الاثنين ٣٠ حزيران (يونيو) ٢٠٠٨
بقلم رضا سليمان

صعود فرعون

الشخصيات

 
الحكيم.......................................................................................(رجل مسن يتميز بالوقار والحكمة)
ناخت........................................................................................... (شاب فى الثلاثين من عمره)
الفتاة (نفر كا)................................................................. (فى العشرين من عمرها – جميلة)
الفرعون.................................................................................. (حاكم البلاد)
الضابط......................................................................................(ممتلئ – نرجسى)
الحارس................................................................................... (الذراع اليمنى للضابط)
شاب........................................................................................... (من تلامذة الحكيم)
الشاب (سحتب).......................................................... (اللص)
عامل الجبانة.
رجل.
رجل 1.
رجل 2.
فتى 1.
فتى 2.
جموع.
 

الفصل الأول

 
المشهد الأول
==========================================
(أصوات تأتى من الخارج زحام شديد " سيارات – كلاكسات – زحام بشرى – صراخ – انفجارات.. إلخ.. تظل فترة ثم تتلاشى تدريجيا..)
تدخل موسيقى الهارب.. من الخارج أيضا يأتى صوت نسائي رخيم:
ص نسائي تدور عجل الزمان.. وتتغير معالم المكان.. ولكن
الإنسان هــو الإنسان..
ولنذهب معا عبر آلاف السنين، فنشاهد حال البلاد فى أحد العصور الفرعونية، كانت خرابا، ولم تجد من يهتم بها، ولا من يتكلم عنها، لقد اختفى كل شيء طيب، وصارت البلاد طريحة الشقاء، فوصلت إلى..
(يتلاشى الصوت والموسيقى مع رفع الستار على فرقة مكونة من عشرة أفراد تقريبا من الجنسين، فى ملابس فرعونية قديمة ممزقة وسيئة وشعر أشعث، ذلك الحال الذى يقال عنه "حفاة عراة "..
أفراد الفرقة يقفون فى أوضاع مختلفة على خشبة المسرح فى وضع
الثبات وجوههم عابثة للحظات..
الخلفية عبارة عن بيوت العامة الفرعونية، قطع صخرية موزعة بغير
نظام وتصلح للجلوس..
فجأة ومع دخول موسيقى مناسبة يتحرك الجميع بشكل هستيري يتنازعون فى شكل استعراضي على شئ ما، وكل فرد يخطف من الأخر أى شئ " كسرات خبز – ملابس ممزقـة " يستمر هذا الوضع فترة، توضح لنا تلك الحالة السيئة التى وصلت إليها العامة فى أحد العصور الإقطاعية.. عدا شاب واحد يقف فى جانب ويدعى ناخت ورغم أنه أشعث أغبر إلا أنه وسيم ومفتول العضلات قوى الشخصية حاد النظرات..
يدخل الحكيم الفرعونى، وهو رجل مسن فى ثياب ممزقة أيضا لحيته طويلة صوته عريض يتوكأ على عصا، يدخل من جهة اليمين ويسير ناظرا للأفراد بأسى وحزن شديد حتى يصل إلى منتصف المسرح ويجلس على صخرة ناحية اليسار بحيث يواجه الجمهور، تهدأ حركة الجمع تدريجيا، بشكل يدل على عدم احترام للحكيم، يبدأ الجمع فى الجلوس التدريجى على الأرض حول الحكيم وهم يتناوشون ويتنازعون والحكيم صامت حتى تهدأ الحركة.. وتتلاشى الموسيقى تدريجيا مع هدوء حركة الجمع..
ناخت هيا.. هيا.. لقد أتى الحكيم.. سوف نبدأ درس اليوم (يشير إلى الأفراد ويتوجه ليجلس أمام الحكيم وخلفه باقى الجمع)
الحكيم أرجو أن تنصتوا إلى يا أبنائى.. (الأولاد يتحركون بلامبالاة) اليوم لا تأبهون بوجود الحكيم بينكم، بينما كنا فى الماضى نخاف من معلمنا أشد الخوف، نخاف منه ونحبه، وننتظره بلهفة وننصت إليه باهتمام بالغ.. أما اليوم فأنتم لا تهتمون بوجودى بينكم (يصمت لحظة)
شاب هل انتهى درس اليوم أيها الحكيم؟
الحكيم انتهى؟! أنا لم أبدأ الدرس بعد يا فتى؟
شاب ولماذا تصمت..؟ تحدث.. هيا تحدث.. تحدث يا رجل ولا
تخشى شيئا.. (يضحكون)
الحكيم (باستياء) وأى شيء أخشاه؟!.. لم يعد هناك ما أخشاه ولم أعد أريد من هذه الدنيا شيئا..
شاب (يشير إلى الحكيم ساخرا ويتحدث هامسا) آخر الرجال المحترمين
الحكيم سأحدثكم اليوم عن أيام مضت، كانت مثل تلك الأيام التى نعيش فيها، وعن رجل يدعى سقننرع..
شاب (ساخرا) من؟
الحكيم سقننرع..
شاب أعرفه.. إنه لص الجبانات..
الحكيم لص الجبانات؟! لا يا بنى.. لقد كان حاكما على المدينة الجنوبية طيبة.. وكان يعيش فى قصره، وبجوار القصر بحيرة تحتوى على جاموس البحر
ناخت لم تعد مثل هذه الحيوانات موجودة اليوم..
شاب لو كانت موجودة لأكلناها..(يضخم صوته علامة الشراهة)
الحكيم الناس اليوم لا يجدون ما يأكلون؟ لقد قضوا على كل شيء فى البلاد.. لقد أكلوا حيوانات الشوارع، حتى النهر أصبح خاويا من الأسماك..
ناخت ماذا حدث بعد ذلك يا سيدى؟ سقننرع كان يجلس فى قصره وعنده بحيرة تحتوى على جاموس البحر.. ثم ماذا؟
الحكيم وكان الغزاة.. الهكسوس قد دخلوا البلاد..
ناخت حتى طيبة نفسها؟
الحكيم كانوا يريدون دخول طيبة بأى وسيلة، وهذا ما جعل ملكهم يرسل من مقره فى مدينة أواريس إلى سقننرع فى طيبة رجاله مدعيا أن جاموس البحر الذى يعيش فى بحيرة طيبة يقض مضجعه ويزعجه بأصواته المرتفعة.
ناخت ماذا؟ أصوات جاموس البحر فى طيبة تزعج من يعيش فى أواريس؟! إن المسافة بينهما مسيرة أيام أيها الحكيم؟
الحكيم لقد كان ملك الهكسوس يتصنع الأسباب حتى يدخل إلى طيبة ليحتلها يا بنى، فأرسل رجاله يطلبون من سقننرع أن يأمر بالقضاء على جاموس البحر الموجود فى البحيرة لأنه يقلق حاكم الهكسوس فى أواريس..
ناخت وماذا فعل سقننرع أيها الحكيم؟
الحكيم ظل سقننرع صامتا فترة طويلة من الزمان حتى إنه بكى..
ناخت بكى؟!
الحكيم من ضعفه يا بنى..
ناخت ثم ماذا؟
الحكيم استدعى رجاله وحاشيته وعرض عليهم كل ما حدث..
ناخت هل فهموا الأمر؟ هل اتفقوا؟! هل أعلنوا الحرب على الغزاة؟
الحكيم قلت لكم فى البداية، سوف أحدثكم عن أيام أشبه باليوم.. لقد ظل سقننرع ورجاله صامتين، بل إنهم أكرموا رجال ملك الهكسوس وأمروا لهم بكل شيء طيب، وأقسموا لهم بأنهم سوف ينفذون كل ما يأمر به ملكهم فى مدينته أواريس، أى ذل هذا، أى مهانة هذه؟
ناخت حقا ذل ومهانة.. هذا شيء فظيع أيها الحكيم..
الحكيم نعم يا بنى.. ويجب ألا ندع مثل ذلك يتكرر اليوم.. هذا هو أهم ما أردت أن أحدثكم به اليوم..
شاب (الذى يظهر ضيقه بمثل هذا الحديث) الأهم الأن يا سيدى، هل انتهيت من حديثك؟
الحكيم ليس بعد..
شاب أكمل إذن.. (بسخرية وهو يناوش جاره)
الحكيم كل ما أردت قوله هو أن نعمل بجد ونتحد حتى نكون قوة كبرى نستطيع أن نواجه بها الأخطار الخارجية..
شاب نعمل؟!.. نعمل لماذا ولمن؟
الحكيم لأنفسنا..
ناخت (ساخرا) لأنفسنا؟!.. إنهم يجوبون الطرقات ويقتحمون البيوت ويأخذون كل شيء..
الحكيم من؟!
ناخت ألا تعرفهم يا سيدى الحكيم.. ألا تراهم يأخذون الزرع من الأرض بعد أن يقضى الفلاح فى رعايته الشهور.. ألا تراهم وهم يسجنون ويقتلون كل من يعترض، الأمر جد محير يا سيدى الحكيم.. إنهم هناك يعيشون داخل قصورهم فى بذخ ولا يعلمون شيئا عنا، فلماذا نعمل إذن؟
شاب نعمل وننتج لهم.. أليس هذا ما تريده يا معلم؟
الحكيم إن كانوا هناك لا يعلمون شيئا فيجب أن يصل صوتنا إليهم..
ناخت هذا هو الصواب ولكن كيف؟
شاب أحسب أن مثل هذا الأمر يحتاج إلى سنوات وسنوات، أما الأن يا سيدى الحكيم نحن جوعى ونريد الطعام.. هل انتهيت من درس اليوم، حتى نخرج لنبحث عن أى كسرة خبز؟
الحكيم (بيأس) نعم.. لقد انتهيت يا بنى..
(يقف الحكيم ويتحرك خارجا من المسرح فى هدوء وهو يتابع المجموعة الذين يقفون ويتصارعون على أشياء كما كان فى بداية المشهد، وناخت يرحل فى هدوء)
الحكيم لقد انتهى كل شيء جميل.. لقد انتهى كل شيء جميل..(وقبل خروجه يواجه الجمهور ويقول بانفعال شديد)..
لقد انتهى كل شيء..
 
------- إظلام -------
 
المشهد الثانى
--------
(حركة الجمع والنزاع فى الشارع بين أفراد الشعب وزحام شديد حول رجل يقف فوق مكان
مرتفع وهو عامل الجبانة الى يرتدى ثيابا أنيقه وملامحه ذات مكر ودهاء)
عامل الجبانة أنصتوا إلىّ يا سادة.. أنصتوا.. الهدوء.. أرجو الهدوء.. لدى عمل كثير فى الجبانة، وتركته كى أوضح لكم ما تريدون..
رجل 1 لقد حضرت أنا أولا يا سيدى عامل الجبانة العظيم ومن حقى أن أسأل على ما أريد أولا..
رجل 2 بل أنا الذى حضرت قبله يا سيدى.. ثم.. إن زوجتى مريضة ويجب أن أكون إلى جوارها يا سيدى..
عامل الجبانة سوف يعرف الجميع ما يريد ولكن بشئ من الهدوء.. ها.. (يشير إلى الرجل الأول) ماذا تريد أنت؟
رجل 1 (يبتسم فى سعاده لأنه اختاره كى يبدأ بالحديث وينظر إلى من يجاوره فى شماته) أريد يا سيدى عند موتى أن يتم تحنيطى ودفنى فى مقبرة خاصة.
رجل 2 (يلكزه فى كتفه فيترنح الأخر علامة ضعفه..) تحنيطك ودفنك فى مقبرة خاصة؟! أمن الملوك أنت يا رجل؟!
رجل 1 (يعتدل) أليس من حقى يا رجل أن أحظى بمعاملة كريمة بعد موتى بعد أن فقدت هذه المعاملة أثناء حياتى؟
عامل الجبانة من حقك يا رجل، كل ما تطمع فيه من حقك ولكن يجب أن تعرف أولا ما نقدمه نحن عمال الجبانة من خدمات جليلة لموتانا حتى ينالوا الراحة الكاملة فى العالم الأخر؟
رجل 2 تحدث يا سيدى.. وكلنا أذان مصغية..
عامل الجبانة أنتم تعلمون أن عملية التحنيط تمر بعدة مراحل وأنها ليست عملية سهلة، فتحنيط جسد واحد من أجسادكم يستغرق سبعين يوما كاملة غير ما تحتاجه هذه الأيام من مصروفات ومواد..
رجل 2 نعلم ذلك يا سيدى..
عامل الجبانة أود بعد ذلك أن أخبركم بأنه توجد لدينا عدة مستويات لتحنيط الموتى..
رجل 1 عدة مستويات؟!
عامل الجبانة نعم يا رجل.. مستوى للفرعون ورجاله من الوزراء والكهنة وقادة الجيش..
رجل 1 وما هو المطلوب لهذا الصنف يا سيدى؟
عامل الجبانة تابوت من خشب الصنوبر المنقوش والمصقول بالذهب والمطعم بالأحجار الكريمة من اللازورد والماس والعقيق الأحمر وأجر عمال الجبانة مائة دبنا من الذهب ومثلها من الفضة والنحاس أيريد أحدكم أن يعامل جسده بعد وفاته على هذه الصورة؟
(الأفراد ينظرون إلى ثيابهم الممزقة فى أسى وحزن)
رجل 1 من أين لنا بمثل هذا يا سيدى الطيب؟
رجل 2 ألا يوجد مستوى آخر؟
عامل الجبانة يوجد مستوى خاص بكبار التجار والصناع.. وهذا يحتاج إلى..
(تدخل الموسيقى ويتلاشى صوت عامل الجبانات ومازال يتحدث إليهم والجمع ينصت إليه فى أسى وبعد لحظات يسقط بعضهم على الأرض ومن فرط ذهولهم يغشى على بعضهم بينما يستمر عامل الجبانة فى الحديث والشرح، حتى تتلاشى الموسيقى ويظهر صوت عامل الجبانة مرة أخرى)
عامل الجبانة أما عن آخر مستوى لدينا، فهو عبارة عن أننا نتيح الفرصة لأسركم بعد وفاتكم بأن يحملوا الجثمان ويتوجهوا به إلى الجانب الغربى من النيل وحفر حفرة صغيرة فى الصحراء وإلقاء الجسد فيها ثم إهالة التراب عليه وذلك فى مقابل بسيط
رجل 1 ألهذا المستوى مقابل أيضا؟
عامل الجبانة بالطبع يا رجل.. فى أيامنا هذه لكل شئ ثمن..
رجل 2 وما هو المقابل لهذا المستوى يا سيدى؟
عامل الجبانة معيار من الشعير أو ثلاثة من الملح أو إناءين من الجعة..
رجل 1 ومن أين لنا بمثل ذلك ذلك بعد موتنا.. إننا لو وجدنا ذلك أو أقل منه فى هذه الحياة ما تكالبنا على الموت وتصارعنا من أجله..
عامل الجبانة لا أفهم ما ترمى إليه يا رجل؟
رجل 1 إننا يا سيدى بعد إن ضقنا ذرعا بحياتنا المجردة من كل شئ فضلنا عليها الموت..
رجل 2 بل إن الموت آت لا محالة.. الموت من الجوع يا سيدى، الموت من الجوع يا سادة..
رجل1 ولكننا أصبحنا نتعجله، عله يخلصنا مما نحن فيه..
عامل الجبانة (ينزل من فوق الصخرة ليترك المكان) لقد أتيت إليكم لأوضح لكم كل التفاصيل، ومن أراد أن يتعامل معنا فى أى مستوى فليأت إلى الجبانة ويقدم المطلوب منه..
رجل 1 ومن لم يجد يا سيدى؟ بلاش يموت؟
عامل الجبانة يموت.. ولكن سوف يلقى جسده على قارعة الطريق لتنهشه الكلاب الضالة والتى تئن من الجوع ليل نهار(بلهجة التهديد ثم يخرج)
رجل 1 ضنوا علينا بالحياة والأن يضنون علينا بالموت..
(الأفراد يتحركون فى المكان بيأس بعضهم يبكى وبعضهم يضحك من شدة الأسى والحزن ويصفق يديه ببعضهما، يدخل ضابط ممتلئ قصير وخلفه حارس نحيف بعض الشيء، يدخلان فى ملابس فرعونية أنيقة وفى يد كل منهما عصا غليظة، وما أن يراهم الجمع حتى يصاب بحالة من الرعب، ويقوم كل من الضابط والحارس بتفريقهما، ويجرون فى كل إتجاه والحارس يهرول خلفهم ويستغرق ذلك وقتا حتى يختفى الجمع ويبقى الضابط والحارس وتتلاشى الموسيقى..)
الضابط (يقف فى وسط المسرح مواجها الجمهور ويعود الحارس الذى كان يطارد أخر الرجال ويقف معتدلا إلى جوار الضابط)هل بقى أحد فى الطريق الذى سيمر منه سيدى الفرعون أيها الحارس؟
الحارس لا يا سيدى الضابط.. الطريق خال تماما من العامة والرعاع بداية من قصر الفرعون" سيدى طيب القلب ذو المهابة والمحـبة" (من الممكن هنا إضافة حركة كوميديه بحيث تكون ملازمه لهذه العبارة وهذه الحركة قد تكون رفع اليدين يمينا ويسارا أو المفارقة بين الساقين مع الانحناء للأمام ومد الذراعين فى المواجهة.. إلخ) ومرورا بالمدينة كلها وحتى قصر الفرعون " سيدى طيب القلب ذو المهابة والمحبة " مرة أخرى..
الضابط عظيم.. عظيم..
الحارس ولكن يا سيدى الضابط المحترم.. لى سؤال؟
الضابط (ينفعل) سؤال؟!(يلتفت نحو الحارس الذى يجرى أمامه) هل وصلت بك الجرأة لأن تسألنى أنا؟ تسألنى أنا أيها الحارس الغبى؟
الحارس (بخوف) يا سيدى.. إننى أبحث عن الصالح العام وعن
مصلحتك أنت على وجه الخصوص (يضغط على الحروف وهو يتوجه ناحية الضابط)
الضابط (يفكر لحظه فيبدو عليه الاقتناع فيتوجه نحو الحارس الذى يخشاه لحظه ثم يطمئن فيعود) إن كان الأمر كذلك فسل عما تريد، ولكن بسرعة موكب الفرعون " سيدى طيب القلب ذو المهابة والمحبة " يستعد للخروج..
الحارس إن مولاى الفرعون" سيدى طيب القلب ذوالمهابة والمحبة "
سيمر الأن ليشاهد عامة الناس ويطمئن على الأحوال..
الضابط نعم أيها الحارس سيمر من أجل ذلك.. إنه يفعلها مرة
كل عشر سنوات، هل رأيت أحد يتفانى هكذا من أجل شعبه؟
الحارس السؤال يا سيدى هو: أين الشعب؟! أين الناس؟
الضابط (يفكر ويتحرك خطوتين) عندك حق أيها الحارس (بسرعة يلتفت نحو الحارس) أقصد أن أمرا مثل هذا كان فى خاطرى وعقلى وكنت سأتحدث به إليك حالا..
الحارس (بغيظ وبصوت منخفض) كان فى خاطرك وعقلك؟ هو إنت
عندك عقل أصلا؟!
الضابط (يقترب منه) أتقول شيئا أيها الحارس؟
الحارس (ساخرا) أقول يا سيدى حدثنى بما يدور فى خاطرك وعقلك
وأنا أنفذ فورا..
الضابط (يفكر لحظة ثم يرتبك ويزوم) قل لى أيها الحارس ماذا تقترح لحل هذه المشكلة؟
الحارس نأتى بمجموعة من رجالنا يرتدون ثياب العامة (يستدرك) ولكنها طبعا ثياب نظيفة وجميلة تدل على أن الشعب يعيش
فى رخاء ونعيم..
الضابط (يكمل فى سعادة) ونجعلهم يقابلون الفرعون وكأنهم أفراد
الشعب ويشكرونه على كل ما فعله معهم..
الحارس (يسخر منه)اسم الله عليك.. ما هذا الذكاء ما هذه العبقرية؟
الضابط (سعيدا فى سذاجة) دائما أفكارى تأتى فى الوقت المناسب..
الحارس (بدهشة) أفكارك أنت؟!
الضابط (بشدة ويشير فى كافة الاتجاهات) نعم.. هل يوجد أحد هنا يفكر غيرى أنا؟
الحارس (يتراجع) لا يا سيدى.. فكر كما تشاء.. فكر وأنا مستنى
جنبك هنا.. (يتوجه إلى صخرة جانبية ويجلس عليها واضعا ساقا فوق الأخرى)
الضابط (يوارى ارتباكه ويتوجه ناحية الحارس لكنه لا يلاحظ جلسته) قل لى أيها الحارس.. ماذا يجب أن نفعله بعد ذلك؟
الحارس بخصوص ماذا؟
الضابط ما هذا الغباء يا رجل.. (بشدة فيعتدل الحارس) أسألك عن الترتيبات اللازمة لمقابلة موكب " سيدى الفرعون طيب القلب ذو المهابة والمحبة "
الحارس تسألنى أنا؟ (ساخرا)ومن أكون أنا إلى جانبك يا سيدى فأنت تتميز بذكاء حاد وقوة بصيرة، وحسن طالع، أما أنا فلا حول لى ولا قوة، فأنا كما ذكرت أنت.. غبى.. أنا غبى.. لذا فكر أنت.. هل هنا أحد يفكر غيرك..؟!
الضابط هذا أمر أعرفه جيدا، فأنا أتميز (يتذكر الكلمات التى قالها
الحارس) أتميز بذكاء..حـ.. محـ.. أه.. بذكاء محدود.. وقوة.. وقوة الصبـ.. البـ.. قوة البصارة.. و.. وماذا قلت عنى أيضا أيها الحارس؟
الحارس حسن طالع يا سيدى.. (بسخرية شديدة)..
الضابط (بسعادة) نعم.. نعم يا رجل.. فأنا أحسن من يطلع فوق أى شئ أنظر.. (يتوجه إلى صخرة مرتفعة ويحاول الصعود عليها ولكنه يفشل فيتوجه إلى صخرة صغير ويقف فوقها).. أترى..
الحارس نعم.. أرى..
الضابط (ينزل ويتوجه نحو الحارس) ولكن.. ذهنى.. ذهنى الأن مشغول ببعض الأمور.. ولكن هذا لا يمنع من أن أفكر (يزوم لحظة) عموما دعنا نحضر عددا عشوائيا من أفراد الشعب من العامة والمختارين بعناية حسب رغبتنا لأن موكب الفرعون على وشك المرور.
الحارس جاهزون يا سيدى الضابط؟
الضابط (بدهشة) من؟!
الحارس أفراد الشعب..
الضابط أبهذه السرعة عرفوا ما أفكر فيه؟
الحارس (بغيظ) ما تفكر فيه؟!.. أنا.. أنا اللى مجهزهم.. منذ مدة يا سيدى..
الضابط وأين هم؟
الحارس (يقترب من باب جانبى ويصفق) أيها الشعب الجميل الذى
يعيش فى حب وسلام.. ادخلوا جميعا.. نحن فى انتظاركم
[ يدخـل الأفراد فى ملابس فرعونية جميلة يتحركون فى هدوء ويقفون صفين أمام الضابط ]
الضابط أهلا بكم يا أبنائى (يتجول بينهم) هل تعلمون تفاصيل المهمة؟
رجل نعم يا سيدى.. نحن نتدرب لهذه المهمة منذ شهور..
الضابط منذ شهور؟!
الحارس نعم يا سيدى الضابط، لقد كنت أعلم ما تفكر فيه أنت منذ شهور لذا قمت بكافة الاستعدادات اللازمة..
الضابط يبدو أنك بدأت تفهمنى أيها الحارس..(يتوجه إلى الحارس الذى يقف إلى اليمين) لذا سوف أنعم عليك بجائزة عظيمة بعد نهاية جولة " سيدى الفرعون طيب القلب ذوالمهابة والمحبة "
الحارس (بسعادة) جائزة عظيمة؟ وما هى يا سيدى؟ ما هى؟
الضابط العظمة الذهبية..
[ يدخل رجل إلى المسرح ليعلن قدوم موكب الفرعون ومن الممكن أن يدخل هذا الرجل بشكل كوميدى كأن يقع عندما يتوقف فجأة..]
رجل 2 موكب " سيدى الفرعون طيب القلب ذو المهابة والمحبة "
[ موسيقى.. يدخل موكب الفرعون وهو عبارة عن عدد من الأفراد يسيرون فى صفين وخلفهم الفرعون على محفته محمولا على الأعناق يجلس على كرسى ضخم ويرتدى الثياب الملكية الفخمة ويمسك في يده الصولجان ومفتاح الحياة وينظر ناحية الجميع بهدوء، يقف الموكب ويبقى الفرعون محمولا على الأعناق طوال المشهد وحامليه يتألمون..]
الضابط (يشير نحو أفراد الشعب ويهتف بصوت مرتفع) يعيش مولاى
الفرعون..
أصوات يعيش مولانا الفرعون..
الضابط نموت فداء للفرعون..
أصوات نموت فداء للفرعون..
الفرعون ولما انتوا تموتوا أبقى أنا فرعون على مين؟
الضابط هؤلاء من العامة يا مولاى الفرعون، وهم يرحبون بك، وكما ترى يسيرون ويرتدون أحسن ثياب.. ويعيشون فى هناء وسعادة (وهو يشير إليهم ويطيل فى نطق الكلمات)
رجل ولكننا أصبحنا نعانى يا مولاى.. الشعب أصبح يعانى..
الضابط (بخوف وينظر ناحية الحارس الذى يبتسم له) ماذا؟ ماذا
تقول يا رجل؟ تعانى؟!
الفرعون دعه يتحدث أيها الضابط.. (إلى الرجل) مما تعانون يا رجل
تحدث ولا تخف..
رجل إننا يا سيدى الفرعون الطيب نعانى من الراحة وكثرة الطعام
ووفرة المال، إننا يا مولاى لا نجد ما نفعله (بتأثر) لا نجد ما نفعله حقيقة.. (الضابط سعيد)
الفرعون عندك حق يا رجل، الراحة عناء وكثرة الطعام تولد الأمراض.
رجل بماذا تنصحنا يا مولاى الفرعون سيد الشمال والجنوب؟
الفرعون إذا تألمت من الراحة فعليك بالحركة، اخرج مثلا فى رحلة صيد أنا أفعل ذلك باستمرار.. أو ابحث عن مغامرة ما الحياة مليئة يا رجل..
(الرجال أسفل المحفة يتألمون ويتبادلون المواقع وهكذا)
أما عن الطعام فيجب أن تعود نفسك على ألا تصل إلى مرحلة ملء البطن وإذا تبقى أمامك طعام دعه للحيوانات والطيور..
الحارس (يهتف) يعيش الفرعون العظيم..
الأصوات يعيش الفرعون العظيم..
الحارس يعيش ملك الراحة والفخفخة..
الأصوات يعيش ملك الراحة والـ..(يندهشون من الكلمة فيصمتون)
الضابط ماذا قلت أيها الحارس؟
الحارس أقصد يا سيدى أن أقول..
[ هنا يدخل " ناخت " فى ملابسه الرثة، يجرى ناحية الفرعون والحارس يمنعه، وأحد
حاملي المحفة يحاول جذبه ليحل محله.. وهكذا..]
ناخت مولاي الفرعون.. سيدى الفرعون العظيم..
الحارس ابتعد من هنا..
الضابط من هذا أيها الحارس؟ معانا ولا علينا..؟!
الفرعون ابتعد أيها الضابط أنت وحارسك.. ماذا تريد يا فتى؟
ناخت أريد أن تعرف الحقيقة يا مولاى..
الفرعون أية حقيقة؟
ناخت (يشير إلى الموجودين) هؤلاء ليسوا من شعبك يا مولاى
الفرعون ليسوا من شعبي؟! شعب من إذن؟
ناخت شعبك الحقيقي أبعدوه بالقوة حتى لا تراه، أما هؤلاء فهم
موظفوك وأذناب حاشيتك المنتشرون فى كل مكان..
الفرعون أوضح أكثر يا فتى؟
ناخت شعبك الحقيقى يا مولاى محبوس خلف هذه الجدران محرم عليه ألا يراك أو تراه، محرم عليه أن يتحدث إليك بكلمة..
الفرعون يا رجل.. إن الطريق إلى مفتوح دائما، ويوميا أسأل رجالى هل من مسألة لأحد حتى أحلها له فلا أجد..
الضابط هذا صحيح يا مولاى..
ناخت صدقنى يا مولاى.. لا أحد يستطيع الوصول إليك..
الفرعون كيف ذلك وكان هنا أحد أفراد الرعية يحدثني قبل أن تأتى
مباشرة وكان يعانى من مشكلة كبيرة وأنا وجهته إلى الطريق الصحيح وسوف يخرج فى رحلات صيد..
ناخت رحلات صيد؟! يا مولاى شعبك لم يعد يجد الطعام..
[ الحارس يشير إلى المجموعة وكأنه مايسترو أمام فرقة والمجموعة تصطف فى شكل استعراضى ]
أصوات إننا نعانى من كثرة الطعام يا مولاى..
الفرعون أرأيت؟
ناخت (يشير إلى ثيابه) شعبك لا يجد ما يرتديه..
[ الحارس يشير إلى المجموعة ]
أصوات إننا نعانى من كثرة الثياب..
ناخت (بأسى) شعبك يعانى من الجفاف..
[ الحارس يشير إلى المجموعة ]
أصوات إننا نعانى من الإسهال..
ناخت (متألما) يا مولاى.. صدقنى.. يجب أن ترى الشعب الحقيقى بعينك لا بعين رجالك..
الضابط (يقترب من ناخت) أحسب يا مولاى أن هذا الرجل مجنون
ناخت أنا لست بمجنون، أتركني.. أنا أتحدث بالحقيقة كاملة..
الفرعون أى حقيقة يا رجل؟! أتريد أن أصدقك وحدك وأكذب
هؤلاء (يشير إلى الجميع)
الضابط ألم أقل لك يا مولاى، إنه مجنون، ابعدوا هذا المجنون من هنا وضعوه فى مكان أمين حتى يعود إليه عقله..
الفرعون نعم.. ضعوه فى مكان أمين وقدموا له كل ما يريد حتى يعود إليه عقله، ويعيش فى سعادة وسط أفراد شعبنا الحبيب
(يشير الفرعون للموكب فيتحرك خارجا من المسرح - الرجال يقبضون علي الشاب ناخت)
الحارس أين المكان الأمين الذى سنضع فيه هذا المجنون يا سيدى؟
الضابط السجن طبعا..
-------------- إظلام ---------------
 
المشهد الثالث
-------
نفس الديكور السابق والفرقة المكونة من عشرة أفراد تقريبا من الجنسين فى ملابس فرعونية قديمة ممزقة وسيئة وشعر أشعث..
أفراد الفرقة يقفون فى أوضاع مختلفة على خشبة المسرح فى وضع الثبات وجوههم عابسة.. بينما يأتى الصوت الرخيم من الخارج مصحوبا بموسيقى الهارب الفرعونية:
صوت تتوقف عجلة الزمان.. ولا تتغير معالم المكان.. ويبقى الإنسان هو الإنسان..
(فجأة ومع دخول موسيقى مناسبة يتحرك الجميع بشكل هستيري يتنازعون
فى شكل استعراضي على الفتيات اللائى يحاولن الفرار من مطاردة الشباب يستمر هذا الوضع فترة..
تدخل فتاة جميلة ترتدى ثياب فرعونية رثة وشعرها مسدل وعلى وجهها حزن عميق وتتفادى الصراع حتى تتوسط خشبة المسرح، تنظر إلى الجميع ثم تجلس فوق صخرة، ثم تتحدث بهدوء)
الفتاة لماذا فعلت ذلك يا ناخت؟ لماذا تكلمت يا حبيبى؟ كنت دائما تقول لى صاحب الحق ضائع فى هذه البلاد، كنت دائما تقول لى حاشية الملك يقتلون كل من يريد إصلاح البلاد.. كنت تعرف كل ذلك يا ناخت ثم تذهب وتتحدث أمام الفرعون وأمامهم بمثل هذا الكلام؟! (تبكى) تركتنى وحيدة فى هذا المكان.. لا مأوى.. ولا طعام.. كنت أتدثر بك يا حبيبى.. كنت زادى الدائم..
[ يدخل إلى المسرح الحكيم، يتفادى حركات الفرقة العصبية المستمرة حتى يصل ويقف خلف الفتاة وهى تبكى، ينظر إليها لحظات ثم ينظر إلى الجمع، ثم يواجه الجمهور، ويتحدث بهدوء
الحكيم حقا.. لقد شحب الوجه والمجرمون فى كل مكان ولا يوجد رجل من رجال الأمس المحترمين، النيل فى وقت الفيضان ومع ذلك لا يوجد من يحرث أرضه، فالكل يخشى الغد ولم يعد أحد يعرف ماذا حدث فى البلاد ماذا حدث (يبكى – تقف الفتاة وتنظر إليه ثم تشاركه البكاء)
الفتاة حقا ما تقول أيها الحكيم.. الكل يقول: لا نعرف ماذا حدث فى البلاد.. لا نعرف ماذا حدث فى البلاد.. وعندما قال ناخت حبيبى ذلك، اختفى وعندما سألت عنه قالوا: ذهب إلى مكان أمين..!!
الحكيم ذهب ناخت إلى مكان أمين؟
الفتاة نعم أيها الحكيم..
الحكيم وهل يوجد اليوم مكان أمين؟
الفتاة (تبكى) تركنى وحيدة..
الحكيم (ينظر إليها بأسى) يا إلهى ارحم هذه الأرض.. يا إلهى لقد صارت النساء عاقرات.. يا إلهى ارحم هذه الأرض..
الفتاة أخبرنى أيها الحكيم.. لماذا وصلت أحوال البلاد إلى ذلك الوضع (تشير إلى أفراد الفرقة فى الخلفية الذين يتحركون بضعف الأن)
الحكيم غابت الأخلاق.. ومن كان يرقع نعليه بالأمس أصبح اليوم صاحب ثروة..
الفتاة نعم.. لقد رحل كل جميل..
الحكيم الرجل الحكيم يا بنيتى، أصبح اليوم لا يجد ما يرتديه (يشـير إلى ثيابه) ولا يجد ما يسد به رمقه (يضع يده على بطنه علامة الجوع) أصبح الرجل الحكيم اليوم منبوذا مكروها..
الفتاة (تدور فى المكان) ليت هذا فحسب.. لقد انبث الوباء فى الأرض.. والدم صار فى كل مكان، ومن يعش هناك.. فى ذلك المكان الأمين.. لا يرى شيئا.. أيديهم مغلولة وأعينهم لا ترى إلا ما تتمتع به، وألسنتهم صامتة عن الحق، أيها الحكيم؟ ألم ترى الناس فى كل مكان..؟ لقد أصبحوا عظاما فوق عظام، لقد انتشرت القاذورات فى كل مكان ولا يوجد فرد واحد فى ملابس بيضاء نظيفة.. (تبكى) أين أنت يا ناخت؟ أين أنت يا حبيبى؟
الحكيم حقا ما تقولين يا بنيتى.. لقد صار اللص صاحب ثروة وانتشرت النيران فى كل مكان.. إلا مكانا واحدا..
الفتاة أين هو؟
الحكيم (يشير بيده) هناك.. قصر الفرعون..
الفتاة تقصد المكان الأمين؟
الحكيم ليس بالمكان الأمين يا فتاتى (بشدة) أبدا ولن يكون.. (بهدوء) نعم هم يعيشون اليوم فى رخاء وسرور..
الفتاة هم يعيشون فى رخاء وسرور، والناس حالهم هكذا؟!
الحكيم الناس؟.. أين هم..؟ أصبحت الأرض الحمراء فى كل مكان.
الفتاة الأرض الحمراء؟!
الحكيم أبناء البلاد الغريبة.. البعيدة يا فتاتى.. البعيدة..
الفتاة (تنظر فى كل اتجاه) أين هم أيها الحكيم؟
الحكيم ابحثى عنهم داخل العقول.. داخل القلوب.. (يتحرك ليترك المسرح ومازال يقول بيأس) خُربت المنازل.. والنساء تبكى.. النساء تبكى وتقول.. (يختفى)
الفتاة (تحدث نفسها وهى تضع يدها فوق بطنها) أشعر بجوع رهيب ألا يوجد أى شئ..(تنظر فى عدة اتجاهات)
(يعود الحكيم فجأة)
الحكيم آه يا فتاتى.. أين أهلك؟
الفتاة ماتوا..
الحكيم ماتوا جميعا؟!
الفتاة من بقى منهم على قيد الحياة تركنى ورحل بعد أن رفضت أطماعه المتوحشة.. (تبكى وتتحدث بصوت منخفض) حتى حبيبى ناخت رحل.
الحكيم يا للفظاعة..(يتوجه خارجا) يا للوحشية.. أصبح الأحياء مثل الأموات ليتنا نموت لنستريح من هذه الحياة.. ليتنا نموت لنستريح من هذه الحياة..
(يخرج الحكيم.. أفراد الفرقة يتحركون بصعوبة حتى إن بعضهم بدأ يسقط من شدة التعب)
الفتاة ليتنا لم نولد أيها الحكيم.. ليتنا لم نولد أصلا.. لقد رحل كل شئ جميل ومن كانوا فى المكان الطاهر ألقوا على قارعة الطريق بدون مأوى أو طعام..
(تضع يدها فوق بطنها)
(يسقط أفراد الفرقة جميعا مغشيا عليهم، يعود الحكيم من حيث ذهب ليخرج من الجانب الأخر ويتحدث بهدوء)
الحكيم لقد أصبح الصدق كذبا.. اليوم أصبح الصدق كذبا..
(تجرى الفتاة وتتعلق به وتسير خلفة وهى تردد عبارته)
الفتاة لقد أصبح الصدق كذبا..
الحكيم قلوب الماشية تبكى وتندب حالة البلاد..
الفتاة قلوب الماشية تبكى وتندب حالة البلاد..
الحكيم عمت الوقاحة فى كل مكان..
الفتاة عمت الوقاحة فى كل مكان..
الحكيم لم تعد الشوارع آمنة..
الفتاة لم تعد الشوارع آمنة..
الحكيم لم تعد المنازل آمنة..
الفتاة لم تعد المنازل آمنة..
الحكيم ليتنا نكون فى آخر الزمان..
الفتاة ليتنا نكون فى آخر الزمان..
الحكيم ليت العالم يتخلص من الغوغاء..
الفتاة ليت العالم يتخلص من الغوغاء..
الحكيم يتخلص من الغوغاء.. يتخلص من الغوغاء..
 
---------- إظـــــلام ---------
 
الفصل الثانى
المشهد الأول
===========================================
نفس الديكور.. الفتاة تجلس فوق صخرة فى جانب تتألم من الجوع..
يدخل شاب يرتدى ثياب متوسطة وفى يده رغيف ينظر إليه بإعجاب.. فجأة يدخل أفراد الفرقة بملابسهم الممزقة، ويجرون خلف شاب أخر يمسك بكسرة خبز، ويجرى منهم وتمر لحظات والصراع مستمر حول كسرة الخبز ويلاحظون الرغيف الذى يحمله الشاب الأول ويحاول أحدهم أن يأخذه لكن آخر يجذبه بشده بينما الصراع يستمر فى الخلفية:
فتى 1 رايح فين يا مجنون؟!
فتى 2 مش شايف.. دا معاه رغيف كامل؟
فتى 1 ماسك رغيف كامل ولابس هدوم.. يبقى أكيد من الناس اللى فوق
فتى 2 نضربه ضربة رجل واحد ونأخذ رغيف الخبز ثم نهرب.
فتى 1 دائما تتهور.. تعالى نهاجم هذا الشاب الذى يمسك كسرة خبز لعلنا نصل إلى جزء منها..
فتى 2 نترك رغيفا كاملا ونبحث عن كسرة عفنه؟
فتى 1 كسرة عفنه مع الحياة أفضل من رغيفين مع الموت.. هيا.. هيا.
(ينضمون إلى الصراع والجرى خلف الشاب، يختفى الشاب والمجموعة تبحث فلا تجده فتنصرف، والفتاة والشاب الذى يمسك بالرغيف يتابعان ما يحدث ويبدأ الشاب فى أكل جزء من رغيفه، الفتاة تشاهد الشاب وتتأمله بحسرة ثم تسأله)
الفتاة هل هذا رغيف؟
الشاب (ينظر إليها ثم إلى الرغيف) نعم.. إنه رغيف..
الفتاة أنت إذن من الأثرياء..
الشاب الأثرياء؟!
(بين لحظة وأخرى يمر رجل أو سيدة فى هذا المكان)
الفتاة نعم.. ما دمت تمتلك رغيف خبز كاملا فأنت من الأثرياء..
الشاب نعم.. أنا من الأثرياء.. فأنا أمتلك رغيفا كاملا..
الفتاة هل أنت من أقرباء الفرعون؟
الشاب الفرعون (يرتبك ثم ينظر يمينا ويسارا فلا يجد أحد) نعم.. أنا من أقرباء الفرعون، وإن أردت الدقة فأنا من أسرة الفرعون
الفتاة وما هو اسمك؟
الشاب أنا.. سحتب جوع آمون رع.. وأنت؟
الفتاة أنا.. أنا نفر كا عطش جوع أمون رع.. هل ستأكل الرغيف كله وحدك؟
الشاب أتريدين قطعة خبز من رغيفى؟
الفتاة نعم.. ولكنى أريد قبلها شيئا آخر؟
الشاب وما هو؟
الفتاة ما دمت من أسرة الفرعون.. أريدك أن تتوسط لدى الفرعون كى يعيد إلى ناخت..
الشاب أتوسط لدى الفرعون.. (بخوف) لا.. لا..
الفتاة لماذا؟
الشاب الحقيقة أننى من أقرباء الفرعون.. ولكن.. من بعيد شوية (يغير الموضوع) هل تريدين حقا قطعة خبز من رغيفى هذا؟
الفتاة (تجلس فى جانب) نعم أريد..
الشاب (يقترب منها وينظر إليها بشهوة ويحرك الرغيف أمام عينيها) أنت جميلة حقا يا نفر كا..
الفتاة (بانكسار) أنا جميلة وأريد كسرة خبز..
الشاب أعطيك الخبز وتأتى معى..
الفتاة إلى أين؟
الشاب نجلس معا فى أى مكان، البلاد واسعة وكل شئ مباح يا نفر كا (يشير بيده) هناك مثلا فى جانب الطريق..
الفتاة ابتعد عنى أيها الحيوان القذر.. (مازال بعض الأفراد يمرون)
الشاب (بشدة) أنا حيوان قذر؟! أتسبين رجلا من أقرباء الفرعون؟
الفتاة قلت لك ابتعد عنى وإلا صرخت و..
الشاب (ساخرا) اصرخي كما تشائين.. لن يسمعك أحد، وإن سمعك أحد لن ينصفك وينقذك من بين يدى.. (بهدوء ماكر) ومن الأفضل أن تأخذى الخبز وتأكلى فأنت جوعانة.. (يعطيها قطعة من الرغيف تأخذه وتأكله بنهم) نعم.. هكذا.. هيا إذن.. (يمد يده ناحيتها)
الفتاة ابتعد عنى أيها الأحمق العبيط..
الشاب أنا..؟ أنا الأحمق أيتها الماكرة.. أتأخذين خبزى بلا مقابل
(يجرى خلفها وتدور على المسرح والمارة يتزايدون ولكن لا أحد منهم يهتم بما يحدث) آه يا لصة (يقف ويلهث ويرفع يديه نحو السماء وكأنه فى المعبد) لتنزل عليك لعنة آمون ورع وحتحور إلهة الجمال..
الفتاة (ترفع يدها هى الأخرى وتدعو) لتحط بك أنت لعنة ست إله الشر يا من أضمرت الشر..
الشاب أنا!! تنزل بى أنا؟ لماذا؟ هل أنا الذى أخذ الخبز وأكله هكذا (يقلدها وهى تأكل بنهم) ولا يريد أن يدفع المقابل؟
الفتاة مقابل!! هل أصبح هذا هو المقابل أيها المخرف.. اسمع أنا فتاة حرة والحرة تموت ولا تأكل بهذا الشكل الذى تتحدث عنه..
الشاب (يجرى نحوها) تعالى إلىّ إذن أيتها الحرة..(يمسكها من كتفيها) قلت لك لن تفلتى من بين يدى.. (الأفراد يمرون ولا أحد يهتم)
الفتاة (تقاومه بشدة) ابتعد.. آه.. ابتعد عنى..
الشاب لابد أن آخذ حقى منك أيتها المخادعة الماكرة، وإن حدث وتوقف أحد من المارة وعرف غدرك بى، سوف ينصفنى ويساعدنى كى أحصل على منك ما أريد..
الفتاة قلت لك ابتعد عنى.. أغيثونى.. (الناس يقفون وينظرون ثم يرحلون فى صمت) أغيثونى.. (تفلت من الشاب وتستوقف أحد المارة) أنقذنى يا سيدى.. أنقذنى من هذا الشاب الغادر.. (لكنه ينظر إليها صامتا ثم يرحل وهى تحدثه باكية) أنقذني يا سيدى أنقذ ابنتك.. أختك.. زوجتك.. (تدور بين المارة ولكن لا يهتم بها أحد) أيها الناس أغيثونى، ألا يوجد فيكم رجل؟ ألا توجد لدي أحدكم نخوة؟..هل أصابكم الصم؟ ألا ترون.. ألا تسمعون..؟ (تبكى وتنهار، ويعود الشاب فيمسكها مرة أخرى فى عمق المسرح، تقاومه الفتاة وهى تصرخ والحركة مستمرة حولهم.. تتلاشى أصواتهم وتدخل الموسيقى.. تتلاشى الأضواء.. تظل حركاتهم كأشباح فى الخلفية، بينما يدخل الحكيم من جانب المسرح الأيمن فى بقعة ضوء مسلطة عليه وهو أيضا لا يلاحظ ما يحدث ويواجه الجمهور)
الحكيم إن النار قد اشتعل لهيبها عاليا، لقد حدث فى البلاد ما لم يحدث من قبل، الأرض مليئة بالعصابات..والرجل الشريف أصبح من التعساء ومن لم يكن فى مقدوره أن يمتلك حجرة أصبح اليوم يمتلك القصور من السرقة والنهب، والناس.. الناس تأكل بعضها فى الطرقات، والرجل الكريم ينام فى الشارع بجوار أى حائط.. وكل فرد يبحث عن متاع نفسه، يبحث عن متاع نفسه بأى طريقة بأى طريقة..
(يظل الحكيم يردد هذه العبارة الأخيرة ويتوجه خارج المسرح يتبعه الضوء وبمجرد خروجه يضاء المسرح كاملا تصاحبه صرخة شديدة من الفتاة وهى مذعورة وتحاول أن تستر نفسها والشاب إلى جوارها سعيد..)
الفتاة عليك لعنة الآلهة.. عليك لعنة الآلهة..
الشاب ولم يا فتاة؟.. كنت جائعة فأعطيتك الخبز لأنقذك من الموت جوعا، وكنت أنا جائعا فأخذت مقابلا بسيطا.. هل ما أخذته يساوى حياتك؟
الفتاة ابتعد عنى.. ابتعد..
الشاب غدا سوف أسرق رغيفا أخر.. أقصد سوف أحصل على رغيف مثل هذا الذى أكلناه اليوم، هل ترغبين فى كسرة منه؟ (صامتة، ويتوجه خارجا) بخاطرك أيتها الفتاة الحمقاء سوف أبحث عن غيرك.. فهن كثيرات اليوم.. (يضحك بشدة)
(تجلس الفتاة وتبكى على صخرة جانبية والأضواء تتلاشى وتبقى الفتاة فى بقعة الضوء)
الفتاة أين أنت يا ناخت.. أين أنت لتحمينى.. ليتنى مت قبل هذا.. ليتنى مت قبل هذا.. أين أنت أيها الحبيب.. أيها الطيف الجميل.
الحكيم (يدخل الحكيم ويتوكأ على عصاه) نفر كا؟! أما زلت هنا؟
الفتاة (باكية) لم أعد أنا يا أبى..
الحكيم هل غدر بك الزمان..؟
الفتاة و أى غدر يا أبى.. فقدتُ كل عزيز لدى.. حتى نفسى..
الحكيم (يربت على كتفيها) لا يا بنيتى.. لا تبكى نفسك أبدا.. نفسك الطاهرة النقية لا تبكيها أبدا..
الفتاة كيف لا أبكى نفسى يا أبى؟
الحكيم إبكي هذا البلد.. إبكى وسوف أبكى معك هذه الديار الخربة والقلوب الخربة والعقول الخربة..
الفتاة (تقف وتتحدث بشدة وهى تواجه الجمهور) ولم البكاء من البداية؟ لماذا لا نعيش كما يعيشون هناك داخل القصور؟ أتعلم ما يحدث هناك؟ لقد حدثنى ناخت بذلك.. كل الأطعمة تتوجه إليهم والملابس والأموال حتى حراس الشوارع أصبحوا لصوصا يحملون كل شئ ويتوجهون به إليهم، تركوا مسئوليتهم.. تركوا كل شئ.. ولتمت العامة من الجوع.. من الظمأ.. من السرقة والنهب من الـ.. (تبكى وتجلس فوق صخرة منهارة)
الحكيم (يرفع يديه بالدعاء) يا إلهى، أرح قلب هذه الفتاة، يا إلهى.. يجب أن يبتهل الكهنة من أجل الضعفاء..
الفتاة الكهنة اليوم هم حاشية الملك، يلتفون حوله هناك فى المكان الأمين..
الحكيم (بحيرة) ماذا أفعل إذن لأساعدك يا بنيتى؟
الفتاة لا تزعج نفسك أيها الحكيم.. سوف يأتى حبيبى.. سوف يأتى مُخلصى ليخرج بى إلى النور..
الحكيم وهل يستطيع ذلك وهو هناك.. تحت يد حاشية الفرعون الثقيلة.
الفتاة أنا أكيدة من ذلك.. سوف يعود.. أشعر برائحته فى الهواء تقترب سوف يأتى ويخلصنى.. يخلصنا جميعا (بتفاؤل) صدقنى يا أبى أشم رائحته فى الهواء.. تقترب.. تقترب..
(يدخل الضابط والحارس.. وعلامات الدهشة تبدو على الحكيم والفتاة)
الحارس ها هم يا سيدى الضابط.. الحكيم والفتاة..
الضابط آه.. الذين يتحدثون بكلمات ضد مولانا الفرعون..
الحارس نعم يا سيدى.. لقد أخبرتنا عيوننا أنهم كانوا يتحدثون عن الفرعون العظيم له الفلاح والصحة والعافية، بكلام لا يسر أحدا..
الضابط إذن.. اقبض عليهم حالا، لنذهب بهم إلى قصر الفرعون..
الحارس (يتحرك ليقبض عليهم ثم يقف ليقول) له الفلاح والصحة والعافية (ثم يقبض عليهم حيث يمسك كل منهم فى يد من مؤخرة الرأس)
الحكيم دعنا نحن لم نفعل شيئا
الحارس اصمت أيها العجوز المخرف..
الفتاة ابعد يدك عنى..(تحاول التخلص من يده)
الضابط لا تبعد يدك.. فقد تهرب..
الحارس اطمئن يا سيدى.. إنهما فى يد أمينة..
الضابط أعلم ذلك..
الحارس ولكن لماذا نذهب بهم إلى قصر الفرعون؟ لماذا لا نلقى بهم إلى المكان الأمين كما هى عادتنا؟!
الضابط مرت عدة أيام دون أن نقدم للفرعون أية لصوص أو خارجين على النظام وقد يتبادر إلى ذهنه أننا كسالى..
الحارس ولكننا أوضحنا له أن ذلك نابع من الاستقرار والهدوء الذى تتمتع به البلاد.. وقد اقتنع بهذا..
الضابط الأمر كما تقول فعلا.. ولكن إن استطعنا نحن وسط هذا الهدوء والاستقرار أن نوقع بأحد، دل ذلك على عبقرية نادرة وقدرة فائقة على العمل.. ومع ذلك فسوف نعذبهم عذابا شديدا يجعلهم لا ينطقون بكلمة أمام مولانا الفرعون..
الحارس (يقتنع) الحق معك يا سيدى الضابط..
الضابط (بفخر) دائما الحق معى يا رجل.. والأن هيا.. أسرع يا رجل..
الحارس (يجرهم الحارس ويجرى بهم مسرعا خلف الضابط) أمامى.. أمامى أيها الصيد الثمين
 
----------- إظـــلام -----------
 
المشهد الثانى
---------
داخل قصر الفرعون الفخم والمزين بالعديد من التحف والأوانى والنقوش وفى وسط المسرح يجلس الفرعون فوق كرسيه الفخم وعلى جانبيه رجلين سود من إثيوبيا يحملان مراوح من الريش، وأمامه أصناف الفاكهة والجوارى على جانبيه وعازفة هارب فى ملابسها الفرعونية الأنيقة تجلس فى جانب وتعزف على أوتار الهارب.. حاله عامة من الرفاهية..
يدخل الضابط والحارس ومعهم الفتاة والحكيم مكبلين فى القيود وعليهم أثار التعذيب وينظران إلى كل شئ فى رعب..
(يتحدث الضابط)
الضابط ها هم يا مولاى الفرعون.. من حدثتك عنهم..
الفرعون عجبا.. هؤلاء؟!
الضابط نعم يا مولاى..
الفرعون (يقف ويتحرك بينهم) أرجل عجوز مثل هذا وفتاة جميلة كسيرة مثل هذه، منهم خوف علينا وعلى ملكنا كما أخبرتنا من قبل أيها الضابط؟ لا.. لا.. يبدو أنك بدأت تخرف..
الضابط يا مولاى.. معظم النار من مستصغر الشرر، وإن لم يفعلا شيئا بأنفسهما، فسوف يبثان لهيب حديثهما إلى العامة من الشعب وما أدراك ما العامة من الشعب إذا ثارت يا مولاى لذا قررت أن أقضى على هذه الفتنة فى مهدها..
الفرعون (ضاحكا) هذان؟ كل ما تتحدث عنه يأتى من هذين؟
الضابط إن سمعت ما يتحدثان به يا مولاى لأمرت بقتلهما فورا..
الفرعون دعك من هذا أيها الضابط ومارس عملك أنت ورجالك للحفاظ على الأمن والقضاء على اللصوص..
الضابط الأمن؟!.. الأمن على أكمل وجه يا مولاى.. وكما أخبرتك من قبل يا مولاى الرعية كلها فى آمان ولا يوجد لصوص يا مولاى فى أى مكان، وكيف تتواجد اللصوص فى البلاد ولا يوجد فى البلاد كلها رجل محتاج..؟
الفتاة يا مولاى الفرعون.. يا مولاى الفرعون..
الفرعون ماذا تريدن يا فتاه؟
الفتاة هذا الرجل.. وكل من حولك ينقلون إليك صورة خاطئة وعكس ما يحدث فى الواقع..
الضابط (بانفعال) أصمتي أيتها الفاجرة.. أتودين الكذب على مولاى الفرعون.. هل نسيتى ما فعلتيه فى الطريق العام.. ورغم ذلك تركناكِ وقلنا نزوة.. لحظة طيش.. ولكن أن تتجرأى وتتخطى حدودك فهذا ما لا نحتمله، أيها الحراس اقبضوا على هذه الفاجرة والقوها فى الـ..
الفرعون أنتظر أيها الضابط.. لنستمع إليها.. يجب أن تتسم تصرفاتك بالعقل.. والحكمة.. وتعطى فرصة للحوار..
الضابط أى حوار يا مولاى؟! لقد أحضرت هؤلاء إلى هنا لتتم معاقبتهم لا أن نستمع إليهم..
الفرعون ولماذا لا نستمع إليهم؟.. دعنا يا رجل نقضى وقتا جميلا.. تحدثى يا فتاة..
الضابط (يهمس إلى الحارس) ألم أقل لك اقطع لسانهما..
الحارس (يهمس أيضا) بعد كل هذا التعذيب يا سيدى لم أتوقع أن ينطق منهم أحد..
الضابط لم تتوقع؟!.. وقعتك سوده..
الفرعون تحدثى يا فتاة.. تحدثى ولا تخافى..
الفتاة إن العامة يا مولاى تعيش فى عذاب وأصبحت تتمنى الموت على الحياة..
الفرعون لماذا؟
الفتاة لماذا؟!.. الناس يا مولاى لا تجد ما تأكله ولا تجد ما تلبسه واللصوص فى كل مكان وانتشر الفساد فى البر والبحر..
الفرعون ماذا تقولين يا فتاة؟
الضابط ألم أقل لك يا مولاى.. إنها.. إنها.. فتاة مخبولة.. أتقولين الناس جوعى؟!
الفتاة نعم.. جوعى..
الضابط كيف ذلك.. وقد وصلتنا أنباء عن شاب يجرى فى الطرقات وبيده رغيف خبز..
الفتاة رأيته.. (تبكى).. إنه لص يا مولاى الفرعون.. لقد سرق هذا الرغيف..
الضابط هذه الفتاة يجب أن تقتل حالا..
الحكيم من يستحق القتل هو أنت أيها الرجل الضال والمضلل، أنت وأمثالك ممن تحجبون عن الفرعون الرؤية الواضحة والصحيحة للرعية ولحال أفرادها..
الضابط أصمت أيها العجوز المخرف.. أصمت وإلا قتلتك..(يهجم عليه)
الحكيم لا.. لن أصمت..
الضابط قلت لك..
الفرعون انتظر أيها الضابط.. ماذا تريد أن تقول أيها العجوز؟
الحكيم ليتنى يا مولاى أعرف صيغا للكلام لا يعلمها أحد.. إن العدالة يا مولاى فى هذه البلاد قد نُبذت، والظلم قد ساد والبلاد صارت فى هم، والحزن عم فى كل مكان وصارت المدن والأقاليم فى عويل.. والاحترام.. الاحترام يا مولاى قد انتهى أجله..
الفرعون (وقد بدأ يهتم بالأمر) أكمل أيها الرجل.. أكمل..
الحكيم ليت لى قلبا يحتمل.. إن المصائب تقع اليوم.. والغد سيكون به مصائب أكثر وأكثر، ولكن الناس لاهون عنه ويستيقظون فى كل صباح على هذا الحزن، ولا يوجد إنسان عاقل يدرك حقيقة ما يحدث، ولا يوجد إنسان غاضب يتكلم وإنه لمن المؤلم أن يستمر الإنسان صامتا عن الأشياء التى يسمعها والتى يراها يا مولاى..
الفرعون أكل هذا يحدث فى مملكتى أنا؟! إنها المرة الأولى التى أستمع فيها إلى مثل هذا الكلام؟
الضابط لا تصدقه يا مولاى، يبدو أننى أخطأت عندما أتيت بهذا الرجل المجنون إلى هنا، عفوك يا مولاى، هيا أيها الرجل وأنت يا فتاة (يمد يده ليأخذهما إلى الخارج)
الفرعون انتظر أيها الضابط.. أسألك أيها الرجل الحكيم.. هل يحدث ما تتحدث عنه فى مملكتى أنا؟
الحكيم وأكثر من ذلك يا مولاى..
الفتاة ليتك تنزل لترى بعينك يا مولاى.. ليتك تخرج من قصرك وحدك دون رجالك الذين يزينون لك كل شئ قبل أن تصل.. ليتك تصعد يا مولاى الفرعون لترى شعبك بعينك، إن الطريق الذى تسير فيه خلف رجالك هو طريق الانهيار والهلاك.. ليتك تبدأ رحلة الصعود..
الفرعون هذا الكلام سمعته من قبل (يحاول أن يتذكر).. لا أستطيع تذكر ذلك وأنت أيها العجوز لماذا توقفت عن الكلام.. تحدث.. فأنا أريد أن أسمعك.. تكلم يا رجل..
الحكيم أتكلم؟.. لمن أتكلم اليوم والناس شرهون، وكل إنسان يسرق متاع جاره، لمن أتكلم اليوم والرجل المهذب قد مات والصفيق الوجه يتحرك فى كل مكان، لمن أتكلم اليوم يا مولاى ونحن فى زمن يُلام فيه صاحب النصيحة، ويُلام فيه مستنكر الفعل القبيح ويُمتدح صاحب الفاحشة.. يا مولاى الناس تسخر ممن ينادى بالأخلاق، ومن يطلب الفضيلة تكون خطيئته شنيعة.. لمن أتكلم اليوم والقلوب شرهه والرجل الذى يعتمد عليه القوم لا قلب له ويعيش بعيدا عنهم إنى مثقل بالشقاء وينقصني خل وفىّ.. لمن أتكلم اليوم والخطيئة التى تصيب الأرض لا حد لها..
الضابط هذا الرجل مجنون ويجب أن يوضع فى السجن وهذه الفتـ..
الفرعون أصمت أنت..
الحكيم السجن؟!.. وهل نعيش اليوم فى حرية.. لقد أصبحت البلاد على اتساعها سجنا كبيرا..
الضابط لابد من قتلك أنت وأمثالك من المخربين..
الحكيم قتلى؟!.. اقتلنى إذن أيها الضابط.. إن الموت خلاص سار إن الموت أمامى كرائحة زهرة السوسن وكسماء صافية، إن الموت هو الخلاص الوحيد من هذا السجن الكبير، إننى أتمنى الموت قبل أن تأمر به أنت أيها الضابط..
الفتاة لا تقل هذا أيها الحكيم.. لا تجعل الفساد يسود.. يجب أن نقف فى وجه الظلم، لقد ذهب ناخت لأنه وقف فى وجه الظلم ولابد أن نكون مثله..
الفرعون (وقد تذكر) ناخت.. هذا الشاب الذى وجدناه فى الطريق وكان يهذى بكلام...
الفتاة لم يكن يهذى يا مولاى كان يتحدث إليك بالحقيقة التى يحجبها عنك رجالك، وإن حدث ووصلتك فى يوم، يصورونها لك وكأنها هذيان وجنون.. تلك الحقيقة التى تحدث بها هذا الحكيم اليوم..
الضابط أتيت بكم لأضعكم فى السجن، فتصل الأمور إلى هذا.. الويل لكم الويل لكم (يأخذ حربة من حارس فى جانب..)
الفرعون (بشدة) أيها الضابط.. قف مكانك..
الضابط إنهم مجانين يا مولاى ومخربون ولابد من أن..
الفرعون قلت لك قف مكانك ولا تتحدث إلا بعد أسمح لك.. والأن أيها الحكيم وأنت أيتها الفتاة.. يجب أن أتأكد بنفسى من كل كلمة تحدثتما بها هنا..
الحكيم انزل بنفسك لتتأكد يا مولاى..
الفتاة انزل إلى الشارع.. إلى الناس.. دون أن يسبقك رجالك.
الحكيم ليبقى رجالك هنا يا مولاى.. وانزل لتتجول فى الطرقات ولكن بعد أن ترتدى ملابس العامة..
الفتاة اذهب إلى الأسواق.. اطرق البيوت.. ادخل دور العبادة اذهب إلى الأرض التى لم تعد تجد من يزرعها..
الفرعون نعم.. سوف أفعل ذلك.. سوف أفعل ذلك الأن.. وأنت أيها الضابط ابقي هنا فى انتظاري مع رجالك حتى أتأكد بنفسى.
الحارس (يهمس إلى الضابط) وبعدين يا سيدى الضابط.. ماذا سنفعل؟
الضابط أنا عارف.. دى بينها ضلمت..
الفرعون هيا أيها الحكيم.. وأنت يا فتاة.. هيا لأرى الشعب بنفسى..
------ إظلام ------
 
المشهد الثالث
-------------
ديكور قصر حديث: صالون فاخر، مكتب وعليه جهاز كمبيوتر، تليفزيون فى جانب مراوح سجاجيد، زهور صناعية، وصور معلقة على الجدران تتوسطها صورة للفرعون.. يدخل الضابط وخلفه الحارس فى ملابس حديثة حيث يرتدى الضابط بدلة أنيقة والحارس قد ارتدى ثياب رتبة عليا فى جهاز الشرطة.. وقد بدا عليهما القلق والتوتر ويتحركان فى المكان بعصبية..
الحارس إنت قلقان ليه بس يا فندم؟
الضابط قلقان ليه؟.. إنت مش شايف إنهم اتأخروا شوية..؟!
الحارس بصراحة هما اتأخروا كتير مش شوية.. بس إحنا فى إيدينا أيه؟
الضابط لازم نتحرك.. نعمل حاجة يا أخى.. الواحد زهق من الانتظار..
الحارس أنا بس عايزك تهدى عشان أعصابك.. الانفعال ممكن يقلب بمرض لا سمح الـله..
الضابط إن كان على المرض بسيطة..
الحارس بسيطة إزاى بقى؟!
الضابط أتعالج على حساب الدولة يا أخى..
الحارس صدق فكرة..
الضابط اللى مضايقنى إن الحاكم يتأكد من الكلام اللى الحكيم قاله هو والبنت اللى معاه.. وقتها هانتمنى المرض..
الحارس نتمنى المرض؟!
الضابط طبعا.. مش هايبقى أرحم من الموت..؟
الحارس عندك حق.. بس أنا عايزك تطمن..
الضابط وهو فيه أيه يطمن؟
الحارس الناس النهاردة غير إمبارح..
الضابط تقصد أيه؟.. وضح يا أخى..
الحارس الناس إتغيرت.. عندك مثلا..
الضابط (بانفعال) باقولك أيه.. أنا خلقى ضيق.. وروحى فى مناخيرى اتكلم على طول وهات من الآخر..
الحارس قصدى أقول يعنى إن الناس ما عندهاش وقت للشكوى والكلام الكل بيجرى ورا لقمة العيش.. وإن حد قدر يتكلم فى يوم هتلاقى كلامه فاتر باهت يحسسك إنه مش من البلد دى وإن قلت له حط إيدك فى إيدى عشان نغير يجرى ويستخبى فى أى جحر ويقولك عندى عيال عايز أربيهم.. هو دا حال الناس النهاردة..
الضابط إنت عندك حق.. بس لما الحاكم ينزل ومعاه الحكيم والبنت دى ويتأخروا الفترة دى كلها يبقى أكيد درسوا كل شئ والحاكم إتأكد بنفسه من كلامهم.. زى ما بيقولوا: عاش الحالة بنفسه.. وفى الحالة دى بقى تخاف منه يا ناصح..
الحارس أخاف منه ليه؟
الضابط الناس فعلا زى ما أنت قولت بتتكلم وخلاص لإن ما فيش فى إيدها سلطة وتخاف مننا إحنا اللى حوالين الحاكم، لكن لما الحاكم نفسه يعرف حالة الشعب ويكسر الجدار اللى تعبنا سنين على ما بنيناه بينه وبين الشعب، والسلطة فى إيده تبقى هى دى الكارثة الحقيقية..
الحارس الكارثة؟ يا ساتر؟!
الضابط طبعا.. مش السلطة والشعب مع بعض..
الحارس باقولك أيه..
الضابط قول..
الحارس ما تيجى نهرب..
الضابط ما عادشى ينفع.. العيون علينا وورانا فى كل مكان..
(يدخل خادم فى ملابس أنيقة)
الخادم سيدى الحاكم..
(موسيقى وحركة.. يدخل الحاكم وقد ارتدى بدلة أنيقة وخلفة الحكيم مرتديا بدلة متوسطة الحال وقد صفف شعره والفتاة مرتدية ثياب حديثة وشعرها منظم وعلى وجهها مكياج خفيف)
الضابط أهلا يا مولاى.. قلقتنا على معاليك..
الحارس والـله إحنا كنا لسه فى سيرتك.. وكنا عايزين ننزل ندور عليك
الحاكم تدوروا عليا؟
الضابط طبعا.. خايفين على معاليك من الرعاع..
الحاكم أنا كنت وسط شعبى.. وسط أهلى..
الضابط أهلك.. الكلام دا جديد يا مولاى..
الحاكم جديد ليه.. مش دا كلامك.. كنت دايما تقولى الرعية فى أمان يا مولاى.. إنهم شعبنا وإخواننا وأهلنا يا مولاى..!!
الضابط أنا أقول.. لكن إنت لأه..
الحاكم أنا لأه ليه؟
الضابط إنت أسمى يا مولاى.. لازم يكون فيه اختلاف بين الحاكم وبين الرعية.. لازم يبقى..
الحاكم (مقاطعا) دا اللى كنت دايما فاهمه.. لكن بعد الرحلة دى واللى شفت فيها بنفسى كل شئ أقدر أقولك إن الوضع مختلف وكلنا أبناء هذا الوطن وكلنا لازم نساهم فى سعادة أفراده اللى هما إخوانا..
الحارس (يهمس إلى الضابط) دا صاحبك اتغير قوى؟
الضابط دا اللى كنت خايف منه..
الحارس ما قولت لك نهرب..
الحاكم (الذى يقترب ويسمعهم) وهاتهربوا على فين؟
الضابط (إلى الحارس بشدة) أيه.. عايز تهرب.. يبقى إنت السبب فى كل اللى حصل..
الحارس أنا؟!
الضابط طبعا مش عايز تهرب.. أكيد انت الخاين.. هو الخاين يا مولاى اقبضوا عليه يا حراس..
الحارس أنا؟!.. أنا ماليش دعوة يا مولاى..
الفتاة كلكم شركا.. كلكم أيادى إخطبوط واحد..
الحارس يا بنتى بلاش تظلمينى.. دا انتوا بتدوروا على العدل ليه تظلمونى أنا ماليش ذنب.. هو دا (يشير إلى الضابط) هو دا السبب ورا كل اللى حصل..
الحاكم هو دا اللى أكتشفته بعد ما نزلت وشفت بعينى..
الضابط جاى بعد المدة دى كلها تقول الكلام دا.. دا أنا باحبك.. آه ورحمة أمى الغالية بحبك.. وبعدين أنا لو كنت خاين صحيح كنت استغليت عدم وجودك وقعدت على الكرسى.. لكن أنا دراعك اليمين يا مولاى.. أنا..
الحاكم كنت تقدر تقعد على الكرسى؟!.. أنت فعلا ها تقعد على الكرسى (الضابط يبتسم لحظة) بس مش هنا فى القصر..
الضابط أمال فين معاليك؟
الحاكم هناك فى المكان الأمين.. اللى إنت بنيته بنفسك.. يا حراس
(يدخل عدد من الحراس فى ملابس عسكرية حديثة) خدوه وفى المكان الأمين اسجنوه..
الضابط (يهذى بأى كلام وهم يحملونه إلى الخارج) لا.. يا مولاى أنا خادمك.. لا..
الحاكم وأنت أيها الحارس..
الحارس أنا لم أفعل شئ يا مولاى الحاكم الطيب.. هو اللى كان يفكر ويدبر ويأمرنى بالتنفيذ..
الحاكم سيبك من الكلام وهات لى الشاب ناخت..
الحارس (سعيدا) أمرك يا مولاى.. حالا.. (يخرج)..
الحاكم هارجع لك حبيبك، وهاتعيشوا هنا فى القصر، وأنت يا حكيم مش هاتتمنى الموت بعد النهارده، هاتعيش معايا وتكون مستشارى الخاص، عشان نحقق كل ما اللى إنت عايزه من أجل إصلاح أحوال البلاد، ومن النهارده هابدأ رحلة الصعود أنا عارف إنها إتأخرت شويه..
الحكيم شويه؟!
الفتاة إتأخرت كتير يا مولاى..
الحاكم أنا عارف إنها إتأخرت شويه كتير.. وإن أنا أخدت وقت على ما قدرت أشوف بعينى كل صغيره وكبيرة.. لكن المهم إن إحنا نبدأ فعلا..
الحكيم عندك حق يا مولاى.. المهم إن إحنا نبدأ فعلا..
[ يدخل الحارس الذى يبتسم فى خبث، خلفه ناخت فى ملابس حديثه ولكنها ممزقة أيضا وعلى وجهه أثار التعذيب، تقابله الفتاة وتبادله النظرات وتتشابك أيديهما فى حب، بينما الحكيم يتحدث إلى الفرعون تدخل الموسيقى والكل مشغول والحارس يواجه الجمهور بابتسامته الواسعة علامة بقاءه فى المنصب ]
الحارس (للجمهور) ما تفرحوش قوى كدا.. أنا لسه قاعد على قلبكم وطابق على نفسكم.. هاتروحوا منى فين..؟
الحاكم (يقترب منه) بتقول أيه..؟
الحارس باقول للشعب: أنا هاكون فى خدمتك..
الحاكم آه.. باحسب..
[ يأتى الصوت من الخارج ]
صوت تدور عجلة الزمان.. وتتغير معالم المكان.. ويأتى يوم قد يتغير فيه الإنسان..
 
----------- ســــتار النهاية ---------------

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى