (يصرخ به) كف عن هذا وأصغ إليّ، هيا توقف (يكف الشاب ويعم صمت في الحافلة ماعدا صوت المحرك والإطارات على الإسفلت) والآن اجلسْ وركزْ على ما أقوله (الشاب يجلس على إحدى المقاعد واضعاً رأسه على صدر احد التماثيل الجالسة بقربه ويغفو) ركزْ معي، هنالك أسئلة إذا عرفنا أجوبتها فسنعرف أين نحن الآن، مثلا كم كان عمرك حين صعدتَ الحافلة، عمرك محسوب بالأيام والدقائق والساعات، إذا عرفت هذا فسنعرف كم مرَّ عليك من الوقت (يقهقه، ثم يتوقف عن الضحك، يضرب مقود الحافلة بيديه بانفعال شديد) ما الذي أقوله؟ كلام فالت وغير مترابط وغير منطقي، ما علاقة الذي أقوله بالوقت الذي قضيناه في الحافلة؟

هل صرتُ أهذي من شدة النعاس؟ أهلوس أنا الآن؟ (فجأة يصرخ) أنت أيها المريض أكمل حكايتك، هيا أكمل حكايتك فان النعاس بدأ يكبر ويزحف كأفعى ضخمة ستبتلع جسدي كله، وستبتلع الحافلة كلها، هيا أكمل، أ لا تسمعني؟ (تتوقف الحافلة فجأة بصوت كابح قوي، يقف السائق ويتجه نحو الشاب، يمسكه من شعره ويحاول رفعه لينظر في عينيه، ثم يعيده إلى وضعيته) لقد مات، كان يجب أن يموت، هو في الأصل ميت (يصفق محفزاً الآخرين) هيا واحد آخر يروي لي حكايته، واحد منكم، ما لكم لا تردون، أيعقل إنكم كلكم موتى؟ (يضحك) هيا لا تخافوا، لا أريد سوى واحد منكم يقصُ علي حكايته، ليس مهماً أن كانت أعجبتني الحكاية أم لا، أنا نعسان وبحاجة لصوت إنسان يبقيني يقظاً، أنا أخاف أن أغفو وتنقلب بنا الحافلة، أخاف أن أتوقف كي لا ينفد الوقود، هيا أرجوكم أتوسل إليكم، أنا لست بهذه البشاعة، كل الذين قد ماتوا هم قد اختاروا الموت لا أنا، أنا مسالم، لا أفعل شيئاً للذي حكايته لم تعجبني، هيا قصّوا علي المزيد، أنا وحيد، وحيد وخائف..

انتهت


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

كاتب عراقي

من نفس المؤلف
فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى