القاصة المصرية هدى حسين:

القلب يخفق قبل إشارة العقل للتفكير

، بقلم أشرف شهاب , صفاء سعيد

تمتلك الكاتبة المصرية هدى حسين موهبة التعبير عن المشاعر الجميلة، وتعتبر أن كتابتاتها صرخة فى وجه المجتمع لكى يعيد النظرفى تقييمه للمشاعر الإنسانية المهملة... وصرخة فى وجه الرجل ليعيد النظر فى علاقاته بالمرأة. وفى قصصها نلاحظ قدرتها على التقاط التفاصيل الصغيرة التى يمكن أن نتجاهلها سواء بقصد أو دون قصد لأن إيقاع الحياة يسرق منا أحلى لحظات العمر.. ولذا يشعر كل من يقرأ كتاباتها أنها تعبر عن جزء يفتقده فى داخله.. عن مشاعره التى تاهت وسط الزحام..

كيف بدأت تجربة الكتابة لدى هدى حسين؟

- يوجد بداخل كل منا موهبة معينة. وهذه الموهبة تحتاج أن يجتهد الإنسان ليكتشفها بنفسه دون انتظار. فالحياة تعلمنا أن نعتمد على أنفسنا، وأن نستفيد من معطيات العالم من حولنا حتى نحول أحلامنا إلى حقائق. وأنا أعتبر أن الله سبحانه وتعالى قد أنعم على بموهبة بسيطة فى كتابة القصة، فوجدت نفسى أخوض التجربة مع ذاتى، وأن أعبر عن رؤيتى الخاصة وأن أقص تجربتى فى الحياة.. فالكتابة بالنسبة لى حالة تعبير خاصة جدا، حالة عشق وتوحد مع الفكرة، وتعايش طويل معها، حتى تأتى اللحظة الحاسمة للتعبير. وهنا أكتب ما يدور بخاطرى كامرأة مصرية تعيش فى عالم يفتقد للجمال، ويفتقد للتعايش مع اللحظات الجميلة، ويحاول تجاهلها ويعتبرها نوعا من الضعف. فكرت فى أن الكتابة ستجعلنى أقوى، وأن كلماتى يمكن أن تكون صوتا للمشاعر التائهة فى مسارات الحياة. ووجدت نفسى أكتب، وعاودت الكتابة لأننى شعرت أننا نحتاج إلى مزيد من المشاعر لمواجهة المزيد من تعقيدات الحياة ومشاكلها. واعتبر أن اختيارى الكتابة من أفضل الاختيارات التى قمت بها فى حياتى. هكذا بدأت فى إطلاق مشاعرى على الورق. ومنذ اللحظة الأولى للكتابة شعرت كأننى أعزف منفردة فى بهدوء وسط الصخب والضجيج. لكن الأصعب من بدء الكتابة هو اختيار الاستمرار فيها.

تواجه الكاتبة المصرية نفس الأوضاع التى تعيشها المرأة العربية بشكل عام.. إلا أن أشكال التعبير عن هذا الواقع تختلف.. ونلاحظ فى كتاباتك شجاعة فى التعبير عن المشاعر وجرأة فى طرح الأفكار..

- أعتقد من من الضرورى أن تكون القصة مرتبطة بالواقع.. فالكتابة ليست مجرد تفريغ للمشاعر، بل هى عملية شحن لمشاعر المجتمع.. لمشاعر القارىء أو القارئة.. وبالتالى يجب أن تلمس هذه الكتابة مشاعرهم وتجعلهم يعيشون التجربة ويتعايشون مع الموقف حتى يصبح القارىء مهيأ لعملية التأثر وتلقى الرسالة التى يعبر عنها الكاتب.

هل الكتابة بالنسبة لك تعبير عن مشاعر شخصية دائما؟

- الكتابة تعبير عن مشاعر شخصية نعم. ولكن ليس من الشرط أن تكون هذه التجربة خاصة بالكاتب. من الممكن أن تكون مجرد قصة أو خبرا قرأته فى جريدة، وتأثرت بها. وهكذا تنتقل من مجرد قصة عادية إلى تجربة، تعبر عن نفسها بشكلها النهائى من خلال قصصى أو من خلال كتابات الآخرين. المهم أن يتفاعل الكاتب وأن يمتلك القدرة على صياغة التجربة بشكل ربما يعجز صاحبها عن التعبير عنها بنفس الأسلوب.

هل تكتبين بهدف التأثير فى الآخرين؟

- هدفى الأول هو التعبير عن مشاعرى.. والتأثير فى الآخرين لا يكون هدفا بقدر ما هو نتيجة. عندما يجد القارىء نفسه فى قصة معينة.. أكون قد نجحت فى التأثير فيه.. وفى ثقافته، وبالتالى عليه أن يتخذ موقفا.. وأن يتصرف وفقا لقناعاته الجديدة.

تتسم كتاباتك بشكل عام بمزيج من الواقعية والرومانسية.. فهل مازال لهذا المزيج تأثير فى قارىء العصر الحديث؟

- بالتأكيد.. نحن شعب رومانسى، وطبيعتنا تدل على ذلك. على سبيل المثال نجدهم يتعاطفون مع صدام حسين ويحزنون عليه، وكأنهم نسوا كل ما فعله فى لحظة واحدة. هذه اللحظة هى مفترق الطريق فى مشاعرنا.. عندما نتعاطف مع أحد ننسى كل شىء.. وهذه هى نفس طبيعة المرأة المصرية التى نسى كل شىء فى سبيل مشاعرها وعواطفها. والحمد لله كل قصصى وجدت طريقها لقلوب الناس. وأشعر بهذا عندما أتحدث معهم وأفرح عندما يخبرنى أحدهم أنه يشعر أن إحدى قصصى تحكى عنه. وهذا دليل قوى على أن هذا المزيج من الواقعية والرومانسية هو الأقوى فى التأثير، فالقلب يخفق قبل إشارة العقل للتفكير. الواقعية شىء ضرورى و ثوب الإبداع يضفى عليها الجمال. فتكتمل الصورة الجمالية للقصة.

فى مجموعتك القصصية "مللت الانتظار" نجد أن الحبيبة تلزم نفسها بانتظار حبيبها حتى يعود إلا أنه يعود بعد فوات الأوان.. و بعد أن تكون قد ملت الانتظار.. فأين تسامح الحبيبة مع حبيبها؟

- المرأة بطبيعتها متسامحة.. وهى ينبوع الحنان والحب والتسامح.. والمرأة أيضا هى الأم والابنة والزوجة.. فى كل الأحوال نجدها متسامحة.. وقد تعود الرجل على هذا التسامح من جانبها فأصبح يسمح لنفسه بارتكاب الأخطاء والتصرف على أنها ستغفر له كل شىء.. ودائما تتحمل المرأة متغيرات الظروف حتى تبحر سفينة الحياة.. إلا أننى مللت هذه التصرفات الأنانية.. الحياة عطاء متبادل وعنوان هذه المجموعة هو صرخة تنبيه للرجل حتى يلتفت إلى المرأة ويتوقف عن التفكير فى أنها ستبقى فى انتظاره فى كل الأحوال.

مع وجود معايير نقدية مختلفة.. هل واجهتك المتاعب عند نشر إبداعك؟

- نعم.. ففى الوقت الذى أنظر فيه لكتاباتى على أنها وجهة نظر شخصية، أجد الكثيرين ممن حولى يسألوننى السؤال المكرر.. من هم أبطالك؟ ويحاسبوننى على التجارب المكتوبة وكأنها كلها تجارب شخصية.. البعض لا يفصل بين إبداع المرأة وتجاربها الحياتية.. ويعتبرون أنها بطلة كتاباتها.. ولا ينطبق نفس المعيار على الرجل.. وأنا أتعجب من وجود مفهومين مختلفين للنقد أحدهما للرجال والآخر للنساء.. وهذه ازدواجية غريبة لا علاقة لها بطبيعة الإبداع نفسه. والمفترض أن يتم الحكم على كتاباتى بمقاييس إبداعية من حيث جماليات السرد والتعبير ومن حيث القدرة على التقاط اللحظة المناسبة والتعبير الإبداعى عنها. وأظن أن هذا الخلل النقدى راجع لطبيعة المجتمع، بداية من النشأة والتكوين حيث يجب أن نغرس فى نفوس أبنائنا المساواة بين الرجل والمرأة حتى نقضى على هذه النظرة العلوية تجاه المرأة.. ووقتها ستختفى فكرة تفوق الإبداع الذكورى لمجرد أن كاتبه رجل.

نحن نعتبر أن معايير الكتابة الجيدة هى نفسها بالنسبة للرجل كما هى للمرأة.. ولكن هل كان لتك النظرة الذكورية تأثير على رغبتك فى نشر كتاباتك؟

- فى البداية ومع المحاولات المختلفة للكتابة كنت أعرض ما أكتبه على أصدقائى من الكتاب. وأستطلع آراءهم فى تلك المحاولات.. ووجدت تشجيعا وتوجيها من جانبهم. وعندما قررت نشر أول مجموعة قصصية لى وكانت بعنوان "أنقذت الحب" تشرفت بكتابة كلمة تقديمية للمجموعة من الناقد الكبير الأستاذ د. عبد المنعم تليمه.. وبعد أن نشرتها بفترة التقيت به وتحدثنا عن تلك المجموعة فصرح لى بأنه فى الحقيقة لم يكن معجبا بالمجموعة بنسبة مائة بالمائة.. فقلت له: لماذا لم تصارحنى بهذا الرأى قبل صدور المجموعة؟ فقال إنه لو فعل لذلك لما أصدرتها.. وبما أنه لمس فيها مشروع كاتبة جيدة فقد قرر تشجيعى على أساس أن تشجعنى تجربة النشر على تحسين مستوى الكتابة فى المجموعات التالية.. وهو ما حدث بالفعل.. فبعد أن نشرت أعمالى أصبحت اشعر بأننى مسئولة أمام القارىء، وأنه لا بد من مزيد من الجهد لتطوير مشروعى الإبداعى. ولهذا أشكر الدكتور عبد المنعم تليمة على نصيحته الغالية. وأعتبر أن ما فعله معى كان أكبر دفعة لى فى عالم الكتابة.. وهكذا يجب أن يكون الموقف.. المسألة ليس رجل وامرأة بقدر ما هى القدرة على امتلاك أدوات الإبداع.

نلاحظ أن المجموعة القصصية التالية "شمس وضل" كانت بتقديم الكاتب المعروف محمد جبريل..

- نعم.. وقد كنت حريصة على التشرف بقراءته للمجموعة وكتابة كلمة تقديمية لها.. وهذا يؤكد فكرتى حول التكامل بين الرجل والمرأة دون الشعور بتفوق طرف على الآخر إلا من خلال القيمة الإبداعية.

الطريف أن إهداء هذه المجموعة كان للحروف الأبجدية..

- نعم.. فأنا أدين لهذه الحروف السحرية الثمانية والعشرين والتى من خلالها ننسج كلمات الحب والمشاعر التى تبهج القلب.

فى المجموعة الرابعة "مللت الانتظار" نلاحظ وجود نقلة نوعية فى التطور الإبداعى..

- نعم.. وأعتقد أن هذا النضج أو التطور بدأ منذ صدور مجموعتى الثالثة "همس اللمسات" حيث انتقلت فى هاتين المجموعتين إلى مستوى آخر من الكتابة. شعرت أننى قد تم فطامى ونضجى. وتأكد هذا الإحساس عندى بعد أن قرأ د. تليمة المجموعتين، وصفق لى بشدة. وقتها شعرت بفرحة غامرة لرضائه عنهما واعتبرتها نقله جديدة فى مشوارى الأدبى. ونشرت بعدها مجموعة "الهوى كداب" ثم رواية العشاق لا يتزوجون"

وما هى المجموعة الأقرب إلى قلبك؟

- 

أنا متحمسة جدا لمشروع روايتى الأولى "العشاق لا يتزوجون" لأن كل من قرأوها شعروا أننى كتبتها لهم هم بالذات. وكأنها قصتهم التى عاشوها. ولذلك أرى أنها الأكثر قربا لقلبى. كما أننى أعتز جدا بمجموعتى الأخيرة "بين الأمواج". أولا لأننى أهديتها إلى أولادى وكتبت لهم: "إلى ولدى معتز وحسام أجمل منحة ربانية.. عشق لا يتبدل ولا يتغير لهما ما بقى من العمر". وفى نفس المجموعة هناك قصة "اللقاء الأخير" وهى تجربة خاصة جدا لأنها تعبر عن علاقتى بوالدى (رحمه الله) فقد كان دائما يسألنى لماذا تكتبين اسمك هدى حسين وليس هدى محمد حسين؟ لماذا لا تذكرين اسمى. وفى ذلك الوقت لم تسعفنى الكلمات للإجابة. ولكن فى هذه القصة كتبت له.. لا تحزن والدى فما بداخلى لك أكبر وأقوى من الأسماء.. فأنا امتداد رومانسيتك وامتداد حنانك ألا يكفى ذلك.

الكتابة مشروع مستمر ودائم.. فهل هناك مجموعة جديدة قيد الطبع؟

- هناك مجموعة قصصية جديدة.. أتعرض فيها لبعض الأحداث التى مرت بها بعض الدول العربية فى الفترة الأخيرة.. إلا أننى فى هذه المجموعة أميل أكثر إلى الكتابة الواقعية.


أشرف شهاب

نائب رئيس تحرير ديوان العرب ومراسلها في القاهرة_ متخصص فى الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات

من نفس المؤلف


من نفس المؤلف