الثلاثاء ٢٤ حزيران (يونيو) ٢٠٠٨
بقلم رضا سليمان

ثـورة الأيـدي

فى يوم السبت الموافق السابع عشرة من نوفمبر الماضى، وقبيل انتصاف الليل بدقائق كان أهل المدينة بأكملهم نائمين.. ولم تكن بعادة أن ينام الجميع فى نفس الوقت، ولكن هذا ما حدث، ولا أحد يعلم كيف كان ذلك..؟؟.. وفى تمام الثانية عشرة، حدث أمر غاية فى الخطورة..

فقد انطلقت الأيدى تاركة أصحابها على الأسرة نائمين.. ولم تجد الأيدى الهاربة صعوبة فى أن تخرج من الحجرات أو من المنازل، فكانت تدير المفاتيح فى الأبواب المغلقة بسهولة..

والأيدى الهاربة فى أحجام وأشكال مختلفة، فمنها ما هو شاحب ومنها ما هو معروق والسمين.. والناعم.. الخشن.. المعطر.. العفن.. الأبيض.. الأسود.. المفلطح.. الرقيق وهى مع اختلافها دالة على أصحابها..

وفى الشوارع كانت الأيدى تتصافح بحرارة وكأنها تقول: أخيرا..
وسارت الأيدى فى الشوارع جماعات جماعات وزاد عددهم وزاد هتافهم
" تحيا ثورة الأيدى العظمى.. تحيا ثورة الأيدى البيضاء "
ورغم كل هذه الهتافات إلا أن الأجساد مازالت مستغرقة ولا تشعر بها، عموما زادالهتاف وزاد عدد الأيدى المشاركة حتى ضاقت بهم الشوارع، فتطوعت بعض الأيدى لتنظيم حركة المرور، والحقيقة أن تلك الأيدى قد أظهرت مهارة فائقة فى تنظيم الحركة فى الشوارع، فهمست أحد الأيادى فى وسط الجمع
-  إنى أعرف هذه الأيدى المنظمة، إنها يد المستشار ويد الخباز.. و..
قاطعتها يدا أخرى:
-  يجب ألا نثرثر وعلينا أن نهتف للثورة المجيدة..
وثورة الأيدى كان معروف عنها لدى جميع الأيادى المشاركة أنها ثورة بيضاء، لذا تمثلت قوتهم فى الهتافات، وعند المنعطفات وأبواب الحارات والميادين العامة، كانت الأعداد تتضاعف، وفى مكان ما يتسع لأن تجلس فيه الأيدى الهاربة، تكدست الأيادي، وفى جزء مرتفع منه كانت هناك خمسة أيادى تقريبا.. وتساءلت يد ـ يبدو أنها لطفلة صغيرة ـ فى وسط الجمع قائلة:
-  من هؤلاء الجالسين هناك.. أعلى؟
-  إنهم مجلس قيادة الثورة.
والأيادى الخمسة كان يوجد بينهما يدا ناعمة والآخرين بين خشنة أو بعلوها لون أبيض كأنه " جير " أو يعلوها صدأ حديد.. وساد الهدوء وعم المكان صمت شديد، ثم تحدثت اليد التى تنتصف مجلس قيادة الثورة فقالت:
-  الأيادي الكريمة.. إننا لم نكن نهرب ونترك أجسادنا، ونقوم بمثل هذه الثورة إلا بسبب هذا الظلم البين الذى يسود حياتنا.. فالعقول البشرية تحاول بشتى الطرق أن تجعلنا نقوم بما ليس لنا به علم وبما لا نرضى عنه..
هنا صرخت إحدى الأيدى:
-  إن لى مهارات رائعة فى الرسم، ولكنه يجبرنى على السرقة والتزييف..
- فقال الزعيم: أرجو ألا يأخذنا حماس الثورة وننسى النظام الذى ننادى به، وعلى العموم إن كان يجبرك على السرقة أو التزييف فهذا يعود إلى حالة الضيق العام الذى نعانى منه جميعا، وأيضا لتدنى المستوى الثقافى لم يستطع أن يعول نفسه من خلال الرسم الذى تعشقينه..

وحاولت يد من الجماهير أن تصفق بشدة، ولكن جميع الأيدى نهرتها بشدة، فقالت هذه بخجل:
-  آسفة.. يبدو أنى لم أستطع أن أنسى مهنتى السابقة..
ثم أضافت والدموع تحبس صوتها:
-  كان يجبرنى على ذلك رغم عشقى للعمل فى ميكانيكا السيارات..
ونظرت إليها الأيادى الأخرى بشفقة، وربتت عليها إحدى لتخفف من ألمها، وكان الجميع قد عرفها فهى دائمة الظهور على شاشات التليفزيون.. وتحدث الزعيم:
-  إننا لا نريد أن تأخذنا الانفعالات.. ونأتى بأفعال قد نندم عليها فى المستقبل..
-  إذن ما هى خطتنا فى المستقبل؟
-  سوف نحدد مطالبنا، وننتظر تستيقظ الأجساد، ثم نمليها عليهم، وإن هم وافقوا كان بها
-  وإن رفضوا..؟
-  وقتها تبرز الأحداث تصرفات أخرى..
-  وهل تم الاتفاق على المطالب؟
-  نعم وهى كما يلى:
أولا: توزيع الأيدى على الأفراد بما يتناسب مع طبيعة كل يد وعقلية الفرد الموزعة عليه
ثانيا: ألا يحاول الأفراد استخدام هذه الأيدى فى الأغراض غير المشروعة.
ثالثا: يجب أن تستخدم الأيدى وبشكل مكثف فى الأغراض السلمية والتى تأتى بالخير على
البشرية جمعاء.
رابعا: على الأيدى أن تطيع كافة أصحابها مادامت لا تخرج عن هذه المطالب التى تم
تحديدها فى البنود السابقة.
وظلت الأيدى الهاربة فى حالة هدوء تام حتى أشعة الشمس الأولى وهناك فى حجرات النوم كانت الأجساد تسبح فى نوم عميق والشعور بأنهم بدون أيدى حسبه الجميع حلم، فكان النائم يبتسم لمرور مثل هذه الفكرة الساذجة على خياله ثم يكمل نومه الهادئ..
وفى الصباح كانت المفاجأة.. الدهشة استولت على الجميع.. وحدثت اتصالات واسعة بين الأجساد فى المدينة، ولكن لا أحد يدرى سبب ما حدث ولماذا غادرت الأيدى الأجساد وظلت هذه الأجساد داخل المنازل فى خجل شديد..

وأرسل زعيم الثورة رسالة إلى قادة المدينة يخبرهم فيها بما حدث باختصار شديد، ثم ألحق فى نهاية رسالته أن لهم مطالب..

تلقى كبير رجال المدينة الرسالة وهو فى حالة من الضيق الشديد المغلف بسخرية هشه واجتمع كبار رجال المدينة وتدارسوا الأمر فيما بينهم، وكانت صيحات الاستنكار تعلو بين الفينة والأخرى، وتوصلوا فى النهاية إلى نداء أذاعته كافة شبكات الإذاعة، واقترح البعض بثه على شاشات التليفزيون..

(فكانت المذيعة التى ستلقى النداء هى من جعلت ظهور النداء يتأخر قليلا )
وكان نص النداء:

إلى السادة مجلس قيادة ثورة الأيدى الكرام.. إلى الأيادى الثائرة
بعد التحية..
نرجوا من سيادتكم التزام الهدوء.. والعودة كل يد إلى صاحبها دون أن تحدث أية مضاعفات للموقف... وإلا سنضطر آسفين لاتخاذ اللازم..
كبار رجال المدينة
وابتسمت الأيدى فى هدوء وقال بعضهم همسا:
-  إنهم الآن عجزة ولن يستطيعوا عمل أى شئ..
-  نعم إنها عاده.. التهديد والوعيد.. ولكن الأمر هنا يختلف..
-  عنادهم سوف ينتهي غدا على أكثر تقدير..
ولم ينفض اجتماع كبار رجال المدينة منذ أن بدأ وكان يدور فيه الحوار التالى:
الأول: كان يجب أولا أن نرى ما هى مطالبهم..
الثانى: كيف يحدث ذلك يا سيدى؟.. إن مجرد الموافقة على سماع مطالبهم فيها إذلال كبير لنا..
الثالث: نعم هذا حقيقى.. ولكن ماذا سنفعل إن هم لم يلبوا النداء؟
الرابع: لدى سؤال.. هل يستطيع أحدكم أن يفسر سبب ثورة الأيدى هذه؟ ماذا يعنى
التمرد علينا ونحن نضمن لهم العيش فى راحة ونعيم؟
الثانى: أنا واثق من أن مجلس قيادة ثورة الأيدى من الطبقة العاملة..
الثالث: يجب أن نعرف رد فعلهم بد النداء..
الأول: إذن نرسل لهم مندوبا ليتعرف على رد فعلهم، وأيضا يأتى بلائحة مطالبهم إن
كانوا مصرين على الرفض..
الثانى: ( بعصبية ) إن كان هذا ضرورى، فيجب أن تعلموا أنى لن أتحمل نتائجه.
الرابع: كيف ذلك؟ القرار جماعى، وتتحمل نتائجه الخاصة الجماعة كلها..
الثانى: ( يقف فى مكانه ويحاول أن يشير إلى الرابع مهددا ولكنه يلاحظ أن لا يد له
فيهدأ بعض الشىء ) ولكنى أرفض اللجوء إلى الحلول السلمية هذه..
الأول: وما هو الحل من وجهة نظرك؟
الثانى: استخدام القوة بالطبع..
الثالث: وكيف يتأتى لنا ذلك ونحن عاجزين كما ترى؟ ثم إن هلكت أيدى واحدة عند
استخدام القوة قد تكون يدك أنت أو يدى أنا..
الثانى:..........
الرابع: ( إلى الثانى ) يبدو أن تهورك الدائم أنساك قيمة الأيدى وقدرتهم..
وفى النهاية تم إرسال المندوب الذى عاد بعد دقائق وهو غارقا فى عرقه:
-  الأيدى الثائرة ترفض تلبية النداء إلا بعد الإطلاع على مطالبهم وتحقيقها..
وأخذ المندوب يقرأ المطالب حتى انتهى..
الأول: إذن الأمر واضح ويسير.. فلتعد الأيدى إلى ما تريد..
الثانى: كيف ذلك يا سيدى؟ ألا تعلم أن ذلك سيقلب الأمور رأسا على عقب، ألا تدرى
وأنت رجل مستشار أنه قد تعود إليك يد فلاح.. أو يد عسكرى مرور..

( ارتجف داخل الأول عند سماعه كلمة " عسكرى مرور " فقد كان يعشق هذا العمل فى داخله ولكن مظاهر الحياة ومتطلباتها أجبرته على عدم تحقيق مثل هذه الرغبة )
ويكمل الثانى: سترى أننا بعد الموافقة على مثل هذه المطالب سيتحول العالِم إلى لص..
والطبيب إلى سائق سيارة أجرة.. والحانوتى إلى...

الثالث: الأمر إذن أخطر مما تصورنا " ثم نظر إلى نفسه " هل يدى التى لا أعرفها من
المحتمل أن تذهب بكيانى الذى بنيته طيلة حياتى..؟! وزوجتى.. وأولادى؟
الرابع: دعك من المظاهر وإن كنت أخشاها أنا الأخر.. ومن تخشى منهم كالزوجة
والأولاد سوف يحدث لهم مثل هذا أيضا.. دعك من كل هذا ويجب أن نفكر
بجدية..
الثالث:................
الأول: علينا أن نرسل إليهم لتخفيف مطالبهم..
الرابع: ماذا تقصد؟
الأول: أن تعود الأيدى الثائرة إلى أصحابها، ثم نقدم لهم الضمانات الكافية لتلبية
طلباتهم..
الثانى: وهل نستطيع أن نعيش فى عالم مثالى كما يطلبون؟
الأول: " بدهشة " وماذا فى ذلك؟
الثانى: إنك تعيش فى حلم يا صديقى.. ألا تدرى أن اقتصاد المدينة يعتمد كلية على
صناعة الأسلحة..؟
الثالث: ووقتها يجب أن نترك هذا الجزء من الأرض الذى تم احتلاله من المدينة
المجاورة، ونترك بذلك مصدر مهم من مصادر الثروة؟؟!
الرابع: ويجب أن نعيش بأى حال، وهذه ضروريات عالمية..
الأول: ولكن مطالب الثورة واضحة..
الثانى: يجب أن نستخدم القوة.. ولا تسألونى كيف..
الرابع: لدى فكرة..
أصوات متداخلة: ما هى؟
الرابع: سأحدثكم عنها فيما بعد.. فما عليكم هو الانتظار..
وفى الساحة المتسعة تقف إحدى الأيادى قائلة:
-  إنهم يصرون على تجاهلنا كيلا يحققون مطالبنا.. يجب أن نتعامل بالقوة..
-  كيف ذلك؟ هل تقصد أن تتحول ثورتنا إلى ثورة حمراء؟
-  لن يحدث ذلك إن هدفنا هو البناء لا التخريب..
-  حتى إن كان فى ذلك فشل للثورة؟
-  وليكن..
-  لقد مر يومان ولم يسأل أحدهم عنا " نظرت اليد المتحدثة إلى الأرض " ونحن نتضور جوعا ولا نستطيع أن نحصل على غذاؤنا دون أجسادنا..
-  هذه هى المشكلة الكبرى.. نعم لن نستطيع العيش دونهم.. لذا آثرنا أن تكون ثورتنا بيضاء..
-  إن طال الانتظار سوف نموت جوعا..
-  لن يحدث ذلك، فنحن نستطيع العودة إلى الأجساد فى أى وقت..
-  ولكن عودتنا تعنى الضياع الكامل إلى الأبد..
-  ليس إلى الأبد....

وفى حجرة كبار رجال المدينة
الأول: اليوم الثالث قد انتهى.. ومازلنا نجلس ننتظر.. أخبرنا بفكرتك التى أحرقنا
الشوق إليها..؟
الرابع: " متلعثما " من الأفضل ألا أقولها الآن.. وليكن غدا..
الثانى: حالة الركود فى تزايد.. والخسائر فادحة..
فى الساحة تساقطت الأيدى الصغيرة وجزعت بقية الأيدى، وتحدث الزعيم فى أسى:
-  حفاظا على سلامة أرواحنا، وحفاظا أيضا على مبادىء ثورتنا البيضاء قررنا ـ مجلس قيادة الثورة – عودة كل يد إلى صاحبها، وإنى لشديد الأسف لذلك، ولكن كما ترون إننا نتساقط، ونحن ضد الموت سواء منا أو منهم..
-  " بشدة " أليس لديهم رحمة؟؟
-  لو كانت لديهم الرحمة ما كنا خرجنا فى ثورة..
الزعيم: إننا سوف نعود وأرجو ألا يضع أحد فى اعتباره أن فى ذلك تقليل من كرامتنا،
وسوف ترون بأنفسكم كيف سيتعاملون معنا بعد عودتنا، وكما ذكرت إن أشد
الخسائر ستكون ربحا لنا..
فى شوارع المدينة:
الرابع: ألم أقل لكم؟
الثانى: أنت لم تقل شيئا. كل ما ذكرته هو أنك تحمل فكرة وفقط..
الرابع: إن فكرتى – التى لم أكن أثق فى نجاحها بالشكل الكامل – كانت تتمثل فى
المماطلة وتجويعهم، وهذه هى العصا التى تساق بها الرعية، ولم أذكر لكم ذلك
خوفا من تسرب الأخبار..
الأول: " ينظر إلى يده بإعجاب حتى أنه يرفعها ويقبلها " لقد عرفت قدر يدى..
الثالث: سأحافظ عليها وفى الليل سأغلق باب حجرتى وأخفى المفتاح..
الرابع: تخفيه بماذا؟
الثالث:...............


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى