الاثنين ١٦ حزيران (يونيو) ٢٠٠٨
من قصص التراث الشعبي
بقلم رضا سليمان

فتاة من نور- رادوبيس الفرعونية

التاريخ المصرى القديم مليء بالقصص والحكايات الأدبية الجميلة والتى أُخذ عنها العديد من القصص والروايات العالمية، ومن هذه الأعمال قصة رادوبيس الجميلة، والمعروفة فى الآداب العالمية باسم " سندريلا " وهى نموذج لأدب القصة فى الدولة الحديثة، وقد وردت ضمن برديات شستربيتى بالمتحف البريطانى..

وبرديات شستربيتى هذه قد وجدت فى مقبرة " قن حرخبشف " والذى عاش فى عصر الأسرة التاسعة عشرة..

أبطال القصة هم رادوبيس، ووالدها التاجر سنفرو وأم رادوبيس، وزوجة أبيها وبناتها ـ بعد وفاة والدة رادوبيس ـ والأمير..

تبدأ الأحداث فى مدينة منف بمرض زوجة التاجر الثرى سنفرو حيث يتحدث سنفرو إلى زوجته..

-  آراك واجمة شاردة هذه الأيام يا زوجتى.. أبك مرض أم أن هناك أمر آخر؟
-  بى مرض يتزايد يوما بعد يوم يا سنفرو، لم أعد أشعر بلذة العيش
ويبدو أن روحى أوشكت على العبور إلى الشاطى الآخر وترك الحياة
كلها.. بما فيها هذا القصر وطفلتى الجميلة رادوبيس..
-  سوف أذهب إلى المعبد وأعود إليك بأحد الكهنة للعلاج وعمل أى وصفة وقراءة التعاويذ المطلوبة أيضا..
-  لا ترهق نفسك يا سنفرو، فما يقره الإله لا تستطيع يد الكهنة ردعه مهما كان لها من قوة أو من سحر..
-  ولكن يا زوجتى..
-  كل ما أطلبه منك يا زوجى هو أن تكون رؤوفا ورحيما بطفلتنا الجميلة
رادوبيس..
-  سوف نهتم بها معا..

وبعد أن يخرج الأب تأتى رادوبيس وهى طفلة جميلة، تجلس إلى جوار والدتها المريضة، التى تحدثها بصوت واهن..

-  استمعى إلى جيدا يا رادوبيس..
-  ماذا يا أماه؟
-  لقد دعتنى الآلهه يا بنيتى لأعد نفسى للرحيل إلى العالم الآخر، حيث أكون فى انتظاركم لنلتقى مرة أخرى، ولن أتمكن من رؤية ملاكى
الصغير أجمل العرائس فى منف كلها.. لن آراك وأنت تزفين إلى قصر زوجك..
-  لا تكملى يا أماه.. سوف تعود إليك صحتك بعدما يأتى أبى بالكاهن..
-  دعينى أكمل يا رادوبيس.. إن أباك لا يزال فى عنفوان شبابه وقد أنبأنى إحساسى بأن أباك سنفرو سوف يتزوج من امرأة أخرى تحل محلى هنا.. وسوف تنجب فتيات، وجمالك يا بنيتى سوف يكون مصدر غيرة الجميع منك وحقدهم عليك..
-  ماذا تقولين يا أماه؟
-  أنصتي يا رادوبيس، سوف تتعرضين للحقد والاضطهاد، وليس عليك إلا الصبر والإيمان بالإله وهو وحده الذى سيحميك.. والأن.. رادوبيس ماذا تفعلين يا أماه؟
-  تحت هذه الوسادة صندوق.. أعطني إياه.. فأنا لا أستطيع الوصول إليه..
-  ها هو الصندوق يا أماه..
-  إنه صندوق من خشب الصندل المطعم بالذهب والأحجار الكريمة لابد يا رادوبيس أن تحتفظى به فى مكان أمين، فهذا يا بنيتى صندوق الحلى الخاص بى والذى ورثته عن أجدادى.. ومن بين الحلى الموجود فيه، قلادة حتحور التى سوف تحفظ لك جمالك وتحميك من العين والغدر إليك الصندوق بأكمله، ولا تعيرى أى شىء منه لأحد ولا تضعين القلادة على صدرك إلا يوم الزفاف فى معبد حتحور إلهة الجمال.. واليك هذا أيضا..
-  ما هذا يا أماه؟
-  إنه صندوق مصنوع من خشب الأبنوس المطعم بالفضة وهو يحتوى على حذاء نفيس لا يوجد له مثيل فى البلاد وهو مصنوع من جلد الغزال الذهبى اللون والمطرز بخيوط الذهب والأحجار الكريمة.. انظري..
-  إنه رائع حقا يا أماه..
-  ليست قيمته فى جماله فحسب يا رادوبيس..
-  وهل هناك شىء أخر؟
-  نعم.. هناك ميزة أخرى..
-  وما هى؟
-  هذا الحذاء لن يتسع لقدم أى فتاة سواك، كما أنه سيكون مصدر حظ عظيم لك فى مستقبلك.. حافظى عليه وضعيه فى مكان أمين لا تراه عين ولا تمتد إليه يد..
-  إنه ساحر حقا يا أماه.. سوف أجربه الأن..
-  لا.. لا.. لم يحن الوقت بعد يا بنيتى، سوف ترتدين الحذاء عندما يحين الوقت الذى تحدده لك الألهه..

فارقت الأم الحياة وتزوج الأب سنفرو من امرأة أخرى التى أنجبت له فتاتين كانتا أقل من رادوبيس فى الجمال.. وتمر الأيام والسنوات وينشغل سنفرو فى تجارته عن زوجته وبناته، وهنا تكثر مكائد زوجة الأب ومحاولاتها المستمرة للوقيعة بين الأب وابنته اليتيمة رادوبيس.. وفعلا تغيرت حالة الأب الذى استدعى ابنته..

-  رادوبيس..
-  نعم يا أبى..
-  أنا خارج لمباشرة تجارتى.. وأرجو ألا تغضبى زوجتى وأم أخواتك..
-  أنا أغضبها؟؟
-  نعم.. منذ أن تزوجتها وأنت دائما تقفين أمامها موقف الند للند وتأخذينها مأخذ الأعداء..
-  إنك بذلك تظلمنى يا أبى..
-  أظلمك؟
-  نعم.. إن ظلم زوجتك وبناتها لى أمر هين.. فهم عنى أغراب، أما ظلمك أنت لى فهذا مالا أستطيع تحمله..
-  لا تحاولى قلب الأمور وتغير مجرى الحديث.. فأنت تكرهينها..
-  أبتاه.. أنا لا أكره أحد، لقد انشغلت أنت عنى وزوجتك تعاملنى على أننى خادمة..
-  رادوبيس.. يجب أن..
-  يجب أن تستمع إلى يا أبى ولو مرة واحدة.. أين كسائى الجديد يا أبى؟.. أصبح كسائى هو القديم والمستغنى عنه من ملابس أختيىّ، طعامى لا أتناوله إلا فى المطبخ ودائما ما يقال للضيوف إننى مجرد خادمة.. مجرد خادمة
-  دعى هذا الحديث جانبا يا رادوبيس ويجب أن تطيعى زوجة أبيك، حتى ترضى عنك روح أمك القاطنة فى الشاطىء الأخر..

لا يقتنع سنفرو إلا بحديث زوجته وتمر الأيام، وتكتشف زوجة الأب وهى تفتش فى خزانة ملابس رادوبيس، صندوق الحلى الخاص بأم رادوبيس فتأخذه.. وتذهب به إلى الصائغ.. وتستبدله بمصاغ أخر لابنتيها، حتى لا يقال أن المصاغ الذى تتزينان به هو نفس المصاغ المسروق، واكتشفت رادوبيس اختفاء صندوق الحلى..

- رادوبيس: أين ذهب هذا الصندوق؟.. كان هنا.. فى خزانة ملابسى أين؟ لابد أنه سرق.. يا لها من سيدة ماكرة.. لا أحد يستطيع دخول حجرتى غيرها سأخبر أبى.. ولكن.. لن يصدقنى، وسيتهمنى مرة أخرى بأنى أقول غير الحق خاصة وأنه لا يعرف شيئا عن أمر هذا الصندوق ثم.. أه.. الصندوق الأخر الذى يحتوى على الحذاء لابد وأن أخفيه..

وتخرج رادوبيس إلى حديقة القصر وتخفى الصندوق فى حفرة أسفل شجرة.. كانت أمها قد زرعتها لها وهى صغيرة بجوار بركة السباحة.. وتمر الأيام.. وحياة المسكينة رادوبيس تسير من سيئ إلى أسوأ، فى الوقت الذى سار فيه جمالها إلى نضوج مستمر تحسده عليها أخواتها، ويشعر كل من يراه أنها سيدة هذا القصر وهن الوصيفات لها.. وذات يوم حدث أمر عظيم.. فقد أتت زوجة أبيها وهى سيدة متسلطة وجلست مع بناتها تهمس إليهن..

-  استمعن إلىّ جيدا.. تستعد البلاد لأعياد الربيع، وقد أعلن الأميرابن الفرعون أنه سيختار عروسا، ينتقيها من بين فتيات منف الجميلات، وقد حدد أحد الأيام ليقيم حفلا فى حدائق قصره.. سيكون يوما مشهودا لم تر البلاد مثله، وفى هذا اليوم يا فتياتى يجب أن تتزينن بأحسن زينة وسوف نخرج معا إلى الحفل ونترك رادوبيس هنا، سوف أغلق عليها باب القصر حتى لا تجد مجالا للخروج 0

وفى الحفل الذى أعلن عنه الأمير ابن الفرعون ليختار عروسا خرجت زوجة سنفرو وبناتها وتركن الجميلة رادوبيس فى القصر وحيدة شعرت رادوبيس برغبة فى الخروج إلى الحديقة، وما إن وصلت إلى شجرتها حتى أسرعت فى لهفة وأخرجت الصندوق لتتأمل الحذاء الذى بداخلة..

رادوبيس: يا له من حذاء جميل يجب أن أجربه.. أعتقد أنه سوف يناسبنى الأن.. ولكن.. قدماى متسخة من طول الإهمال والحرمان من الاستحمام فى هذه البركة التى بنيت خصيصا من أجلى عندما كنت وحيدة والداى المدلـلة.. إن ارتديت الحذاء الأن سوف يتأثر.. يجب أن أستحم أولا.. نعم.. فلن تعود زوجة أبى وابنتيها من الحفل قبل أن ينتصف الليل.. سوف أضع ثيابى هنا.. وأنزل إلى الماء ( تنزل إلى الماء ) الماء جميل حقا، يجب أن أستمتع به قليلا ثم أخرج لارتدى الحذاء المرصع بالـ.. ( تشهق بشدة ).. آه.. ما هذا.. ما هذا؟

وبينما رادوبيس فى قمة نشوتها، وقد فقدت الإحساس بما حولها فوجئت بنسر ضخم يرفرف بجناحيه محلقا فوق الحديقة باحثا عن فريسة لينقض عليها ويتخذها طعاما له.. وفجأة شاهد هذا النسر الحذاء الذهبى المرصع بالآلىء، فظنه فريسة طيبة، فانقض عليه فى لمح البصر وخطف إحدى فردتى الحذاء وحملها بين مخالبه وحلق فى الفضاء البعيد.. حتى يمر فوق القصر الذى يقام فيه الحفل، فتفزعه أصوات الموسيقى، فيسقط الحذاء من بين مخالبه ليستقر بين يدى الأمير الشاب وهو جالس فوق المنصة..

الأمير: ما هذا الحذاء.. إنه حذاء رائع رقيق المنظر، وقد تم صنعه بمهارة بالغة إنه مرصع بالأحجار الكريمة، من المؤكد أن صاحبة هذا الحذاء فتاة رائعة الجمال.. لقد أرسلته لى السماء فى الوقت المناسب تماما.. أيها الحراس لابد من العثور على صاحبة هذا الحذاء أينما كانت لابد أن تحضروا لى كل فتاة تتسع قدماها لذلك الحذاء وتدلنا على الفردة الأخرى..

وتمر الأيام والبحث مستمر ولكن دون جدوى، فيجلس الأمير مهموما وقد أمسك بفردة الحذاء فى يده وهو يتحدث إلى نفسه..

الأمير: إن الأيام تمر.. وكل ليلة أخرج باحثا عن صاحبة الحذاء الذهبى
بحثت عنها فى القصور وفى البيوت، جبت منف كلها.. ولا
جدوى..

وهنا أرسلت زوجة سنفرو أحد أعوانها إلى الأمير، لتعرض عليه ابنتيها، وذهب الأمير وقابلته زوجة سنفرو فى حديقة القصر..

زوجة سنفرو: سيدى الأمير.. إنه لشرف عظيم أن تأتى لرؤية ابنتيّ
وأنا واثقة كل الثقة يا سيدى من أن إحداهن ينطبق عليها
االشروط..
الأمير: وأين الفتاتين؟
زوجة الأب: بالداخل.. بالداخل يا سيدى الأمير.. تفضل..
يدخل الأمير إلى القصر وبيده فردة الحذاء، وتحاول كل من الفتاتين أن ترتدى الحذاء فلا تفلحان.. يخرج الأمير وعلامات من الضيق تعلو قسمات وجهه، وفى الحديقة يشاهد رادوبيس الجميلة فى أحد الأركان تسترق النظر لما يحدث.. وكانت تقف بملابسها الرثة القديمة، لكن الأمير ما إن شاهدها حتى أٌخذ بجمالها الطبيعى.

الأمير: أوه.. من هذه الفتاة التى تقف هناك يا سيدتى؟

زوجة الأب: ( مرتبكة ) إنها.. إنها ابنة البستانى ولا يسمح لها بدخول
القصر..

الأمير: إنها فتاة ساحرة وجمالها يخلب الألباب..

زوجة الأب: ( تتملقه ) يا سيدى الأمير، إنه لا يجدر بك أن تنظر

الأمير: تقدمى إلى هنا أيتها الفتاة.. تعالى إلى هنا..

زوجة الأب: لا.. لا.. إنها قذرة وثيابها رثة وأنا أخشى عليك يا.

الأمير: تقدمى.. تقدمى يا فتاة..

رادوبيس: أنا طوع أمرك يا سيدى الأمير..

الأمير: أرجوا أن تجربى هذا الحذاء أيتها الجميلة..

رادوبيس: إنه حذائى..
زوجة الأب: ماذا تقولين؟ هل وصلت بك الجرأة إلى حد الكذب على
الأمير.. ألم أقل لك يا سيدى الأمير إنها إبنة البستانى
والكذب من..

الأمير: انتظري يا سيدتى، لم أفهم يا جميلتى.. ماذا تقصدين
بقولك أن هذا الحذاء حذاءك؟

رادوبيس: إنه حذائى أعطته لى أمى قبل وفاتها، وسوف أشرح لك كل
شىء ولكن بعد أن أظهر إليك دليل صدق حديثى.. سوف أعود حالا

تختفى رادوبيس لحظات وتعود بالصندوق الأبنوس وبه الفردة الأخرى من الحذاء وتحكى له كيف خطف النسر الفردة الثانية التى بين يدى الأمير، وتخبره بأن هذا الحذاء قد أعطته لها والدتها قبيل وفاتها.. وتكمل حديثها..

رادوبيس: ولا يوجد ما يؤكد يا سيدى الأمير على أننى سيدة هذا القصر دليلا
أكثر من هذا فأنا ابنة صاحب القصر سنفرو ولست ابنة البستانى
كما تدعى زوجة أبى..

الأمير: أيها الحراس.. اتونى بالعربة الملكية.. سوف تذهبين معى إلى
فرعون مصر..
رادوبيس: متى؟.. ( مرتبكة ) الأن يا سيدى؟

الأمير: نعم يا أجمل وأفتن من رأت عيناى..

رادوبيس: وأنا هكذا؟؟.. إن ملابسى رثة.. وشعرى..

الأمير: ( مقاطعا ) سوف تجلسين إلى جوارى بملابسك هذه وحذاءك الذهبى ؛ حتى يشاهدك كل الناس، وعدها؟أقدمك إلى فرعون مصر
والملكة الأم..

رادوبيس: أنا طوع أمرك يا أميرى..

وشرح الأمير للفرعون ما حدث.. فبارك فرعون هذا الزواج.. وطلب من كبير صائغي القصر أن يقدم إلى رادوبيس أجمل وأثمن الحلى والجواهر الثمينة من تلك الموجودة فى حيازته..

وأقيمت الأفراح وظهرت رادوبيس بوجهها الملائكى وجمالها الآخاذ وهى تقف إلى جوار الأمير فى أجمل زينة وأرقى زى، وتزين قدميها بحذائها الذهبى..

وهنا تحدث المفاجأة.. فعندما يقدم لها الأمير هدية الملك فإذا به صندوق مصاغها الذى يحتوى على تميمة حتحور المقدسة..

ويعلم الأمير بذلك فيبحث عن صائغ القصر الذى يخبر الأمير بمصدر صندوق المصاغ الذى فقد من رادوبيس، ويصدر أوامره بالقبض على زوجة الأب وبناتها ولكن رادوبيس الجميلة تطلب من الأمير الصفح، قائلة..

رادوبيس: أرجو يا مولاى أن تصفح عن زوجة أبى وبناتها؟

الأمير: أنت يا رادوبيس.. أنت التى تقول هذا؟

رادوبيس: إن قلبى لا يتسع للحقد والبغضاء.. كما علمتنى أمى..

هذه كانت قصة رادوبيس ابنة سنفرو، والتى وردت إلينا فى إحدى برديات شستربيتى، والتى ترجع إلى عصر الأسرة التاسعة عشرة والموجودة حاليا بالمتحف البريطانى.. والأمر لا يحتاج إلى شرح أو توضيح فى أن الأصل المأخوذ عنه القصة العالمية ذائعة الصيت " سندريلا " هو أصل مصرى فرعونى تحت عنوان " رادوبيس "..


مشاركة منتدى

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى