الخميس ٢١ شباط (فبراير) ٢٠٠٨
بقلم نوزاد جعدان جعدان

الوليمة

تعرفت عليه أيام الجامعة ولم أره منذ سنتين، كان شابا مرحا مقبلا على الحياة والابتسامة لا تفارق وجهه ولكننا افترقنا لأنه سافر إلى وطنه العراق..وفي أحد الليالي وأنا جالس في المنزل أتصفح بعض الكتب، أسمع صوت الهاتف يرن لأرفع السماعة، فأسمع صوتا ليس غريبا عني ولكن من الصعب تمييزه.. ليقول لي: أنا بسام من العراق، ألم تعرفني؟

فقلت بكل ثقة: نعم عرفتك، فكيف أنسى أيام التسكع في الجامعة أيها المشاغب أهلا بك أين أنت الآن؟ فقال:أنا في سورية وانتظرك في الحارة الفلانية لم أتردد وجهزت نفسي للقائه ولم أكن أحبذ أن احضره إلى بيتي الذي يعج بأفراد عائلتي.

انطلقت إلى لقاءه وأنا متلهف أن يكون لقاءنا كالتقاء نهري دجلة والفرات ووصلت إلى المكان المحدد وبدا ظله يتراءى لي فسلمنا على بعضنا وبعد العديد من عبارات المجاملة مررنا بالقرب من مطعم الملوك الذي يحضره أصحاب الملايين ورأيت صديقي يحدق بالمطعم ويسألني بأنه فندق فخم وما كان علي إلا إكرام الضيف ودخلنا بهوالفندق وتأملت أبوابه الزجاجية الأوتوماتكية والطاولات الفخمة والمرايا الساحرة حتى بدأ الرعب يدب في قلبي ولكنه بعث الطمأنينة قائلا: أنا لا أتناول شيئا على العشاء فرددت عليه بابتسامة تخفي وراءها الخوف: أوه لا، لا يجوز ذلك أنت ضيفنا اليوم، وبعد لحظة صمت استطردت قائلا :
لا أستطيع إجبارك على العشاء فأنا أيضا لا أكل شيئا على العشاء وأعتقد أن الناس تأكل أكثر من حاجتها .

دخلنا إلى المطعم،ثم جاء النادل ليرحب بنا وأعلم أن وراء ترحبيه غاياتا وأهدافا،فسألت ضيفي: ماذا تأكل؟
أجابني: بعض البيتزا والكبب الشرقية ..في هذه اللحظة كنت أبحث عن قلبي بسبب هبوطه المفاجئ وتسارعت أنفاسي واخترت لنفسي أرخص طبق على القائمة وبادرني ضيفي بالسؤال عن طبقي الذي اخترته فقلت له بكل صدق: إنني أتبع حمية غذائية وجاء النادل يحمل الأطباق والمقبلات التي هي بالنسبة لي غذاء يوم كامل وبدأنا بالأكل وتخيلت نفسي في حرب مع الطعام
فأنا أعلم أن الفاتورة ستأتي كبيرة جدا لذا لن ادع صحنا من شري وألتهمنا الأطباق حتى شعرنا بالتخمة.

وبعد تناولنا العشاء سألت ضيفي أتشرب شيئا بعد العشاء؟.. فقال: لا .. في هذه اللحظة أيدته وقلت بغبطة ولا أنا ولكني تابعت قائلا وليتني لم أقلها يبدوأنك لا تشرب المشروبات الروحية فأجابني بلى اشرب وطلب من النادل كأسا من النبيذ الفاخر وأنا أعلم السعر العالي لهذا النوع بينما فضلت أن أشرب كأسا من الماء معللا بعدم شربي للكحول بأن كبدي يوجعني .
كنا نتكلم عن الفن والمسرح والأدب إلا أن عقلي كان مع الفاتورة وأعرف أن ساعة الدفع ستحين
وسمعت صوت خطوات النادل تقترب ويحضر لي مصيبة أخرى حيث جاء وقت الحلويات وتحدث صديقي بأن سورية تشتهر بحلوياتها ولن يسافر إلى العراق قبل تذوقه طعمها وطلب من النادل أغلى نوع.. تلك التي كنت أراها من وراء زجاج المحلات ويسيل لعابي لمجرد رؤيتها وسألني ألا تأكل منها فقلت له: لا، إنها دسمة جدا أستغرب كيف تستطيع أكلها، وبقيت أفكر بالفاتورة وكأنه يوم الحساب بالنسبة لي وأتساءل بيني وبين ربي ترى بما أذنبت يا ربي
أرجوك أنقذني من هذا الموقف الحرج.

حان وقت المشروبات الساخنة هنا جمعت قواي وأصبحت أدق على صدري فالحساب ارتفع وما عاد باليد حيلة فسألته:ماذا تشرب أجابني قهوة فطلبت من النادل كوبي قهوة مع نارجيلتين
وما أن انتهينا منها حتى جاءنا النادل بسلة من الفواكه وتوسعت حدقتا عيني فأنا أعرف أسعار الفواكه في هذه الأيام وازداد خوفي ورعبي وما في جيبي معاش شهر لم أكن أخاف على معاشي بل خفت ألا يكفي وبدا النادل مهتما بنا يرفع صحنا ويضع آخر ويضع المناديل أمامنا
وما كان مني إلا أن وضعت بعض الليرات في جيبه لكي أرضيه ولكنه أعادها إلي بابتسامة ساخرة فبادرت ضيفي بابتسامة غبية كي لا يقول عني بخيلا..

وجاء وقت الدفع فالنادل قادم وبيده الفاتورة بدا لي كجلاد وبيده حبل المشنقة،عندما نظرت إلى الفاتورة تغيرت ألوان وجهي كألوان قوس قزح ودفعت الفاتورة التي كانت عبارة عن معاش شهر كامل ولم يبق معي سوى أجرة طريق الرجوع وودعت صديقي قائلا: آه.. كم اتخمت وأنني اشعر بعسر هضم ولن أتعشى مرة أخرى في المطاعم،فأكل البيت صحي أكثر .. بعدها استغربت من جوابه: واحدة بواحدة،فقلت له ماذا تعني؟ ..ألا تذكر عندما كنا في الجامعة عزمتني إلى مطعم جيد ثم قلت أنك ذاهب إلى الحمام إلا إنك هربت وقتها تاركا الحساب علي وما كان مني إلا أن أرهن هويتي ثم أعود لأدفع لصاحب المطعم.. هل تذكر؟ كان يسألني وهوغارق في الضحك ..فالعين بالعين والعزيمة بالعزيمة والبادي أظلم ...


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى