الاثنين ٢٣ حزيران (يونيو) ٢٠٠٨
بقلم رضا سليمان

وداعة الوحش الأسطوري

فى قطاعنا المحلى، الانتخابات يوم الرابع عشر من الشهر الحالى، أربعة أعوام مرت منذ مثيلتها الأخيرة.. لقد أظهرت فيها نشاطا ملحوظا، فقد كان عمى مرشح فى قائمة حزب معارض.. ذكر لى شخص ما فى أول لقاء بيننا..

ـ أعرفك منذ زمن بعيد..
ـ كيف؟
ـ فى قسم البوليس.. سألنى الضابط عنك وعن نشاطك..

الحمد لله.. لقد انتهت الانتخابات ومرت المعركة بسلام.. ورسب عمى وبقية مرشحى الحزب.. أربعة أعوام مرت.. انتظرت المعركة القادمة.. فى المساء كنت أحلم بأن يتزايد نشاطى، أسير بين أفراد الشعب فى حماس ملحوظ صارخا..

ـ قبضوا على " كامل " ممثل الشعب.. لقد أودعوه السجون.. أقصد المعتقل..
طرق التعذيب الشديدة ـ والتى قرأت عنها فى جريدة معارضه ـ كنت أوضحها لإثارة الشعب.. ألفيتهم يسيرون خلفى.. يرددون ما أقول فى حماس متزايد.. أعدادهم تتضاعف أصبحنا كالوحش الأسطورى..

ـ إلى أين؟ ( تساءل أحدهم )
ـ إلى بيت الطاغية..

خرج علينا الطاغية، وقف فى شرفة منزله، أصلع الرأس إلا من بقايا شعر تحيط به أشبه بالليفة، يرتدى جلباب واسع أوضح قصر قامته..
ـ أين المناضل كامل؟..

بهذا هتف الوحش الأسطورى.. اهتزت الأرض تحتهم.. ترنح الطاغية وتعلق بحديد الشرفة..

ـ كامل ليس مناضلا.. إنه منحرف.. و.. ( توقف لحظة كمن يبحث عن كلمة ) وصايع..
لقد قال هذه الكلمة.. قاموس كلماته لم يسعفه بغيرها، تذكرت مدير المدرسة الثانوى وهو يحلف علينا ـ نحن الطلبة ـ بالطلاق..

سرت همهمات بين أعضاء الوحش الأسطورى..

ـ إنه بطل.. ترك كل شئ من أجل كلمة الحق والوطن.. أين هو؟
ـ إنه مناضل.. لقد أزاح الستائر السوداء.. فتح نوافذ العلم..
ـ المكانة الدولية.. فى صحبته قلنا لا.. واليوم نقول لا.. أين كامل.. أين كامل..؟
صرخ الجميع فى صوت واحد.. صرخ الوحش الأسطورى..
ـ أين كامل.. أين كامل..

هتف من وصت الجمع من يقول..
ـ من الأفضل أيها الرجل أن توضح لنا ماذا تقصد؟

آه.. اصمت أيها الزميل.. جعلته يتحدث والآلاف تصمت، أسلمته عصا الحديث وأسلمتنا عصا الصمت..

رقصت الابتسامة على الرأس الصلعاء.. تذكر صاحبها وجه هذا الذى سأل، إنه شخص زرع خصيصا لمثل هذه اللحظات.. الأغبياء.. ثم تحدث..

ـ إنه منحرف.. أخته.. أبناء عمومته.. أصدقائه.. استغلوا اسمه وجهاده الذى تزعمونه.. ذهبوا به إلى أسفل السافلين.. لقد قبض على أخته فى بيت للدعارة والآخرين كانوا روادا للملاهي والسهرات الحمراء.. ولدينا الأوراق التى تؤكد ذلك

همست : قيمة الشخص فى ذاته ونحن نطلبه هو.. وأوراقكم مزيفة..

سمع المسئول الأصلع همسي.. نظر فى ناحية ما.. ثم ابتسم وقال للجمع..

ـ إننا نحبكم ونعمل من أجل مصلحتكم..

سمعت صوت ناعم من خلفى..

ـ هل سمعت.. أنني أعرف أخته وكيف قبض عليها..

صاحبة الصوت ساحرة.. آتية من الناحية التى نظر إليها الأصلع.. عينيها واسعتين سوداوين.. بدأت تصف لى وهى تتثنى.. تراخت عضلاتى المشدودة وذابت فى حركاتها.. نسيت الوحش الأسطورى..

ركزت لحظيها فى عينى.. سبحت فيهما.. نسيت الشخصية الصلعاء ( الذى كان يضحك فى داخله ).. مدت يدها وقالت..

ـ أنا أصف لك فقط..

ضغطت بيديها الحانيتين، ركعت أمامها.. نسيت كامل.. احتضنتها.. ألقيت برأسى بين ثناياها.. قبلت راحتيها.. بحثت عن عينيها..

كانت تنظر إلى المسئول وتبتسم.. ثم غمرتنى بشلال من النظرات الحارة..

ـ أتأمر الوحش الأسطورى بالانصراف؟

تساءلت فى خشوع..

ـ أى وحش؟

أشارت نحو الجمع الذى أتى خلفى منذ دقائق.. تذكرتهم.. تعجبت من سبب وجودهم.. صرفتهم بإشارة …

سمعت ضحكة المسئول رنانة، خيل لى أنى أرى أنيابه وهو يستدير ويصفق الباب خلفه..
ضحكت هى فى دلال.. وقفت ومازالت تمسك بيدى..

ـ لقد صرفتهم..
ـ أتعدني بألا تجمعهم مرة أخرى؟
ـ أجمعهم؟!.. لماذا؟.. ثم كيف وأنا بين راحتيك.. أغوص فى عينيك.. أجلس تحت قدميك؟!

أسبلت عينيها.. تهاويت على شفتيها وغبنا فى قبلة طويلة.. طويلة..

لم تعد قدماى قادرتان على حملى.. سقطت على الأرض.. كانت تحمل على شفتيها مادة سامة سريعة المفعول.. سمعتها وأنا أطلق أخر زفرة..

ـ إنها لطريقة سهلة للتخلص من أمثالكم..

ضحكت بطريقة هيستيرية.. تغير وجهها.. ارتعدت أطرافى وأنا أفارق الحياة..

انتفضت بشدة، فاستيقظت من النوم مدهوشا متسائلا..

ـ ما هو تاريخ اليوم..؟؟


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى