السبت ٢٩ حزيران (يونيو) ٢٠١٩
قصة قصيرة مع تعليق نقدي عليها
بقلم علي القاسمي

فطور الصباح

تعالَ معي لنتناول فطور الصباح، فأنتَ ضيفي اليوم. لنذهبْ إلى أحد المقاهي المُكتظَّة بِروّادها من الموظَّفين والعاطلين. إنَّهم يتناولون فطورهم، أو بالأَحرى يحتسون قهوتهم مُتمهِّلين طوال الصباح. فمدينتنا مدينةٌ سياحيّةٌ من الدرجة الأولى. سُيّاحها هم أهلها من الشباب والشيوخ. وأنا وأنتَ سنمضي الصباح كلَّه في مقهًى كذلك.

ولتمضية الوقت، دعني أقرأُ لكَ قصيدةً بالفرنسيَّة لجاك بريفير عنوانها"فطور الصباح". فعنوانها يتَّفق والمَقام الذي نحن فيه، والشاعر كان يكتب قصائده في مقاهي باريس وحدائقها العامَّة. وإذا كنتَ لا تُجيد الفرنسيَّة، فسأقرأً لك القصيدة ذاتها بالعربية. فقد نقلها إلى العربيَّة الشاعر نزار قباني وأعطاها عنوان"الجريدة". فَعَلَ ذلك رأفةً بأمثالكَ ممن لم يتقنوا الفرنسيّة بسبب تغيّب المُعلِّم المُستَمرّ. وضمّها قباني إلى ديوانه، ولكنَّه نسي أن يكتب كلمة"ترجمة"عليها. لا بدّ أنَّك سمعتها من قَبل بصوت المُغنِّية ماجدة الروميّ.

وإذا كنتَ لا تُحبِّذ الشعر وتفضِّل الإنكليزيَّة، فلنقرأ قصَّة قصيرة للكاتب الأمريكيّ رون كارلسون بعنوان"قراءة الجريدة". ماذا قلتَ؟ أنتَ تجهل اللغة الإنكليزيّة. لا عليك، لا تهتمْ ولا تغتمْ، لأنَّني بصدد سرقة موضوع هذه القصَّة ونقله إلى العربيّة الآن بعنوان"فطور الصباح". مجرَّد تغيير في العناوين وتُصبِح كاتبًا. وعلى كلٍّ، فالصحف لا تدفع حقوق المؤلِّف. أنتَ تسرق أفكار غيركَ، والناشرون يسرقون حقوقكَ.

لم تُعجبْكَ قصَّتي؟ لماذا؟ ليست لها مواصفات القصَّة؟ لا عليك، سنسمِّيها"سرد"، فهي من فنون ما بعد الحداثة، ومصطلح"سرد"يغطّي كلَّ ما هو ليس بقصَّة وتريده أن يكون قصَّة، تماماً مثل مصطلح"تشكيل"في الرسم. فأنتَ، مثلاً، تستطيع أن تُصبِح رسّامًا إذا وضعتَ شخبطات داخل إطارٍ أنيقٍ، وعرضتَها في معرض فخم، وقلتَ إنَّها"تشكيل". وإذا كان لك أصدقاء من نقّاد الفنّ، فسيخرجون بتحليلاتٍ وتأويلاتٍ لشخبطاتك لم تخطرْ لكَ على بال.

ماذا قلتَ؟ لا تريد أن تسمع شيئاً من الأدب الفرنسيّ ولا الإنجليزيّ؟ إذن سنقتل الوقت بقراءة الصُحُف العربيّة. لا تظنُّ أنَّني سأشتري الصُحُف. عبقريَّة البطالة تخترع أساليب فذَّة. سنستعير جميع الصُحُف من البائع مقابل نصف درهم فقط، وبعد أن نطَّلع عليها، نعيدها إليه، وهو بدوره يعيدها إلى الموزِّع غداً صباحًا بوصفها"مرجوعات لم تُبَع". جميعهم يفعلون ذلك، ونحن كذلك. ألم أقُل لكَ إنَّ البطالة أُمُّ الاختراع.

أنتَ تفضِّل مشاهدة المارَّة والتعليق عليهم، أَلَيسَ كذلك؟ إذن، هذا المقهًى يُطل على الشارع العامِّ. ولكن، ينبغي عليَّ أن أحذِّركَ مُسبقًا. إذا رأيتَ شابًّا يوقف فتاةً مارَّةً في منتصف الطريق، ويُشهِر سكينًا في وجهها، ويأمرها بتسليم حقيبتها اليدويَّة وحليّها المزوَّرة، فلا تتحرَّك من مكانك، لأنَّ الفتاة ستسلمه الحقيبة بِيدٍ مرتعشةٍ وابتسامةٍ شاحبة، ويمرُّ المشهد بسلام. أمّا إذا كنتَ فُضوليًّا وتدخَّلتَ فيما لا يعنيك، فقد يحدث ما لا يُحمَد عُقْباه. افعلْ تماماً كما يفعل الشرطيّ، وهو يمرّ على المشهد بعيون مُغمَّضة. عذره أَنَّه أنهى نوبته قبل لحظات. إنّها الحكمة بعيْنها. أو افعلْ كما أفعل أنا: احتسي قهوتي قبل أن تبرد.

ماذا قُلتَ؟ النادل أتى بالقهوة باردة؟ لا تهتمّ بذلك، لأنَّها ستبرد على أيّ حال، فنحن سنمضي الصباح كلَّه في هذا المقهى. ضعها أمامك فقط مُتظاهراً بالتلذُّذ باحتسائها. لا تشرب قهوتك بسرعة. في العجلة الندامة وفي التأنِّي السلامة. وإذا لم يُعجبك هذا المقهى، سنذهب بعد الظهر إلى مقهىً آخر, فالمدينة كلُّها مقاهٍ: بين كلِّ مقهى ومقهى مقهى.

إذن لنبدأ بقراءة عناوين أخبار الصفحة الأولى في هذه الجريدة. هل أنتَ مستعدٌّ لسماع أخبار الأُمَّة هذا الصباح؟ توكَّل على الله:

ـ"بروفيس مروفيس ينجو للمرَّة الثانية خلال أُسبوعَين من هجومٍ بالقنابل."
لا تعرف مَن هو بروفيس مروفيس؟ إنَّه جنرال استولى على السلطة بانقلابٍ عسكريٍّ، وحَكَمَ بالإعدام على رئيس الحكومة المُنتَخَب. المسكين الأخير كان قد فازَ بالانتخاب. لكنْ، بالرشوة والتزوير.

ـ"عشرات القتلى من اللبنانيِّين بسقوط طائرة بوينغ في طريقها إلى بيروت."
السبب؟ بسيط جداً: الطائرة مُستهلَكة، وأموال الصيانة أخطأتْ طريقها واستقرتْ في جيوب بعض مسئولي الشركة.

ـ"طائرات إسرائيليّة تغتال ستة فلسطينيِّين بينهم أربعة أطفال، بإطلاق صاروخ على سيّارتهم في شارعٍ بغزة، وتجرح عشرين من المارَّة."
الخبر عاديّ لا يحتاج إلى تعليق. اعتدنا عليه، لا جديد فيه. نسمع مثله كلَّ صباح منذ ثلاث سنوات.

ـ"قوات الاحتلال الأمريكيّ تقتل ثلاثين عراقيّاً وتعتقل مائة وستين آخرين شمال بغداد..."

إنَّهم سادة العالَم، إنَّهم رعاة البقر. يسرحون ويمرحون كما يحلو لهم. لا مانع ولا رادع. والعالم مزرعةٌ كونيّةٌ صغيرةٌ لتسمين أبقارهم. ونحن جميعاً مِلك أيديهم.

ـ"اكتشاف مقابر جماعيّة جديدة في العراق."

تعلّم أساليب الحُكم الصالح، يا صديقي! فقد يركبك الحظ وتصبح رئيس جمهوريَّتنا المَلكيّة في المستقبل القريب. ماذا تقول؟ لا، أنا لستُ مازحاً.

ـ"تقرير دوليّ: 351 ألف طفل عربيّ مُصاب بالأيدز/السيدا."

هذا معناه أنَّنا تعلَّمنا حكمةً نردِّدها منذ ألف عام:"النظافة من الإيمان".

هل تريد أن تسمع مزيدًا من الأخبار؟ لا؟ لنغيِّر الموضوع إذن: والآن كيف نبحث عن عمل؟!

ــ القصة من مجموعة"دوائر الأحزان"التي صدرت طبعتها الأولى في دار ميريت، القاهرة 2007.

تعليق نقدي على القصة

زيغ الدلالة في (فطور الصباح)، للدكتور عليّ القاسميّ

الدكتور حسام الجبوري

كلية الآداب ـ جامعة بغداد

تتفاجأ من البداية بالدفق الدلالي الذي يتراكم متجاوزاً سرعة الحوار، الذي يحلو أن أسمّيه (الحوار الأعرج)، حين يتجاوز إبداع الدكتور عليّ القاسمي فكرة الحوار الثنائي من جهة، والمونولوج من جهة أخرى، ليخلق نمطاً - وسطياً - يخترق إجراءات الحوار الفعّال، والأسى الخالق لسوداوية الذات في المونولوج!!!

أعترف أن السرعة القاتلة في السرد، المبنية على صناعة نمط تقابلي غير ظاهر، ربما هو نوع من التضادّ الخفي الكاسر لأفق التوقع جعلت من (فطور الصباح) ذات أبعاد دلالية مترددة، أو فلنقل تحمل (زيغاً دلالياً) أخّاذاً، فالفطور ليس الفطور"تعال معي لنتناول فطور الصباح"جملة تفترض الثبات الدلالي والبدء برسم لوحة، لكن الدكتور القاسميّ يزلزل تلك الصورة"إنهم يتناولون فطورهم، أو بالأحرى يحتسون قهوتهم"ليس لك من خيار في لفظ أنفاسك حيال هذا الخرق والانزياح، فالعقل ما زال غير قادر على تجميع شتات الصورة الأولى، ليعاود البحث عن أجزاء الصورة الثانية، وهنا يكمن السرّ في صناعة دراماتيكية التلوين والصوت والحدث والضوء في (فطور الصباح)!!

نحن في مواجهة حدث متداخل رسم المبدع تشكيلته من الصورة المركبة، ولا أعني هنا بالتركيب معناه الأرسطي المبني على تعاقد الأجزاء، بل تركيب متعاكس في تداخله، يضعنا أمام تساؤل فيزيائي قديم - لو صحّ التعبير - وهو (كم صورة سترى عند وضعك مرآةً أمام أخرى)، فـ (فطور الصباح) الواقع تداخل بصرياً مع (فطور الصباح) لجاك بريفير، كلاهما يتماهيان في نفسيهما لا تكاد تعرف ماهية الأول، وذات الثاني، عبقرية الدكتور القاسمي لم تلجأ للمنحى الفيزيائي في حلحلة هذا الاشتباك، بل لجأ لخرقٍ آخر تجاوز حدود التوقع عندما رفض فكرة المعرفة باللغة الفرنسية!!

هكذا عادت صورة أحادية، وربما ممتزجة بطريقة تلغي تعددهما، أو تغايرهما!!!

ويستمر الدكتور القاسمي لتستهويه لعبة التداخل، والخرق الذي يكسر صمت التداخل، ليصنع زيغاً دلالياً جديداً"وإذا كنت لا تُجيدُ الفرنسية فسأقرأ لك القصيدة ذاتها بالعربية، فقد نقلها إلى العربية الشاعر نزار قباني، وأعطاها عنوان (الجريدة)... ولكنه نسيَ أن يكتب كلمة (ترجمة) عليها..."، وها هو القاسميّ يعود ليضع (الجريدة) في قلق الدلالة حين تتداخل ثانية"وإذا كنتَ لا تُحبذ الشعر وتفضّل الإنكليزية فلنقرأ قصةً قصيرة للكاتب الأمريكيّ (رون كارلسون) بعنوان (قراءة جريدة)..."ويعود ثانية للتقنية نفسها التي تجعل هذا التركيب المتعاكس في مهبّ الريح، ليكسر هذه المعادلة"ماذا تقول: أنت تجهل اللغة الإنكليزية".

(فطور الصباح) صوتان، أحدهما قويّ بارز بوضوح مثير للانتباه، والآخر خافت يكاد يكون معدوماً، بل يقترب كما أسلفنا إلى منطقة (المونولوج) الحرّة.

سوداوية مرّة كمرارة القهوة، ولا يكاد تراسل الحواس الولوج الى حيز مفاهيمها، لتعود (باردة) تفقد قدرتها على تلمسّ الحواسّ وإخبارهنّ بكنهها وهويتها.

الدكتور القاسميّ المتألم السوداويّ يرمي بحيرة حزنه الراكدة بحجارة تلو الأخرى لينتظر من (زيغ الدلالة) صنع دلالات جديدة تعكس ذلك الحزن القاتم بلونه وصوته معاً...

- لم تُعجبكَ قصّتي؟
- ليست لها مواصفات القصة؟
- لا تُريد أن تَسمع شيئاً من الأدب الفرنسيّ ولا الإنكليزي؟

عُدْ إلى رُشدكَ أيّها القارئ النهم لهذا الجنون من تدافع الدلالات المأزومة حزناً وقلقاً لتجد عمقَ المأساة حين تفتح باباً لمأساةٍ أكبر"إذن سنقتل الوقت بقراءة الصحف العربية"...

تُذكرني المفارقات التي يصنعها الدكتور القاسمي في (فطور الصباح) بتلك الخروقات الصانعة لشاعرية (أحمد مطر)، المبنية على خارطة طريق مسدود يفتح باباً لطريقٍ مسدود، هو أقربُ لنفي الإلحاد بالتسلسل المنطقي والدور الباطل، فالاحتمالات اللا متناهية من الطرق المغلقة تحكي بوضوح قتامَ الصورة والشعور في آنٍ واحد!!!

يدفع الدكتور القاسمي بمجموعة بصرية خاطفة تعتمد التناقض (المرأة التي تُسرَق حقيبتها بالقوة - الشرطي اللامبالي بها بسبب الفساد الإداري وموت الضمير)، (النادل وقهوته الباردة - التظاهر بالتلذذ بشربها)، (نجاة برويز الإنقلابي - الرئيس الفاسد المزوّر)، (القتلى اللبنانيين - سرقة أموال الصيانة)، (الجرائم الإسرائيلية - موت الضمير العربي والاعتياد على رخص الدم الفلسطيني)، (الأمريكان يقتلون العراقيين بدم بارد - ثقافة الكاوبوي)، (المقابر الجماعية في العراق - تعلم الحكم الصالح)... سخرية وسوداوية تعتمد الجرأة على خلق توافق منطقي لجمع الأضداد، وهو الأمر الذي سيسخط أرسطو الذي سيظل يصرخ"الأضداد لا تجتمع ولا ترتفع في وقت واحد"ليجيبه الدكتور القاسمي ساخراً متألماً"هل تريد أن تسمع مزيداً من الأخبار؟ لا؟ لنغيّر الموضوع إذن. والآن كيف نبحث عن عمل".


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى