الثلاثاء ١ حزيران (يونيو) ٢٠٠٤
قصة قصيرة
بقلم عبدالله تايه

أنا لا أحب القتل

قبيل الظهيرة يرن الجرس في فناء المدرسة الابتدائية ج للاجئين معلناً انتهاء
الدرس الأخير ، يتدافع التلاميذ خارجين عبر البوابة الواسعة في صخب فرحين ،
مهند مجدي أبو سل يعلق حقيبة كتبه على كتفيه ، يغادر مقعده ويمضي عائداً مع
صديقيه هاشم ومحمود ، يفترقون وسط الحارة في حي الأمل في خانيونس على موعد في
ساحة الحي التي تشهد مباريات كرة القدم للفتيان من جيله
يدخل منزله ، تتلقاه أخته الصغيرة غيداء ابنة العامين ونصف كالعادة ، تهرع
إليه في جذل طفولي ، يتلقاهـا مداعباً ، يخرج من جيب سرواله قطعة الحلوى التي
اعتاد شراءها لها من بوفيه المدرسة ، تمتد يده بقطعة الحلوى ، تتلقفها غيداء
بفرح وتجري .

أنهى مهند واجباته المدرسية ، شاهد بعض أفلام الصور المتحركة التي يحبها ،
والتي لم يكن يفضل عليها إلا مشاهدة مباريات كرة القدم .
تقول أمه :

ـ مهند يحب مشاهدة مباريات كرة القدم .

يخرج إلى الشارع الواسع في الحي .. يرى أقصى الغرب كثبانا من السواتر
الرملية أقامتها جرافات الاحتلال على حدود مستوطنة ديكاليم ضمن مجموعة مستوطنات
غوش قطيف المحاذية لحي الأمل ، والتي تمتد حتى موج البحر جهة الغرب ، وأتاحت
السواتر للجنود الرابضين في عرباتهم ومواقعهم وأبراجهم الاستطلاعية قرب الأسلاك
أن يتفحصوا بعيونهم ومناظيرهم حبات الرمل على الإسـفلت .. ألوان قمصان الفتية
في ساحة اللعب .. أرقام العربات المـارة ..

قال بعض العجائز :

ـ مناظيرهم تكشف دود الأرض .

تهكم البعض :
ـ إنها ترى ما في داخل البيوت والحجرات ، وسلال المارة وحقائبهم ، وحتى ما في
جيوبهم ..
دخل مهند إلى صالون الحلاقة الذي يمتلكه والده ، سمع أحد الداخلين إلى الصالون
يقول :

ـ وربما يعرف الجنود الجنين في بطن أمه ولد أم بنت إذا مرت من أمام مناظيرهم .

يضحك الجالسون في الصالون لقص شعرهم لهذه النكتة .. يتعجب المنحني تحت المقص :

ـ ما داموا يرون بهذا الوضوح لماذا يصيبون الأبرياء الذين لا شأن لهم
بالمواجهات ؟!

يجيبه جالس ينتظر دوره لقص شعره :

ـ جنود الاحتلال لا يحبون الحياة العادية لأنها تصادر لذتهم في الإصابة والقتل
..
يقول مهند :
ـ وهل تصدقون أن حجارة الأطفال تعرض حياتهم للخطـر؟! الرصاص لا يؤثر في
دباباتهم ومدافعهم .. إنهم في مأمن .. لكنه الحقد على الآخرين .
يقول والده :

ـ يا مهند .. ساعد في تنظيف الصالون .

يمسك مهند المكنسة ويبدأ في التنظيف . يتراءى له الرصاص القادم كل ليلة من
وراء السواتر الرملية جهة بيوت الحي المواجهة للجنود ، فيصيب من يصيب ويدمر
واجهات المنازل .. يتمنى لو كانت يده من الفولاذ يضعها أمام فوهات بنادقهم
ودباباتهم حتى يحجب رصاصهم فلا ينطلق جهة الأبرياء .. بل كثيراً ما تمنى لو
استطاع أن يضع الجنود في عربات تعيدهم من حيث أتوا.. "هذا ما أفعله في كل ليلة
في لعبة الأتاري .. أعيد المعتدين إلى الحجرة التي خرجوا منها دون أن أقتلهم ..
فأنا لا أحب القتـل .. ولا أتمنى أن أكون قنبلة تقتل أحداً ، أريد أن أدخل
الجامعة ، آخذ الشهادة وأعمل حلاقاً كوالدي ، أتفنن في قص الشعر" .

ينظف مهند أبو سل ابن السنوات العشرة صالون والده ثم يستأذنه ويخرج إلى
الساحة ، يلعب مع أقرانه مباراة في كرة القدم ، ينتصر فريقه مرة ، وينهزم مرة ،
والحياة هكـذا ..

تميل الشمس نحو الغروب والتي كثيراً ما يراقبها مهند من سطح منزله حتى تسقط
وراء "المواصي" في بحر خانيونس ، لكنه من ساحة اللعب يراها تسقط وراء السواتر
الترابية التي أقامتها جرافات الاحتلال .. فيسرع مع أقرانه بمغادرة الساحة قبل
إكمال اللعبة خوف الرصـاص .. ولعبة القنص التي يتلذذ بها الجنود عندما يأتي
المساء ..

في أول الليل يسود الهدوء .. وبعد ذلك لا يعرف أحد ما يجري عند السواتر
الرملية ، فوانيس الإضاءة تنطلق ، الرصاص يستمر ، صمت الليل يتحول إلى صخب ثم
هـدوء، لا يحب الجنود أن ينام الناس وهم مستيقظون .. لذا يطلقون أي شئ يمكن
إطلاقه على كل الجهات ، ولا تهمهم النتائج ..

يعكف مهند أبو سل على دروسه ، ثم يلعب على جهاز الأتاري ، وأحيانا يتركه
ليبدأ في ترتيب المكعبات البلاستيكية وكتابة حروف عربية ولاتينية ، أو يركب
أشكالاً ، فإذا ما ضجر ، مد يده تحت وسادته، يخرج صوراً كثيرة ملونة لمن سقطوا
برصاص الجنود من أهل الحي ، وهم كثيرون ، من أعمار متفاوتة ، يسأل نفسه " كيف
يجرؤ الجندي على قتل إنسان ولا يؤلمه هذا الفعل القبيح ؟! أنا لا أحب فعل القتل
؟ ولا أتمنى أن أقتـل حتى لو نملة .. فالحياة من الله وله " .
ينطلق رصاص كثيف .. ينام مهند على أحلام بالحرية والهدوء تلاحقه صورة ملاك
بجناحين عظيمين يهبط من السماء .. يحمل الجنود .. يعيدهم من حيث أتوا .. يرمي
سلاحهم وعرباتهم في بحر خانيونس الغميق .

اليوم الجمعة ، العاشر من يناير من العام الجديد .. قبل أيام فرح العالم
بعام جديد ، أضاءوا الشموع في كل المدن ، رقصوا في الميادين والساحات العامة ،
غنوا في فـرح ، أما في حي الأمل في خانيونس كما كل المناطق الفلسطينية ، دعا
الناس ربهم أن يكون العام الجديد عام سلام وحرية ، بعد ليلة صاخبة أطلق فيها
الجنود النار وفوانيس الإضاءة وعلا ضجيج العربات العسكرية ..
" لماذا يصر الجنود على تنغيص حياتنا حتى في بداية العام الجديد ؟! " تساءل
مهند .. اليوم الجمعة الإجازة الأسبوعية من المدرسة والدروس ، هدير الجرافة عند
أسلاك المستوطنة يرتفع ، من فوق السطح رآها تجرف طريقا بين كثبان الساتر
الترابي كي يسهل على العربات العسكرية النزول من المستوطنة إلى الشارع في كل
وقت .. مهند لم يكترث ، نزل عن السطح ، واجهته غيداء الصغيرة تطلب قطعة حلوى

كالعادة ، ألحت عليه في الطلب ، لم يقنعها بحجته أن اليوم عطلة ، لم يذهب إلى
المدرسة وأنه غداً سيأتيها بالحـلوى ، ولأنه يحبها قرر أن يذهب لشراء الحلوى
لها من الدكان القريب :

ـ انتظري .. سأذهب لأشتري لك الشيكولاتة من دكان أبو حسن .
هدأت حين رأت مهند ينزل إلى الشارع .. مضى إلى بقالة أبو حسن الحوراني ليشتري
لها الشيكولاته . فجأة انهمر رصاص كثيف تعبّأ في الشارع بشكل عشوائي ، الدبابة
التي تقف أول الشارع هي التي أطلقت الرصاص ، لم يرها مهند وهي ملتصقة قرب
الجدار وتطل على الشارع ، ففاجأه صوت رصاصها قبل أن يصل دكان البقال ، أراد
مهند أن يفر من المكان لكنه سقط مصابا .. بعد لحظات نقلوه في عربة إلى مستشفى
ناصر في خانيونس ، لم يكن من وقت لانتظار عربة الإسعاف ، الدماء غزيرة والإصابة
في كتفه الأيمن .. جاءت الرصاصة من تلك الدبابة اللعينة " لو أن لي يداً من
الفولاذ أغلق بها فتحة مدفعها .. " أطلقت العربة بوقها المزعج حتى وصلوا به إلى
المستشفى ، استمر يتأوه من الألم وقد أصيب بصدمة شديدة ، أدخله الأطباء إلى
حجرة العمليات ، في حين هرع والده وأمه وجيرانه إلى المسـتشفى .
لحظات صعبة مرت عليهم حتى خرج إليهم الطبيب ، طمأنهم على حالته ، لم يصدقوا
أن رصاص الدبابة اللعينة لم يقتله .. قال الطبيب ناصر الأزعر :
ـ الرصاصة دخلت من ظهره جهة الكتف الأيمن .. الله ستر.. لم يصدقوا حتى أذن
الطبيب بدخول والديه . والدته قالت :

ـ لم يكن في الشارع مواجهات ولا مظاهرات ، خرج يشتري الشيكولاتة لغيداء .
غيدا تصرخ وتبكي فأخذتها أختها إلى الخارج ، والده قال في عجب واستهجان :
ـ لماذا أطلق الجندي الرصاص على ابني ؟! مهند يحب كرة القدم والمباريات ، مجتهد
في دروسه ، يساعدني في الصالون ويريد أن يكون حلاقا مثلي .. والمهم أنه يكره
القتل ويكره صوت الرصاص .

صديقيه هاشم ومحمود لم يستطيعا العودة إلى منزليهما قبل أن يطمئنا على مهند ،
ليلة أليمة مرت لم يتمكن أحد في البيت من النوم ، حتى الصغيرة غيداء ذهبت إلى
سرير مهند في الليل مرات .. تشير إلى أركان الحجرة باحثة عنه دون جدوى .

في الصباح كان مهند على سريره في مستشفى ناصر، معصوب الصدر ، مربوط الذراع
، لا يستطيع تحريك يده المعلقة برقبته ، أنابيب العلاج تنقل المحلول إلى جسده
والأكسجين إلى رئتيه ليساعده على التنفس ، وحوله جلس والديه وأخواته وأصدقائه .
جدران حجرة المستشفى تزينها الشعارات ، باقات ورد ملوّن من أصدقاء مهند
تتمنى له الشفاء ، على الجدار المقابل صورة الشهيد حسن أبو السعيد ، وعلى
الجدار الخلفي صورة الشهيد إياد صوالحة من جنين .
بعد أسبوع ..

الملل الشديد يكاد يقتل مهند ، لم يعد يحتمل الجلوس في المستشفى والنـوم على
السرير مربوط الصدر معلق الـذراع ، أحضرت له أمه أتاري يطرد عنه بعض الملل ،
أحضر صديقيه هاشم ومحمود كرة قدم وضعاها على الطاولة الصغيرة قربه لتشجيعه قالا
له :

ـ هيا انهض .. الساحة تنتظرك ..

ابتسم في إعياء :

ـ قريباً سأعود إلى الساحة إذاً ..

وتطلع إلى ذراعه وصدره ، لا يزال يرتدي جاكيت لا يتمكن من إدخال الكم الأيمن
ليده المصابة ، وغيداء تأتيه بالحلوى كل يوم فيسألها :
هل لا تزال الدبابة عند الشارع ؟!
فتهز رأسها بالإيجاب .

يقول مهند لها :

ـ مع ذلك أنا لا أحب القتل ، ولا أحب أن أكون قنبلة تقتل أحداً .
زقزقة عصافير تأتي من أشجار خلف نافذة حجرته في المستشفى ، ينظر من النافذة إلى
الفضاء البعيد .

إلى الطفل مهند مجدي أبو سل ـ ابن العاشرة ـ من حي الأمل بخانيونس .


مشاركة منتدى

  • في الله لكل خلقه.
    الناس ما خلقة عبث الي بيقتل يجيه يوم ينقتل
    الانسان الله اعطاه الحياه ولازم هو الي ياخذهي واذا احد اعترض على مشيئة الله لازم يتعاقب بالاشد منها.الطفل ما له ذنب والا العجوز ولا الي ماشي بالشارع ما هو عارف ايه جايه خلي الناس تعيش في امان الله ومكفي الي هي فيه لازم كل شيء ينتهي يتوقف وبسرعه حرام الي بيسير الناس متحطمه لحالهي مش عايزه من يهدمهي كمان
    وشكرا من ملاك

  • وين العرب قصدي الي عايشين الحيط الحيط خايفين من ايش ليه راضين في حياة الذل.
    الله على الظالم حرام الي بيسير في الناس ليه صارت قلوبهي حجر ما في عندهم احساس خلاص الجيش الي بيقتل الناس حرام بيدافع عن نفسه يا ناس الزلمه خايف يموت لا تضربوه في الدموس(الحجاره)

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

أديب فلسطيني

من نفس المؤلف
فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى