السبت ٢٩ حزيران (يونيو) ٢٠١٩
بقلم أبو الخير الناصري

صديقي صخر

1/ في العام 2009م قدّر الله لي الانتقال من نواحي وزان إلى العمل قريبا من أصيلا. كان من بركات ذاك الانتقال اللقاء والمعرفة المباشرة بالأستاذ والكاتب صخر المهيف الذي كنتُ قرأت له من قبل في مجلة "العربي" وجريدة "روافد"، وحسبتُ اسمَه اسما مستعارا لأديب لا يحب أن يُعرف باسمه الصريح في دنيا الأدب.

أذكر أن أول لقاء بيننا كان بأحد مقاهي أصيلا. قرّب المسافة بيننا أستاذي العزيز عبد السلام الجباري، فانتسجتْ صداقة بيني وبين صخر، وصرنا نلتقي في عدد من مقاهي المدينة، ونتجاذب أطراف الحديث في موضوعات عديدة. لمستُ فيه ولعا خاصا بالقصة القصيرة، مع انفتاح على قضايا سياسية وفكرية كشفت ميوله اليسارية منذ النقاشات الأولى. لكن ذلك لم يكن ليَغلبَ الجوانبَ الإنسانية التي شكلتْ آصرة قوية حافظت على صداقتنا رغم اختلاف الآراء والتوجهات الفكرية، وسرعان ما أهداني صخر مجموعته القصصية الأولى "ذكريات من منفى سحيق" موقَّعَة بالإهداء الآتي:

«الصديق العزيز أبو الخير الناصري

يسرني أن أهديك هذه الباكورة آملا أن تجد فيها ما يسرك ويؤنس وحدتك في ليلة ما..
مودتي الخالصة. أخوك صخر المهيف
مقهى طنجة / أصيلة في 08/ 01/ 2009م». وبادلتُه إهداء بإهداء.

2/ لم يَمض سوى وقت قصير على ميلاد صداقتنا حتى دعاني صخر لتأسيس جمعية نتخذها سبيلا للإسهام في تحريك البركة الراكدة للثقافة بالمدينة الصغيرة؛ فكانت جمعية الإشعاع الأدبي والثقافي التي ضمت كلا من صخر المهيف، وعبد السلام الجباري، وجمال بوليفة، وجميلة بنيعيش، وكاتب هذه السطور.

انتخبنا صخرا رئيسا لنا، وكان خير رئيس وفاعل ثقافي. بفضل جهوده وتعاون الأصدقاء في مكتب الجمعية استطعنا أن نكتب صفحات مشرقة في تاريخ الحركة الأدبية بالمدينة، أستحضر منها هذه الأعمال المنجزة بين 2012 و2015م:

- تكريم الصحافي عبد اللطيف بوجملة بمركز الحسن الثاني للملتقيات الدولية بأصيلة.
- توقيع "عزف منفرد على إيقاع البتر" لعبد الحميد الغرباوي بمركز الحسن الثاني..
- توقيع "ضجيج ذاكرة" لإبراهيم أبويه بمركز الحسن الثاني..
- توقيع "ذكريات عصفورة" لحميد ركاطة بالمطعم الثقافي الأندلسي
- توقيع "حذاء بثلاث أرجل" لعبد الرحيم موذن رحمه الله بمركز الحسن الثاني..
- توقيع "أبي ليس له أنياب" لسناء شدال بدار الشباب
- توقيع "وصمة زعفران" لزهير الخراز بدار الشباب
- توقيع "وداعا شوبنهور" لعبد السلام الجباري بدار الشباب...

ثم قدّر الله تعالى أن يرتحل الصديقان صخر وجمال إلى طنجة، وأن يتفرغ أبو الخير لمتابعة دراساته العليا؛ فخَفَتَ صوت "الإشعاع الأدبي والثقافي" بالمدينة..ولا غرابة فما المدنُ إلا ناسُها، ولا الثقافةُ إلا أهلُها، وقديما قال الشاعر:

وما حُبُّ الديار شَغَفْنَ قلبي
ولكن حُبُّ مَنْ سَكنَ الديار"!!

3/ في السادسَ عشرَ من مارس الماضي احتضن مقر المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير بطنجة لقاء ثقافيا لتقديم أعمالي الأدبية نظمته جمعيتان أكن لهما خالص التقدير: رابطة كاتبات المغرب بطنجة وجمعية أعمدة.

قبْلَ يوم اللقاء أرسلتُ إلى صديقي صخر دعوة للحضور. وكان باهتمامه وحضوره مجسِّداً للوفاء للصداقة ولثقافة الاختلاف النبيل والالتقاء على أرضية المشترك الإنساني. وحينما فتحت العزيزة الدكتورة نبوية العشاب بابَ النقاش أمام الحاضرين تحدث صديقي صخر عن عملنا المشترك في "الإشعاع الأدبي والثقافي" وحُسْن تدبير الاختلاف بيننا، ثم سألني عن نصوصي القصصية وسبب إحجامي عن نشرها بين دفتي كتاب.

سعدتُ كثيرا بتدخله، وعبرت في معرض الرد عن اعتزازي بالذين تجمعني بهم رابطة الصداقة رغم الاختلاف في الأفكار والاتجاهات.

4/ مساء يوم الأحد 19 من ماي 2019م الموافق لـ 13 من رمضان 1440هـ جمعتني بالعزيز صخر أمسية أدبية بالمطعم الثقافي الأندلسي بأصيلا. قرأ صديقي في هذا اللقاء قصة قصيرة عنوانها "قصة طويلة". راقتني القصة كما راقت الحاضرين. وإكراماً لصديقي وتقديراً له، وتوسيعاً لحيّز تلقي نصّه الأدبي أنقله إلى هذا الحيز مع خالص محبتي لك أخي صخر.

قصة طويلة

اقتعد رئيس المجلس البلدي بجانب الكاتب العام لجمعية السنابل الثقافية في الصف الأول، وعندما انتهت الفقرة الأولى من الحفل، ألقى الرئيس كلمة مقتضبة، وعاد يجلس في مكانه المخصص له، ثم مال على الكاتب العام هامسا:

- لا يسعني إلا أن أثمن مبادرتكم هاته كل التثمين.

- ولا أملك إلا أن أشكركم على دعمكم لنا.

ابتسم الرئيس مزهوا واستوى في جلسته رافعا هامته إلى السماء، وما لبث أن استطرد قائلا:

- كم هو رائع أن تستقطبوا إلى هذه البلدة أربعين من خيرة كتاب المغرب ونقاده.
رد الكاتب العام باقتضاب:

- هذا من أجل مدينتنا الصغيرة..

ران صمت قصير بعد أن تقدم المنشط إلى المنصة ليعلن استئناف الحفل بفقرة ثانية. صفق الحضور طويلا للراقصين والراقصات، وإذا بالرئيس يهمس في أذن الكاتب العام:

- جميل جدا أن تنظموا ملتقى خاصا بالقصة القصيرة، بيْد أني أنتظر منكم عملا أكبر..
- عملا أكبر..؟ كيف؟
- أود أن تنظموا مستقبلا ملتقى خاصا بالقصة الطويلة..
تململ الكاتب العام في مكانه، وسعل سعالا خفيفا. نظر إلى الرئيس نظرة مركزة وعميقة.

لمعت عيناه وصاح:

- هائل..معتبر..فكرة هائلة
ارتسمت في عيني الرئيس ومضة خاطفة وانطبعت على وجهه ابتسامة رضا وارتياح. استطرد الكاتب العام بالقول:
- العامْ الجاي نْطَوْلوا باباها نْعَامْ أَسي..


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى