الاثنين ٢ حزيران (يونيو) ٢٠٠٨
بقلم نوزاد جعدان جعدان

صانع الأحلام

بدأت أزهار النرجس البرية الأرجوانية بالنمو وتفتحت أزهار الزعفران لتبدو الطبيعة بأجمل حلة ,ونام القمر واستيقظت الشمس ومازال جابر يفكر بطريقة خيالية يطقطق أصابعه تارة ورقبته أحيانا وأدمن على شرب المتة بعد أن ترك زوجته و أولاده الذين كانوا يشبهون أصدقائه .

فرّ من زوجته ومن أولاده ومن أصدقائه الذين كانوا يعتبرونه برميل مازوت في شتائهم ,عند الحاجة تجدهم منكبين عليه وعندما ينتهون منه يتركونه وحيدا يقاسي الشقاء.

اتخذ جابر من الغابة ملجأ له وبنى لنفسه كوخا صغيرا ,وكان يتزود بالتموين من قرية قريبة منه ,عشق جابر زقزقة العصافير في الصباح وعواء الكلاب في الليل وصحبة الغربان والبوم واتخذ الغروب حبيبة له .

في ليلة اشتدت فيه الرياح ,هبط نيزك من السماء فتمنى جابر أن يظهر له مارد كما ظهر لعلاء الدين في مصباحه السحري, كان جابر يتأمل النافذة فنظر إلى الخلف لتتوسع حدقتا عينيه غير مصدقتين لما رآه ,شاهد ماردا ضخما مرعبا ,حاول الهرب فقبض عليه المارد وقال له :
إلى أين تهرب يا سيدي أنت طلبتني ,فأنا خادمك قد طلبت أن تنفذ أمانيك وها أنا أنفذها لك ,ضع هذه النظارة السوداء في عينيك وقبل أن تنام ستحقق أمانيك في المنام فقط .

أجابه جابر : ويحك إلى أين تهرب ..انتظر ؟ اختفى المارد وبقيت النظارة, اندهش جابر والخوف يكاد يأكل عينيه ,وقرر البدء بتحقيق أمانيه ,تمنى جابر أن يعود طفلا صغيرا يلعب في الدار لا يفقه شيئا وجده يعمل في كرم الزيتون وجدته تجلس أمام الباب تشاهد عرسا في القرية ,وأمه تطبخ له وجبته المفضلة والعائلة مجتمعة حول المذياع تستمع إلى مسلسل المساء .
استيقظ جابر سعيدا فقد تحققت أمنيته الأولى فخرج إلى الغابة وبدأ يغني مع البلابل والعصافير أغنيته :

أنا سيد الأماني

أريد إعادة بعض الأغاني

يا ماضي أحمل أشواقي

ويا أيها الحاضر لك سلامي

لن أفكر في مستقبلي

عندها سأكون مشردا أبحث عن ضريحي

لم يصدق جابر حلول المساء ليذهب للنوم وتمنى هذه المرة أن يعود طالبا مراهقا بجسم صغير وعقل كبير وأن يحادث بنات الحي ولا يختبئ منهن ,ويصارح حبيبته بحبه وأنه كان يعشقها منذ زمن وأنها كانت تبادله المشاعر لكنه لم يستطع أن يصارحها بسبب خجله.

جاء اليوم الثالث وجابر يتمنى أن يأخذ النعاس منه فقد أمسى يستطيع تحقيق كل أمانيه بمجرد النوم صحيح أنه لا يحققها على أرض الواقع لكنه في النهاية يحقق أحلاما لطالما راودته وكانت مبتغاه في الحياة.

بدأت عيونه تتراقص من النعاس وأصبح للنوم عليه سلطان ,فتمنى أن يعود طالبا جامعيا باستطاعته شراء تفاحة يأكلها ,فلم يعرف طعمها قط, وتمنى أن يذهب إلى المحاضرات بفرشته التي تطير بدون أن يتعكر نومه وأن يكون على متن فراشه وهو يحضر المحاضرة في صباح شتائي بارد وأصدقائه يرتجفون من البرد وهو قابع على فراشه متلذذا بالدفء والراحة وبعد نهاية المحاضرة يطير فراشه إلى المنزل دون أن ينتظر الباص أوقاتا طويلة والشمس تلسع رقبته.

تحققت أمنية جابر وعند استيقاظه بدأ يفكر بأشياء يتمناها وأصبح شغله الشاغل النوم والحلم ,وتمنى في اليوم الرابع أن يرجع شابا مرحا في القرية وأن يعرف أسرار العذراوات المخبأة في المنجل وقصص عشقهن وأمراء أحلامهن وتمنى أن يعرف مكنونات نفسهن وماذا يخبئن أراد أن يكون كالحاصدة التي تعري الأرض من سنابل القمح فتكشف كل أسرارها.
جاء اليوم الخامس وأصبحت أمنيات جابر تتحقق وأمسى محتارا بأمانيه بماذا سيحلم فتمنى في هذا اليوم أن يأكل ألذ طيبات الدنيا ولا يشبع وبدون أن يسمن .

استمتع بأحلامه ولكن ما كان يؤرقه بأنه يجد صعوبة في النوم يتقلب كثيرا قبل أن يجد أمنية مناسبة ,اشتدت الأمطار في اليوم السادس وتمنى أن يعود وضعه في المنام قبل ستة أيام من الآن وقبل هطول المطر.

كان اليوم السابع يوما مشمسا لطيفا ارتسم قوس قزح في السماء ووردت أمنية في باله فطلب من نظارته قبل النوم أن يتوقف الوقت عند نومه,وعند طلبه تكسرت نظارته وتلاشت إلى رماد لا ترنو له, حاول تجميعها فاختفت بين راحتيه.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى