بهاء طاهر: لا سيطرة للكاتب على العمل الأدبى

، بقلم أشرف شهاب , صفاء سعيد

يحتل الأديب والروائي والمترجم المبدع بهاء طاهر مكانة مميزة على خارطة الثقافة المصرية والعربة كونه واحدا من كتاب الستينيات.. وعلى مدار أعماله القليلة ولكن الثابتة فى الوجدان "بالأمس حلمت بك" و "خالتى صفية والدير"، و "قالت ضحى"، و "الحب فى المنفى".

العارفون بشخصية بهاء طاهر يتفقون على أن له من اسمه نصيبا. فهو واحد من الكتاب الذين يأسرون محاوريهم ببساطتهم، وعمق ثقافتهم. وتقديرا من "ديوان العرب" لمكانة بهاء طاهر الثقافية أجرينا معه هذا الحوار.

- تتناول كتابات بهاء طاهر فكرة الأصالة والمعاصرة بشكل مختلف فى معالجة بعض الشخصيات كما فى قصة "الأب" حيث نجد نموذج الأب التقليدى، والزوج كنموذج للمعاصرة..

- أنت تنظر للموضوع من وجهة نظر مختلفة عن ما قصدته. تتحدث عن ثنائية الأصالة والمعاصرة.. ولكننى شخصيا لا أؤمن بمبدأ الثنائيات. لا أعترف بثنائية الأصالة والمعاصرة، أو ثنائية الحداثة والتقليدية. فعمليا لا توجد أصالة مطلقة، ولا معاصرة مطلقة. بمعنى أنه لا يوجد إنسان يخلو من جزء من التراث بداخله مهما أظهر العكس. ولا توجد تقليدية خالصة وصافية. إذ لا بد أن تكون هذه التقليدية قد اكتسبت عناصر من الواقع المعاش الذى يفرض على الإنسان أنماطا سلوكية.. بسبب طبيعة الواقع المعاش. وأظن أن بداخل كل منا جزء معاصر وجزء تقليدى أو أصيل مهما توهم العكس. وأكثر الناس تمسكا بالسلفية يعيشون الحياة العصرية بكل مكوناتها مثل التحدث فى التليفون، واستخدام الكومبيوتر والإنترنت. لأن الواقع يفرض عليهم ذلك. أنا أؤمن بأن الواقع يفرز أنماطا معينة من المعيشة.. جزء منها تراثى.. وجزء منها حداثى.. ولو أدركنا هذا لزالت كثير من التشنجات التى يتسم بها سلوكنا السياسى والثقافى والاجتماعى.


- هل تنطبق فكرتك هذه على أحداث رواية خالتى صفية والدير حيث تمت استضافة الشاب حربى المسلم فى الدير.. الأمر الذى يعنى إسقاط الثنائيات والتعايش فيما بينها؟

- نعم.. ولكن للأسف هذه الحكاية أغضبت منى أنصار الثنائيات القطبية لأنهم لم يفهموها أو أنهم غضبوا من تحطيم فكرة التعايش بين المسلمين والمسيحيين. ولكن والحمد لله.. هذه الرواية وصلت بشكل جيد إلى الإنسان العادى ذو الحس البرئ والفطرى. هؤلاء الناس العاديون فهموا تماما أنها رواية تدعو إلى التسامح والمحبة المتبادلة بين الطرفين المسلم والمسيحى. ولكن المتشنجين على الجانبين رفضوها لأنها تهدم جزءا أساسيا من تفكيرهم..

- فى تصورنا أن الرواية واقعية جدا..

- نعم لأنها تشرح الواقع وتقول أن هذا هو الواقع وليس ما يفكر فيه المتشنجون الذين يدعون إلى التعصب سواء إسلاميا أو مسيحيا. وهنا يختلف الأمر عن الحياة المعاشة. وأعتقد أن أكبر ضرر يمكن أن يصيبنا هو الضرر الكامن خلف المواجهة بين الأنا والآخر.. بين التراثى والحداثى. وفى رأيى أن هذه الرواية تهدم كثيرا من المسلمات. ولكن فرحتى الحقيقية هى أن جمهور القراء العاديين فهموا الرواية على محملها الصحيح.. وهذه الرواية تقول كلنا واحد.. أما ما نختلف فيه فحكمه إلى الله.

- شاهدنا المعالجة المسرحية الرائعة لرواية خالتى صفية والدير.. فهل عكست المعالجة المسرحية الرواية بشكل جيد؟

- نعم.. وكانت من أجمل ما يكون. وأحب أن أذكر أن الفنانة الشابة التى قامت بدور صفية كانت ممثلة صغيرة فى ذلك الوقت.. وأصبحت الآن مشهورة وهى الفنانة داليا مصطفى.

- ما هى حدود مسئولية الكاتب عندما تتم معالجة أعماله لتقديمها على خشبة المسرح أو على شاشة التليفزيون؟

- أنا دائما أقول أن الكاتب ليس له مسئولية. الكاتب مسئول فقط عن النص الذى يكتبه. أما المعالجة المسرحية سواء كانت متميزة أو معيبة فهى تخص الذى قام بمعالجتها.. ولا تخص الكاتب.. لأن العمل المسرحى منسوب للفنان المسرحى وليس للكاتب.

- فى القصة التى تحمل عنوان "بالأمس حلمت بك" يدور حوار بين الأوروبية "آن مارى" و شخص عربى.. فهل كان ذلك الشخص هو بهاء طاهر الذى عاش لفترة طويلة فى أوروبا؟

- المحاور فى القصة هو الراوى وليس بهاء طاهر. وأتذكر أننى دعيت لإلقاء محاضرات فى الجامعة حول هذه القصة الطويلة بالذات عندما كان يتم تدريسها فى بعض الأقسام فى الكليات الجامعية. وكان التركيز يدور دائما على فكرة أن المسألة هى صراع بين الشرق والغرب.ولكننى أرفض هذه الفكرة. كل الحكاية أننى أردت أن أقول أنهما كائنين بشريين تصادف أن كان أحدهم من الشرق والأخر من الغرب. ومن الممكن أن تحدث هذه القصة فى أى مكان فى الشرق أو الغرب.. فى أمريكا كما فى مصر، أو فى أى مكان إذا كانت الشخصية لها هذه المقومات والشخصية الأخرى لها تلك المقومات. ولكن للأسف هذا التفسير لا يرضى أحدا. وقد حدثت بسبب هذه التفسيرات قصة طريفة جدا لابنتى. فهى كانت تدرس فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وكان مقررا عليها هذه القصة. فجاءتنى وسألتنى هل هذه القصة هى قصة الصراع بين الشرق والغرب؟ فقل لها إطلاقا. وبعد ذلك جاء الامتحان.. وكان فيه هذا السؤال.. فكتبت مثلما قلت لها.. واكتشفنا أنها أخذت درجة ضعيف جدا. فلما سألت عن السبب قالوا لها إن الدكتور قال فى المحاضرة إنها قصة الصراع بين الشرق والغرب. كل ما يمكننى قوله هو أن البيئة تفرض أنماطا معينة من السلوك. وهذه القصة حدثت فى بيئة غربية بمواصفاتها. أما تفسير المسألة على أنها صراع بين الشرق والغرب فهذا ما لم يدر فى خلدى اطلاقا.

- فى نفس القصة نجد الراوى يتحدث عن ما يسميه هو بنفسه الأحلام المستحيلة.. وفى نفس الوقت نحن نعلم أن بهاء طاهر شخصيا يحمل نفس الأحلام المستحيلة.. أحلام بعالم أفضل وأنبل؟

- نعم.. مع ملاحظة أنه لو اختلفت ظروف الحوار أو لو كان البطل يعيش فى أوروبا أو غيرها.. كان من الممكن أن تتغير المشاعر ويقوم بينهما حوار من نوع آخر.

- قلت فى أحد حواراتك الأدبية أن التنمية الثقافية من التنمية الاقتصادية. فلماذا أعطيت الأولوية للثقافة على السياسة والاقتصاد؟

- بدون التنمية الثقافية لا توجد تنمية اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية. الثقافة بمعنى القيم التى تحكم سلوكك كبشر، مثل التعامل بصدر رحب مع البشر. الثقافة تشمل السلوكيات، وتشمل القيم، وتشمل طرق التعامل بين البشر. إذا كانت ثقافتنا مريضة فلا بد أن تكون التنمية فى أى مجال من المجالات مريضة.


- هل تعتقد أننا نعيش حالة من الازدواجية أو الانفصال بين القيم التى نؤمن بها والقيم التى نطبقها؟

- لا أريد أن أقول القيم التى نؤمن بها. لأننا لو كنا فعلا مؤمنين بها لكنا طبقناها. ولكن الأدق أن أصفها بأنها القيم التى نرفع شعارها.

- بدأت كتابة "خالتى صفية والدير" على أنها قصة قصيرة.. ثم انتهيت منها وهى رواية.. فكيف حدث هذا التحول خلال عملية الكتابة؟

- أنا أقول دائما أن العمل الأدبى كائن حى لا سيطرة للكاتب عليه. قد ابدأ بكتابة رواية وانتهى بقصة أو العكس. بدأت فى كتابة "خالتى صفية والدير" على أنها قصة. وكان كل تفكيرى أن أكتب قصة قصيرة عن القس بشاى. ولكنى وجدت الأحداث تفرض نفسها علىَ أثناء الكتابة. أنا أترك الشخصية تتصرف كما يمكن أن تتصرف فى الحياة. فإذا كانت هذه الشخصية متمردة مثل صفية فسوف تأخذ الرواية إلى مصلحتها، وهو ما حدث.


- هذا يدفعنا إلى التساؤل.. ألا تتخيل الملامح الكاملة للشخصيات قبل أن تبدأ فى الكتابة؟

- ليس عندى أى أجابة على هذا السؤال. لو كنت أستطيع فعل ذلك لكتبت رواية كل شهر.


- وهذه الإجابة تدفعنا إلى تساؤل ثان.. ألهذا السبب أنت مقل فى أعمالك؟

- نعم.. صحيح أننى مقل فى أعمالى..ولكننى لست حزينا لذلك لعدة أسباب أولها أن القلة والكثرة ليسا معيارا عدديا. وهناك مثالان فى غاية الوضوح. ديوان شعر المتنبئ.. يعتبر أعظم ديوان شعر عربى، أثر على الناس فى عصره وبعد عصره. وديوان المتنبي هو أصغر الدواوين مقارنة بمعاصريه. ومثال أخر ألبير كامى الحاصل على جائزة نوبل له نحو ست أعمال إبداعية فقط. إذا.. الكم ليس له أى أهمية. وثانيا.. هناك اختباران مهمان جدا جدا للكاتب الاختبار الأول يعتبر مثل المحكمة الابتدائية.. وهو حكم الجمهور على العمل و مدى تقبله له. والثانى أنه يحدث فى بعض الأحيان أن يخطئ الجمهور فى الحكم على العمل..وهنا يأتى دور محكمة الاستئناف وهى الزمن. فحكم الزمن غير قابل للجدل. ومع الزمن هناك أعمال تنسى، وهناك أعمال تظل عالقة فى الأذهان. وهذا هو المعيار للنجاح من وجهة نظرى.

- نعتقد أنك نجحت بتفوق فى المحكمة الابتدائية وهى حكم الجمهور.. ويبقى حكم الزمن..

- نعم.. لقد وصلنى كتاب من أستاذ جامعى لا أعرفه.. اسمه الدكتور محمد خضر منذ أيام قليلة. نصف الكتاب أو أكثر عبارة عن تحليل لرواية "حب فى المنفى" وقصة "بالأمس حلمت بك"، على الرغم من مرور حوالى 20 سنه على صدورهما. هذا هو اجتياز اختبار الزمن. الكتاب كان يتناول أعمالى بالتحليل بعاطفة وحماس وكأن تلك الأعمال صدرت بالأمس. إذا.. اختبار الزمن هو الاختبار الأساسى.

- قمت بترجمة بعض الأعمال إلى اللغة العربية.. بماذا تنصح المترجم عندما بنقل نصا من لغة لأخرى؟

- فى الواقع أن الترجمة فى جميع الأحوال ينطبق عليها المثل اللاتيني "الترجمة خيانة". لأن أى ترجمة تقوم بها تفقد جزءا من النص مهما بلغت درجة أمانة المترجم أو دقته أو درجة تمكنه من اللغتين. من المؤكد أن هناك جزءا سيفقد من النص. ولكن المطلوب من المترجم أن يبذل أقصى جهد حتى يتمكن أن ينقل ولو 90 أو 80 بالمائة من النص. أما أقل من هذه النسبة فمن الأفضل له أن يتوقف عن الترجمة.


- وكيف يمكن أن يصل إلى هذه النسبة؟

- لكى يصل إلى هذا المستوى يجب أن يكون على درجة عالية من اللغة المنقول إليها واللغة المنقول عنها. ثم أن يعكف على دراسة الكاتب الذى يترجم عنه، أو الذى يترجم له. وأن يكون ملما بقدر الإمكان بفكر هذا الكاتب وأعماله الأخرى غير تلك التى يترجمها. وأن يحاول النفاذ إلى الأفكار الأساسية لهذا الكاتب. وأن يحاول أيضا أن يعرف مكانة هذا الأديب فى ثقافته الأصلية. إذا كان لدى المترجم هذه المعرفة لأفكار الكاتب الأصلية ومكانته فى ثقافته الخاصة، فيمكنه وقتها أن يشرع فى الترجمة ويطمئن لأنه لن يخون كثيرا.


- هل تنصح أن يكون هناك مراجع للترجمة؟

- إذا كان المترجم غير مطمئن لترجمته، يجب أن يكون هناك مراجع. ولكننى شخصيا أفضل فى جميع الحالات أن تكون الترجمة إبداعا مستقلا. لأن العمل إذا دخل فيه أكثر من مترجم فسيكون مختلط الأسلوب، ويفقد وحدته الروحية.

- عملت فى الإذاعة لفترة.. فهل كان لطبيعة اللغة المستخدمة فى الإذاعة تأثير على لغتك وأسلوبك فى الكتابة؟

- أنا ككاتب أسعى إلى كتابة الأسلوب البسيط باللغة التى يفهمها أى قارئ عادى. وليس معنى ذلك الابتذال أو الترخص. ولكن معناه أننى أحاول أن أتواصل مع القارئ المفترض بأسرع الطرق وصولا إلى قلبه وعقله. وإذا كان ذلك يبدو يسيرا فى نظر البعض فهو فى حقيقة الأمر من أصعب الأشياء. ويصف المقفع هذا الأسلوب السهل الممتنع بأنه الأسلوب الذى: "إذا قرأه الجاهل ظن أنه يحسن مثله".

- متى تفضل الكتابة وفى أى أجواء؟

- أحب الكتابة خلال الليل، أحيانا فى منتصف الليل. ولكن ليست لدى طقوس خاصة. ملخص الموضوع أننى أحب الهدوء الكامل عند الكتابة. ومازلت أستخدم القلم الرصاص والأستيكة (الممحاة) حتى الآن.

- شكرا على هذا الحوار ونتمنى التواصل معك دائما.

- أشكركم وأشكر مجلة ديوان العرب وفى انتظار المزيد من احتفالاتكم الثقافية بالقاهرة حتى نلتقى بمجموعة الأصدقاء.

الأديب بهاء طاهر يتسلم درع ديوان العرب عام 2005


أشرف شهاب

نائب رئيس تحرير ديوان العرب ومراسلها في القاهرة_ متخصص فى الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات

من نفس المؤلف


من نفس المؤلف