الأحد ١ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٠٦
بقلم عبد السلام مصباح

أغنية البصل

إضـــــاءة

كان الشاعر ميغيل إرنانديث (الذي ولدفي31/10/1910 بأوريهويلا ، ومات في سجن أليكانطي في الساعة الخامسة والنصف من صبيحة يوم 28/03/1942) يعيش أحلك أيامه في حالة بين المرارة والألم داخل سجن طوريخوس بمدريد؛حيث يصعب تخيل الحياة في السنوات الأولى من انتهاء الحرب الأهلية الإسبانية (18/07/1936- 01/04/1939) بين جدران أورقت عليها العفونة وأزهرت بها رائحة الرطوبة، وأصبح منظرها يثير القرف ويصلك من ورائها أنفاس اليأس الجنائزي ورائحة الموت.

في هذا الجو المشحون القاتم ذو الأحلام المجهضة والأشواق اليابسة؛ يتسلم الشاعر، الذي فقد كل أمل في رؤية الشمس...رسالة من زوجته خوسيفينا، تخيره فيها أن وحيده وفلذة كبده لا يجد ما يأكل، وقد أصبح البصل والخبز اليابس كل زاده.

وفي يوم 1/09/1939 - وقد بلغت مأساته ذروتها - يرد على زوجته برسالة تحفل بآلام الجراح التي عصفت بكل ما كان يشعر به نحو الحياة والحب من حيوية دفاقة وآمال مشرقة؛ رسالة تجسد كل لحظات الكدر ولحظات الصفاء.

إن هذه الرسالة تعتبر مفتاحا تساعد كل من يريد دراسة أدبه وفهم شعره خلال هذه المرحلة من حياته، حيث تكشف لنا عن نضج فكره ووعيه السياسي، وتبلور رؤاه الشعرية،وبالتالي تكشف عن العمق الإنساني والحس الفريد الخافق بالحنين والحب وبأحاسيس الأمل، وبالكوابيس المتراصة بألوان اليأس الذي ولدت فيه الكثير الكثير من قصائده داخل السجن المطبوعة بالمرارة والعذاب الروحي، أحيانا بأحلام الخلاص المشعة، ومن هذه القصائد الني كتبها داخل السجن:

أغنيـــة البصـــل

ولما كانت تلك الرسالة تتعرض من قريب جدا إلى فكرة هذه القصيدة، فإني ارتأيت أن أقتطف منها هاتين الفقرتين القصيرتين تعميما للفائدة :

"هذه الأيام قضيتها متأملا في حالتك، كل يوم يزداد شقائي ويعضم يأسي، رائحة البصل الذي تأكلينه وصلتني إلى هنا، وطفلي أحسه ساخطا من رضع واستخراج عصارة البصل عوض الحليب.

"لقد قضيت ساعات طويلة أفكر في هذا الطفل وفي ذلك المستقبل الذي ينتظره، أنت بانتباهك وحرسك، وأنا بجهدي وسعيي العقيمين...إني أريد مستقبلا مشرقا، مستقبلا رائعا من أجل طفلنا"

والآن...

كيف يرى الشاعر ميغيل إرنانديث/الشاعر السجين مستقبل ابنه من خلف القضبان، في عتمة زنزانته؛ بعد أن لحقته لعنة الحديد والرطوبة والظلمة،وقد أصبحت اسبانيا، بلاده،تحت رحمة البنادق الكتائبة الحاقدة وكرابيج القمع الفرنكوي...



القصيـدة :

الْبَصَـلُ صَقِيـع

مُغْلَـقٌ وَضَعِيـف،

صَقِيـعُ أَيَّامِـك وَلَيَالِـيَّ،

جُـوع ٌوََبَصَـل

جَلِيـدٌ أسْـوَدٌ وَصَقِيـع

كَبِيـرٌ وَمُسْتَدِيـر.


فِـي مَهْـدِ الْجُـوع

يُوجَـدُ طِفْلِـي

مَـعَ دَمِ البَصَل

يَرْضَعُـه

لَكِـنَّ دَمُـكِ

مُغَطَّـى بِسُكَّـرِ الصَّقِيـع

بَصَـلٌ وَجُـوع.


امْـرَأَةٌ سَمْـرَاء

ثَابِتَـةً فِـي الْقَمَـر

تَـذُوبُ خَيطـاً خَيْطـاً

فَـوْقَ الْمَهْـد.

اضْحَـكْ يا طِفْلِـي

سَتَبْلُـعُ الْقَمَـر

حِيـنَ يَكُـونُ ضَرُورِيّـاً.


اضْحَـكْ

قَبَّـرَةَ بَيْتِـي كَثِيـراً،


ضِحْكَتُـكِ فِـي الْعُيُـون

لِلْعَالَـمِ نُـور.

اضْحَـكْ كَثِيـراً

حَتَّـى إِذَا سَمِعَتْـكَ رُوحِـي

رَفْرَفَـتْ فِـي الْفَضَـاء.


ضِحْكَتُـكَ تَجْعَلُنِـي حُـرّاً

تَمْنَحُنِـي أَجْنِحَـةً،

تُبْعِدُنِـي عَـنِ الْوَحْـدَة

وَمِـنَ السِّجْـنِ تَقْتَلِعًنِـي...

يَطِيـرُ ثَغْـرٌ

وَبَيْـنَ شَفَتَيْـكَ يُومِـضُ قَلْـبٌ.


ضِحْكَتُـك

هِـيَ السًّيْـفُ الأَكْثَـرُ انْتِصَـاراً

يَا مُنْتَصِـراً عَلَـى الأَزْهَـار

عَلَـى الْقُبَّـرَّات

يَا مُنَافِـسَ الشَّمْـس

وَمُسْتَقْبَـلَ حُبِّـي

وَعِظَامِـي.


اللَّحْـمُ الْمُرَفْـرِف

الْجَفْـنُ الْمُبَاغِـت

الْحَيَـاةُ الْمُلَوَّنَـةُ

كَمَـا لَـمْ تُعَـشِ أَبَـداً

كَـمْ طَائِـرٍ يُرَفْـرِفُ

يَرْتَفِـعُ مِـنْ جِِسْمِـك.


اسْتَيْقَظْـتُ مِـنْ طُفُولَتِـي

لاَ تَسْتَيْقِـظْ أَبَـداً.

أَحْمِـلُ الثَّغْـرَ حَزِينـاً:

اضْحَـكْ دَوْمـاً،

دَوْمـاً فِـي الْمَهْـد

مُدَافِعـاً عَـنِ الضَّحْكَـةِ

رِيشَـةً رِيشَـة.


كُـنْ ذَا تَحْلِيـقٍ عَـالٍ

مُتَعَـدِّد

فَلَحْمُـكَ هُـوَ السَّمَـاء،

سَمَـاءٌ مَوْلُـودَةٌ حَدِيثـاً.

لَـوْ أَنَّنِـي اسْتَطَعْـتُ

ارْتَفَعْـتُ إِلَـى بِدَايَـةِ طَرِيقِـك.


فِـي شَهْـرِكَ الثَّامِـن

ضَحِكْـتَ بِخَمْـسِ زَهَـرَاتٍ

بِخَمْـسِ شَرَاسَـاتٍ صَغِيـرَة

بِخَمْسَـةِ أَسْنَـان

مِثْـل خَمْـسِ يَاسمِينَـاتٍ

ياَفِعَـات.


حِيـنَ تُحِـسُّ بِسِـلاَحٍ

تُحِـسُّ بِنَـارٍ

يَجُـولُُِ عَبْـرَ أَسْنَانِـك

بَاحِثَـةً عَـنِ الْمَرْكَـز،

تَصِيـرُ حُـدُودُ الْقُبُـلاَتِ غَـداً


حَلِّـقْ يَاطِفْلِـي بِأَسْنَانـك.

بَيْـنَ قَمَـرَي الصَّـدْرِ،

هُـوَ، مِـنَ البَصَـلِ حَزِيـن

أَنْـتَ رَاضٍ.

لاَ تَنْهَـرْ.

لا َتَعْـرِف مَـا يَحْـدُث

وَلاَ مَـا يَجْـرِي.

للشاعر الإسباني ميغيــل هرنانديـث

تعتبر هذه القصيدة من أشعار ميغيل إرنانديث التي كتبها في السجن، وقد نشرت بعد موته إلى جانب

أخواتها...اعتمدت في ترجمتها على أعماله الشعرية الكاملة.الطبعة الخامسة التي صدرت في دجنبر

1979.صفحات:473 /476


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى