الاثنين ٢١ كانون الثاني (يناير) ٢٠٠٢
بقلم وليد محمد علي

صهيونية الخزر وصراع الحضارات ـ الحلقة الاولى

هنا اعتقاد سائد سعى "اليهود" باستمرار لتكريسه. يقول بانتساب اليهود سلالياً للنبي التوحيدي إبراهيم الخليل (عليه السلام). وذلك في محاولة مستميتة منهم للتدليل على حقهم (كعنصر مبارك من الرب) في امتلاك ما تشتهي أنفسهم ( التي لا حدود لجشعها وطمعها) من أراضي وثروات الشعوب الأخرى (الأميين – الغوييم).

رحلة المباركة تلك تبدأ في "سفر التكوين" بلعنات يصبها نوح على كنعان. وبركات يمنحها نوح لسام. وتستمر الحكاية فتحصر البركات بقسم من أبناء سام يدّعي اليهود الانتساب له سلالياً سواء كانوا من العرق الزنجي، أو الأحمر، أو الأصفر أو غيره، أكانوا فلاشا أو خزر.

ويجب على الجميع أن يسلموا دون أدنى اعتراض أو شك أو مجرد تفكير بانتساب اليهود الى "إبراهيم الخليل". رغم أن الصفات والأخلاق التي يحاولون لصقها به لا تتناسب إطلاقاً مع قدسية وسيرة إبراهيم الخليل التي تتحدث عنها المسيحية والإسلام. فماذا لو لم نستسلم لإلغاء عقولنا وتساءلنا، لماذا يلعن نوح (عليه السلام) حفيده كنعان على فعلة لم يقترفها، ولم يكن قد خرج الى الدنيا يوم حدثت وفق مروياتهم.

"... من الدلائل على أن سفر التكوين كتب بعد طروء بني إسرائيل على أرض كنعان، ونشوب العداء بينهم وبين الكنعانيين، قصة لعن نوح لكنعان المسجلة في إصحاحه التاسع حيث ذكر أن نوحاً قد سكر، وتكشف داخل خبائه، فرأى ابنه الصغير حام سوأة أبيه، فأخبر أخويه بذلك، فأخذا رداء وغطيا به سوأة أبيهما، فلما أفاق أبوهما أخبراه بما كان من حام فهتف (ملعون كنعان. عبداً يكون لعبيد أخوته. ويبارك الرب سام. وليكن كنعان عبداً له. يرحب الله ليافث ويكون كنعان عبداً). فيكون اسم كنعان مقحماً إقحاماً لأن اسم الصبي الذي رأى سوأة أبيه هو حام، والسفر يذكر أن حام هو أبو كنعان، ولكن كنعان لم يكن قد ولد، ولم يكن ولد حام الوحيد، بل رابع أولاده كما يفيد السفر ذاته. وكما تقول توراتهم فلقد نشب عداء وصراع شديدان بين الكنعانيين ، وبين بني إسرائيل، حينما جاء هؤلاء قاصدين إبادة أولئك والحلول محلهم في وطنهم في شرق وغرب الأردن. ولا شك في أن لعن كنعان وتسجيل عبوديته لأخويه، وعبيد أخوته، متصل بذلك. ويكون هذا التسجيل بعد ذلك الطروء والعداء... والسفر يذكر أن إبراهيم الذي هو حسب ما ورد جد بني إسرائيل من ذرية سام فيكون هذا التسجيل من هذه الناحية توكيداً لافتعال الحادث وإقحام كنعان فيه، والقول بأن نوحاً قد لعنه ودعا ربه بأن يكون كنعان عبداً لسام ...) (1).

لماذا لا تكون نفس العقلية التي فبركت تلك اللعنة، قد استعملت نفس الأسلوب في أكثر من موضع، وأكثر من رواية من روايات كتبهم "المقدسة"؟!! ولماذا لا نخضع ما ورد في المرويات التوراتية للتمحيص والتدقيق وللعقل البشري الذي يشكل النعمة الأكبر التي منحها الباري (عز وجل) للناس واختصهم بها دون المخلوقات كافة.

"عندما تمت الاكتشافات في بلاد ما بين النهرين، وسوريا، ومصر، تبين للباحثين والدارسين أن أسفار التوراة "المقدسة" منقولة برمتها نسخاً، أو مسخاً عن الأداب والشرائع المصرية، والكنعانية، والبابلية..."(2).

وفي كتاب قيم أثار ضجة كبرى في الأوساط الصهيونية والمتصهينة رصد الأستاذ د. توماس ل. طومسون (أستاذ علم الآثار في جامعة ميلووكي الأميركية. والذي فقد وظيفته بضغط من الأوساط الصهيونية): مواقف الكثير من علماء التاريخ وباحثي الآثار. ويكتب أن – جي ويلهاوزن – سجل منذ قرن تقريباً أن الأسفار الخمسة الأولى، والكتب الستة الأولى من الكتاب المقدس، قد تم تشكيلها من أربعة مصادر مستقلة عن بعضها في الأصل ... وهي (المصادر اليهوهية والايلوهية والتثنية والكهنوتية) (3). ويضيف أن العنصر الأساسي في الدراسة التاريخية التي تعبّر عنه فرضية ويلهاوزن هو أن المصادر الأربعة للأسفار الخمسة الأولى يجب فهمها على أنها وثائق أدبية تم تأليفها وقت كتابتها، ولذلك فهي كمواد مؤلفة تعكس فهم ومعرفة مؤلفيها وعالمهم، هذا الافتراض أدّى الى نتيجة مفادها أنه لا يمكن أن نحصل منها على أي شيء تاريخي يعتمد عليه، عن المراحل السابقة لتاريخ إسرائيل. وبناء عليه فإن إمكانية الاستفادة من الأسفار الخمسة الأولى لإعادة تشكيل تاريخ إسرائيل القديم، السابق على وقت تأليفها قد انتفت تماماً..." (4).

كما رأى أن حكايات سفر التكوين فيها القليل مما له علاقة بالتاريخ بل تنتمي الى عالم الخيال... (5).

كما أن (توماس طومسون) يسجل موافقته على رأي جي غاربيني القائل إن كل تاريخ إسرائيل القديم، يجب أن يعتبر هيكلاً مصطنعاً شكلته دوافع لاحقة لأي بنية معروفة عن حوادثه ..."(6).

إن علماء التاريخ الذين تحررت أذهانهم من خلفية التاريخ التوراتي قد اتفقوا على القول بأن جميع قصص كتاب "العهد القديم" تقريباً، بما فيها قصة الأرض الموعودة، هي من صنع الخيال، وأنها كتبت في القرن الخامس قبل الميلاد، بعد زمن يتراوح ما بين خمسمئة وألف وخمسمئة سنة من وقوع الأحداث التي ترويها ..." (7).

ولا زالت المكتشفات الأثرية تؤكد يوماً بعد يوم، أن لا تاريخية للتوراة.
فقد أوردت صحف 27/11/98 نقلاً (أ.ف.ب.) نبأ اكتشاف علماء الآثار قرب مدينة أريحا لبوابة أريحا القديمة محاطة بأسوار عدة.

وقال لورنزتيفرو عضو البعثة التي تمولها جامعة سابينزادي روما الإيطالية "نحن مقتنعون بإن البوابة التي شيدت بين العامين 1900 و 1550 قبل الميلاد هي بوابة المدينة الوحيدة ... وأضاف "أن البوابة موجودة في جنوبي شرق المدينة في إتجاه القدس ولذلك أطلق عليها اسم باب القدس. وكان يحمي البوابة برجان تصل سماكة كل منهما الى سبعة أمتار ... وكانت المدينة الواقعة على بعد 23 كيلومتراً من القدس في وادي الأردن قد أحرقت بأمر من الفرعون أحمس ثم هجرت في 3500 قبل الميلاد.

ولا تتطابق القصة الواردة في التوراة حول إستعادة يشوع للمدينة التي إنهارت أسوارها على صوت الأبواق (حسب زعم توراتهم) مع نتائج الحفريات الأثرية التي إنجزت حتى الآن.

إن الحقيقة التي لا تقبل الجدل هي أن الهجرات البدوية، التي دخلت الى الهلال الخصيب في التاريخ القديم، قد انصهرت في إنسانه، وانطبعت بطابعه الحضاري في جميع مجالات الحياة. وتبعاً لذلك فإن الهجرة المسماة عبرانية قد انسحبت عليها هذه الحقيقة، ودخلت تحت سقف الحضارة الكنعانية: ديناً ولغة وأدباً وفناً وعمارة وصناعة، ولم يكن لها من الخصوصية ما يميزها في شيء، اللهم إلا تلك الردة الدينية – السياسية – الاجتماعية ، التي حصلت في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد، تحت تأثير المآسي التي نزلت بمملكة أورشليم وشعبها، والتي كانت لمّا تزل أليمة ساخنة لقرب العهد بها، وبتشجيع من السلطات الإمبراطورية الفارسية، التي كانت لها اليد الطولى في هذه الردة، التي اتخذت لنفهسا إلهاً خاصاً سحبته على موروثاتها الأسطورية والتاريخية، وكونت من وحيه شريعة لها، تقوم على ما زخرت به نفوس ذرية السبي من الكراهية للشعوب التي عايشوها، والشعوب التي عرفتهم حاكمة وعرفوها محكومين، وكتبت لشعبها تاريخاً من وحي هذا الإله وهذه الشريعة التي حرّمت عليهم أي تفاعل إنساني يمكن أن يؤدي بهم الى الانصهار في مجتمعهم الكنعاني، المنفتح بطبيعته الحضارية الراسخة ..." (8).

هكذا نرى أننا أمام صراع حضاري مفتوح، بدأ أساساً بين حضارة إنسانية منفتحة ومتفاعلة وحضارة عنصرية منغلقة اخترعت لأتباعها إلهاً خاصاً، لا يختص إلا بهم، وفبركت لهم نسباً ليتوهموا بالحماية، ومنع الناس من رؤية حقيقتهم وحقيقة أفكارهم وخطاياهم إن لم نقل جرائمهم بحق الإنسان والإنسانية.

كان لا بد من إرجاع أصلهم الى أقدس شخصية قديمة أي شخصية إبراهيم الخليل الذي كان صيته قد عمّ جميع أرجاء علمهم في تلك الأزمان. وقد حالفهم النجاح في سرد تاريخهم حسب أهوائهم بلباقة ومهارة لم يسبق لها نظير في الأدب القديم، وأضفوا عليه صبغة دينية ليضمنوا تقبّله من أتباعهم. وهكذا فقد أرجعوا تاريخهم الى إبراهيم الخليل، والىحفيده يعقوب (إسرائيل) فسموا جماعة موسى ببني إسرائيل على رغم كونهم ظهروا بعد إسرائيل بزهاء ستمائة عام، وذلك بغية ربط أصلهم بإبراهيم الخليل، وابتدعوا فكرة الشعب المختار التي كان إبراهيم الخليل ويعقوب وموسى بريئين منها... ثم جعلوا بني إسرائيل الموضوع الرئيسي الذي تدور حوله جميع الحوادث الواردة في التوراة، فهم عند واضعي التوراة موجودون في كل زمان وفي كل مكان حتى في الأدوار التي سبقت ظهور يعقوب الى عالم الوجود. فقد اعتبرت وجود بني إسرائيل في عصر إبراهيم الخليل في القرن التاسع عشر قبل الميلاد قبل أن يخلق يعقوب (إسرائيل)!! كما أنها عدّت وجودهم بعد يعقوب لحوالي ستمائة عام، أي في عهد موسى ... ثم اعتبرت وجودهم في جميع الأدوار والأحداث التالية ومن ضمنها عهد الملوك وعهد الانقسام وما تلا ذلك، وحتى يهود الخزر الذين اعتنقوا اليهودية في وقت لاحق... وكذلك يهود أوروبا وأميركا ويهود العالم جميعاً هم على رأي التوراة نفس أبناء يعقوب الذي عاش قبل 3700 سنة فما أغرب هذا المنطق!!. والأغرب من هذا كله هو أننا نجد الكثير من العلماء والباحثين يتقبلون مثل هذا الخلط. وهناك هدف آخر لذلك وهو الادعاء أن فلسطين وطنهم الأصلي على الرغم من تأكيد التوراة ذاتها أن فلسطين أرض غربة بالنسبة الى إبراهيم وإسحاق ويعقوب وبخاصة أبناء يعقوب (إسرائيل) الذين ولدوا في حران ونشأوا فيها، هذا إذا فرضنا أن قوم موسى هم بنو إسرائيل كما سمتهم التوراة. وهكذا فقد ابتدع مدوّنوا التوراة فكرة منح الرب أرض كنعان الى إبراهيم وذريته وأن الرب (إلههم يهوه الخاص بهم ) قد أمرهم بإبادة الكنعانيين هم وأطفالهم وشيوخهم ونساءهم ليحلّوا محلهم . هذا هو الدين الذي جاء به كتبة التوراة ونسبوه الى إبراهيم والى يعقوب والى موسى زوراً (9).

يبقى سؤال يلحّ في البال هل لعقل سليم أن يوافق: أن النبي إبراهيم أبو الأنبياء، والذي تتحدث عنه الأديان السماوية بكل تقدير واحترام هو نفس الشخصية التي تتحدث عنها المرويات التوراتية؟! أو دعونا نصوغ السؤال على الشكل التالي: هل كان الأحبار الذين كتبوا التوراة في سنوات السبي في بابل مطلين إطلالة صحيحة على سيرة وحياة النبي التوحيدي إبراهيم (عليه السلام)؟! وهو الذي ولد وترعرع وآمن بربه ورب العالمين الواحد الأحد هناك في ارض بابل.

وإن كانوا كذلك فهل كانت سيرته تتناسب والأهداف التي ارادوها من وراء الإدعاء بالانتساب إليه (النبي إبراهيم).

"إبراهيم الخليل" عليه السلام له منزلة عظيمة عند أبناء الديانات السماوية، فهو أبو الأنبياء وأول من جاهد في سبيل الدعوة الى اتباع الديانة التوحيدية وترك عبادة الأوثان.

وقد جاء في القرآن الكريم الكثير من الآيات التي عرضت وقائع تاريخية صحيحة توصل العلم الى الإقرار بحقيقتها. وهي تقول بأن إبراهيم عليه السلام آمن بربه قبل أن يغادر موطنه حرّان وهذا ما يناقض ما جاء في المرويات التوراتية.

فإبراهيم عليه السلام الذي آمن بالله وحده كان لا يترك فرصة إلا ويناظر قومه ويجادلهم في معبوداتهم، من ذلك تلك المحاورة التي أراد بها بيان بطلان عبادة الكواكب والشمس والقمر، وإظهار أن المعبود بحق هو الله وحده، قال تعالى:

<< فلما جن عليه اللّيل رءا كوكباً قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين(76) فلما رءا القمر بازغاً قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين(77) فلما رءا الشمس بازغة قال هذا ربي أكبر فلما أفلت قال يقوم إني بريء مما تشركون(78) إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين(79) >> ... "سورة الأنعام"

... إن المتمعن في الآيات السابقة يرى حقيقة علمية للقرآن، فالقرآن يحكي عن المعبودات التي كانت في عصر إبراهيم وهي الكواكب والقمر والشمس وهي معبودات قديمة أقرّ العلم بوجودها بعد أن سبر تاريخ الأمم الماضية بواسطة الحفريات والآثار التي حصل عليها.

ففي عصر إبراهيم وجدت عبادة القمر وكان يطلق عليه (نانار). كما عبدت الشمس وأطلق عليها (شماس) كما وجدت عبادة الكواكب وأشهرها الزهرة التي أطلق عليها (عشتار) وكوكب المريخ (مردوخ).

كما يذكر القرآن عن إبراهيم بأنه حطم الأصنام إلا كبيرها فقد جاء في سورة الأنبياء:
<< وتالله لأكيدن أصنمكم بعد أن تولوا مدبرين(57) فجعلهم جذذاً إلا كبيراً لهم لعلهم إليه يرجعون(58) >>، وتذكر الألواح التي عثر عليها في بابل أن مردوك كان كبير الآلهة عند أهل بابل وكان بجانبه الكثير من الآلهة الأصغر... (10).

وهناك أكثر من دليل جاء في القرآن الكريم يؤكد كذب ما جاء في توراتهم: << وإذ قال إبراهيم لأبيه أزر أتتخذ أصناماً ألهة إني أراك وقومك في ضلال مبين(74) >>
[ الأنعام: 74].

إذن فوالد إبراهيم الخليل هو أزر وليس تارج كما جاء في سفر التكوين من توراتهم. وإله إبراهيم الخليل "عليه السلام" هو الله العلي الرحيم، لا يهوة إله "التوراة" الحاقد فسيدنا إبراهيم تلقى بركات ملكي صادق كاهن الله العلي الرحيم إله العالمين لا بركان "يهوه" إله القبيلة.

وقد كان ادعاء اليهود بالنبوة لإبراهيم موضع نقاش بين اليهود والسيد المسيح كما يروي يوحنا المعمدان في انجيله (قالوا له: أبونا إبراهيم، قال لهم يسوع: لو كنتم أولاد إبراهيم، لكنتم تعملون أعمال إبراهيم. ولكنكم الآن تريدون أن تقتلوني. أنتم من أب وهو إبليس وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا) يو8 39 – 44.

ويقول البابا شنودة الثالث "... في إبراهيم يجتمع كل المؤمنين أياً كان أصلهم..." (11).

هذا ما تقول المسيحية في إبراهيم الخليل وما قاله الإسلام. فماذا تقول توراة اليهود عن سيدنا إبراهيم.

"رفع أبراهام عينيه ونظر وإذا ثلاثة رجال واقفين لديه، فلما ركض لاستقبالهم من باب الخيمة وسجد الى الأرض، وقال يا سيد إن كنت قد وجدت نعمة في عينيك فلا تتجاوز عبدك" (12).

ويقول لهم "ليؤخذ قليل ماء واغسلوا أرجلكم واتكئوا تحت الشجرة. فآخذ كسرة خبز فتسندون قلوبكم ثم تجتازون. لأنكم قد مررتم على عبدكم. فقالوا هكذا نفعل كما تكلمت".

إذن فالرب عندهم كالبشر العاديين يأكل ويغتسل وكذلك ملائكته بعد أن يغتسلوا ويرتاحوا تحت الشجرة ماذا حدث؟!

"قالوا أين سارة أمراتك؟ فقال ها هي في الخيمة. فقال (الرب) إني أرجع إليك نحو زمان الحياة ويكون لسارة امرأتك ابن. وكان سارة سامعة في الخيمة وهي وراءه. وكان أبراهام وسارة شيخين متقدمين في الأيام. وقد انقطع لسارة عادة كالنساء. فضحكت سارة في باطنها قائلة أبعد فنائي يكون لي تنعم وسيدي قد شاخ؟ فقال الرب لأبراهام لماذ ضحكت سارة قائلة أجنا لحقيقة ألد وأنا قد شخت؟ هل يستحيل على الرب شيء؟ في الميعاد أرجع إليك نحو زمان الحياة ويكون لسارة ابن. فأنكرت سارة قائلة لم أضحك لأنها خافت فقال (الرب) لا بل ضحكت" (13).

انتبهوا هنا فالرب يجادل سارة ويناكفها، بل ويكذبها وتكذبه ولكن لا يغضب منها رغم سخريتها مما قال... أليست جدة شعب الله المختار!! الذي تغفر له كل الذنوب!!

وإبراهيم عندهم وتحت وطأة خوفه من الملوك وطمعاً في الثروة. يقدم لهم زوجته سارة لكي لا يؤذوه (هل يعقل هذا وهو الذي تحدى قومه ولم يخف النار التي ألقوه فيها تمسكاً بديانته التوحيدية).

فحسب مروياتهم .. في مصر ترك إبراهيم زوجته سارة ليضاجعها فرعون وحقق من ذلك ثروة عظيمة، الى أن اكتشف فرعون أن المرأة زوجة إبراهيم، لا أخته فطرده وإياها وبقية عشيرته من أرض مصر وبنى حائطاً وراءهم ليمنعهم من العودة. وهو حسب تلك المرويات لم يكتف بذلك فقد أعاد الكرة مع أبي مالك "ملك الفلسطينيين" عندما حلّ بأرض كنعان. ادّعى ثانية أن زوجته هي أخته، فكان "أن أرسل أبو مالك وأخذ سارة. فجاء الله الى أبي مالك في الحلم بالليل وقال له أنت ميت من أجل المرأة التي أخذتها فإنها متزوجة ببعل. ولكن لم يكن أبو مالك (لسعد طالعه) قد اقترب منها. فقال يا سيد أمة بارة تقتل؟ فقال الله في الحلم أنا أيضاً علمت أنك بسلامة قلبك فعلت هذا. وأنا أيضاً أمسكتك عن أن تخطئ إلي. لذلك لم أدعك تمسها. فالآن رد امرأة الرجل فإنه نبي فيصلي لأجلك فتحيا. وإن كنت لست تردها فاعلم أنك موتاً تموت وأنت وكل من لك" (14).

الفقرة السابقة الواردة في سفر التكوين توحي وكأن أبو مالك الفلسطينيين كان يؤمن برب إبراهيم، أو أن يكون المتحدث هو آيل إله الكنعانيين. أما ثالثة الأثافي، فهو ما تقوله توراة السبي من أن سارة هي أيضاً أخت إبراهيم.

" ... وبالحقيقة أيضاً هي (سارة) أختي ابنة أبي. غير أنها ليست ابنة امي. فصارت لي زوجة. وحدث لما أتاهني الله من بيت أبي قلت لها هذا معروفك الذي تصنعين لي في كل مكان نأتي إليه قولي عني هو أخي " (15).

وهذا الأمر (الزواج) من الأخت سواء أخت من الأم أو من الأب مرفوض من قبل كل الشرائع، فمضاجعة المحارم من أفظع الخطايا. وسفر اللاويين، كهنة موسى الأقربين، صريح وقاطع في ذلك "وإذا أخذ رجل أخته بنت أبيه أو بنت أمه ورأى عورتها أو رأت عورته فذلك عار. يقطعان أمام أعين شعبهما. قد كشف عورة أخته. يحمل زنية" (16). ومضاجعة الأخت، بنت الأب أو بنت الأم، اعتبرتها اللاهوتية التي عبّر عنها سفر اللاويين وسفر التثنية، من أفظع الجرائم التي تستوجب تمزيق أوصال مرتكبها، فهي أفظع من مضاجعة بهيمة، ولا يفوقها فظاعة إلا قتل اليهودي لليهودي (لا للأممي) ومخالفة لتعاليم الناموس (17).

هذه التخرصات تدحضها نتائج أبحاث علماء الآثار والتاريخ الذين اكتشفوا مسألة غاية في الأهمية وهي أن إبراهيم الخليل كان ينتمي الى حضارة عظيمة، الأمر الذي دفع مكتشف مدينة "أور" مسقط رأس "إبراهيم" العالم "ورلي" الى القول "إذن لم يكن إبراهيم راعياً" كما صورته التوراة. فهو ابن حضارة وتمدن وقيم وعقيدة تمنعه من ارتكاب جريمة الزواج من أخته او مبادلة زوجته بقطعان من الماشية والحمير كما تدعي "توراتهم" فمدينة "أور" إحدى أقدم المدن في العالم، شيدت فيها الأهرامات المتدرجة في عصر سحيق، وكانت حضارتها ترتكز على الزراعة ... وكانت من أوائل المدن التي دخلت فيها صناعة النسيج والمعادن النحاسية والبرونزية وأدوات التجميل.

هل من عقل سليم يقبل بتاريخية كتاب يدعي أن ابن هكذا حضارة وأبو الأنبياء يمكن له أن يتزوج من أخته ويبادلها بمنافع تافهة.

كل ما ذكرنا سابقاً هل يجعل من شك عند كل صاحب بصيرة وعقل أن لا علاقة البتة بين إبراهيم الخليل أبي الأنبياء، وتوراة أحبار السبي – إلا مسخ ما تناقلته الألسن عن قصص الأولين بما يتناسب مع العقد النفسية التي أصابت يهود مملكة يهوذا بعد السبي. وبما أرادوه تبريراً لعدوانيتهم وحقدهم وإجرامهم بحق الإنسان والإنسانية.

التناقضات والمبالغات في التوراة كثيرة جداً، ولا مجال لسردها، فذلك الأمر يحتاج الى كتاب من الحجم الكبير. وعلى كل من يرغب في التعرف الى تلك التناقضات العودة الى توراتهم وقراءتها بموضوعية وعلمية. ونضيف الى ما أوردناه سابقاً بعض الأمثلة النافعة بشكل مختصر جداً:

سفر التكوين يتحدث أن أدم عاش تسعمائة وثلاثين سنة، ونوح عاش أيضاً تسعمائة وخمسين سنة.

سفر القضاة جاء فيه أن شمشون قتل ألف فلسطيني بفك حمار.

سفر الملوك ذكر أن بني إسرائيل ضربوا من الآراميين في مملكة دمشق مائة ألف رجل في يوم واحد. ويقول المؤرخون إن سكان مملكة دمشق في ذلك التاريخ (حوالي عام 890 ق.م.) لم يبلغوا المائة ألف.

أما سفر يشوع فيقول أن يشوع أوقف الشمس والقمر حتى ينتهي من القضاء على أعدائه.
وإن مدينة أريحا قد سقطت بمجرد أن قرع الإسرائيليون الطبول ونفخوا في الأبواق والزامور وصرخوا بأصواتهم.

الى كل ذلك نضيف أن قرناً ونصفاً من العمل والجهد إضافة الى الإمكانيات التي وضعت تحت تصرف الباحثين عن
"آثار التوراة" في ما أسموه "أرض التوراة". بهدف العثور على مكتشفات أثرية تتطابق مع التصور المرسوم مسبقاً لهؤلاء الباحثين. كانت نتيجتها أن المكتشفات الأثرية التي عثروا عليها ليس فيها من أثر لرجالات إسرائيل القديمة التي تحدثوا عنها.

ويضاف تحفظ علماء الآثار الصهاينة على القسم الذي بحوزتهم من مخطوطات "قمران" المحفوظة في متحف "روكفلر" في القدس المحتلة. وحملتهم الشديدة على من سمحوا للباحثين بالإطلاع على ما توفر من تلك المخطوطات في مكتبة "هنغتون" في لوس أنجلوس. وكذلك الإتهامات التي نشروها بحق "جون ستروغنل" رئيس الهيئة الدولية التي تشكلت لتعمل على ترجمة نصوص "قمران" ووضعها بتصرف العلماء، والرأي العام. فبعد أن عمل "جون ستروغنل" 35 عاماً على بعض نصوص "قمران" التي وصلت إليه – ثم على الوثائق الكاملة التي تمكنت مكتبة "هنغتون" من الحصول عليها. غضبت عليه اللجنة "الإسرائيلية" المكلفة ملف مخطوطات "قمران" بحجة أنه باح بأسرار لا يجوز البوح بها. وكالعادة فإن هذا المؤرخ المحترم اتهم بمعاداة السامية ليس لسبب حسب زعمهم إلا لأنه وصف الأمين العام السابق للأمم المتحدة، والرئيس السابق للنمسا "كورت فالدهايم" بالرجل العظيم. ورغم أن ذلك العالم نفى بشدة عداءه للسامية. فقد سارعت "المجلة الأثرية التوراتية" ونشرت رسالة موقعة من قبل خمسة من أعضاء الهيئة الدولية متهمة رئيسها "جون ستروغنل" بالاختلال العقلي مطالبين باستقالته وبالطبع عزل الرجل الذي أراد إزاحة اللثام عن بعض المكتشفات الأثرية لمخطوطات "قمران".


1) محمد عزة دروزة – العدوان الإسرائيلي القديم ص 16
2) جورجي كنعان – وثيقة الصهيونية – ص 20
3) توماس طومسون – التاريخ القديم للشعب اليهودي ص 9
4) المصدر السابق نفسه ص 10
5) المصدر السابق نفسه ص 12
6) المصدر السابق نفسه ص 83
7) موسى مطلق إبراهيم – وعد التوراة من أبرام الى هرتزل ص 33
8) موسى مطلق إبراهيم : وعد التوراة ص 33
9) أحمد سوسه – العرب واليهود – ش
10) للتوسع أنظر الجزء الثاني من قصة الحضارات: ويل ديورانت وإبراهيم أبو الأنبياء لعباس محمود العقاد
11) البابا شنودة الثالث: إسرائيل في نظر المسيحيين
12) سفر التكوين / 1: 18 – 20
13) تكوين / 18: 4 – 5، 9-18

وليد محمد علي

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى