السبت ٣ أيار (مايو) ٢٠٠٨
بقلم نوزاد جعدان جعدان

الذليّل واللقب

آه، إنه الثلج سأغادر الآن إلى البيت وسأتابع غدا عملي، بعد هطول الثلج تلّون أسطح الأكواخ النحاسية وبيوت الاسمنت والقرميد باللون الأبيض، فاتجه باسم إلى منزله المؤلف من الحجارة الصلبة ليقِ نفسه من البرد ويحفظ صندوق البويّة من الماء ..

باسم شاب بدأ نصف رأسه يخلو من الشعر، عاش يتيما معدما بعيدَ وفاة والديه ولا يملك أي شيء سوى بيت من حجارة وسقف نحاسي، وضعه خاله في ملجأ للأيتام ليتملص من مسؤوليته..

بقي باسم في الملجأ كسولا لم يحصل على تعليم ولم يتقن أية مهنة بسبب هربه الدائم من الملجأ فأحب الأرصفة وتلكأ برأسه على وساداتٍ من جذوع الشجر، فتعلم على الخنوع وطأطأة الرأس وعشق العيش في الأرصفة المنخفضة والأغوار حتى أنه لم يتجرأ يوما للنزول إلى الرصيف إلى الشارع ..

بعد بلوغه سن الرشد اشترى له خاله صندوق بويّة ليقتات منها، انطلق باسم إلى عمله وكعادته بمشيته المترنحة وظهره المقوس واضعا علبة البويّة أمامه، وبدأ بأغنيته ليجذب الناس :

أنا ماسح الأحذية

أحمل في صندوقي قصصا مروية

قالبها موضوع في أحذية

ذلي له طابع العلنية

أشجاني آلام مرئية

فأنا طبيب الأحذية

أعالجها بعمليات تجميلية

بوية لميعة

مراية البوية ..هيا ..اقترب..هيا

أشعل باسم سيجارته بشفاهه الملتهبة ولم يكن يتجرأ أن ينفث سيجارته إلى فوق بل كان يطرح دخانها أرضا دائما، بدأ يمسح الأحذية وينظفها بفرشاته التي تحمل الأسرار بين شعيراتها وألوان البويّة تحمل أحزان الشخص وصفاته.

وجلّ ما كان يسعد باسم بأن فرشاته تعشق الغرباء وحذاء باسم لم يعرف يوما لمسة الفرشاة، كما كان يسعده أكثر بأن يضع جسده جسرا للناس فيسمع موسيقى الأحذية على ظهره.

في أحد ليالي الشتاء الباردة والقمر جريء في السماء يتدلى، اقترب شخص من باسم فمدّ باسم جسده معبرا ليمر من فوق ظهره فانتظر باسم ولم يشعر بالسعادة لأنه لم يسمع صوت الحذاء المحبب على ظهره، بقي طويلا ولم يسمع الصوت، فجثم على ركبتيه راجيا الشخص بالمشي على ظهره إلا أن الشخص صاحب الظل الطويل والملابس الأنيقة المرتبة أبى، حاول باسم كثيرا إقناعه ولكن بدون جدوى، فهذا الشخص لا يتكلم فقط ينظر في غور عينيه ولا يتفوه بكلمة تثلج صدر باسم ..

غادر الشخص صاحب الظل الطويل كسحابة صيف إلا أنه ترك أثرا على باسم فظل يفكر طوال اليوم ولم يذهب إلى البيت وأخيرا جاءت صحوته المتأخرة كصحوة الموت، فقرر أن يحصل على لقب مهما كان اللقب، فكر أن يدخل دفاتر غينيس للأرقام القياسية في التهامه لصندويشات الفلافل إلا أن لا دليل إلا جسده النحيل.

انضم إلى مدرسة محو الأمية ليتعلم منها ويصبح طالب علم، فبدأ يتعلم إلا أنه تعارك مع أحد الطلبة وفي فورة غضبه طعنه بسكينه التي يحملها ولحسن حظه أن الجرح كان عرضيا فقامت المدرسة بطرده..

بعد تلك المشاجرة أراد باسم أن يحصل على لقب المجرم، فتوقف في زاوية الطريق يضايق المارة وأخيرا بعد عدة محاولات باءت بالفشل هجم عليه أحد المارة فأخرج سكينا وطعنه في صدره ليسقط ذلك الشخص أرضا ولتسيل الدماء من صدره ويخرج كنافورة من فمه، فرح باسم بأنه أخيرا سيحصل على لقب إلا أن فرح الناس وغبطتهم أفسدت فرحته فشرع الناس يحملونه ويقبلوه لأنه خلصهم من مجرم خطير لا يسلم أحد من أهل الحي من شره، ولم يطلب أهالي الحي الشرطة لأن باسم قتل مجرما خطيرا تبحث عنه الشرطة منذ زمن .

قرر باسم للمرة الأولى النزول إلى الشارع، فلربما الرصيف فرّقه فليجمع أشلائه الشارع، وبدأ يفكر بلقب يحمله وخطر له لقب المهووس .
انتظر في الشارع ليخطف فتاة، مرتْ فتاة جميلة من عنده فأسرع وقبض على معصمها وسحبها من شعرها ليغتصبها أمام المارة إلا أنه استغرب من أن الفتاة لم تبدي أية حركة هجومية بل على العكس استسلمت له وأشارت بيدها ليأخذها إلى البيت ووغمزت بعينيها بأنه إن كان يريدها فليس أما الناس، ترك باسم يديها وبدأت هي التي تسحبه من يديه ففرّ باسم منها مسرعا وهو يركض لا يعلم إلى أين هو هارب فقط يركض بدون مقر محدد، وبدأ وسام الحزن يرتسم على وجهه لأنه لم يحصل على لقب .

توجه باسم إلى شاطئ البحر قرب مدينته ليتمتع بمنظر طيور النورس وهي تحلق، وأخيرا جاءته فكرة حصول على لقب لا يستطيع المرء الحصول عليه عن طريق الكتب ولا توجد إلا طريقة واحدة للحصول عليه، وهذا اللقب يستمر حتى بعد زوال الشخص ويستمر طوال العصور ولا مجال فيه للفشل أبدا، فصعد إلى سطح بناء عال وقفز منه فبدا كطائر نورس يجوب السماء وأخيرا حقق حلمه وحصل على لقب مهما ذكره الناس فسيربطونه به ولن ينفصل عنه أبدا..


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى