الخميس ٢ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٠٨
بقلم نوزاد جعدان جعدان

شجرة الأماني

بين الأعشاب والأشواك وعلى قبر المجرم الخطير بسام، نمتْ شجرة باسقة يقارب طولها التسعة أمتار، وبدأ الناس في قرية (المساكين) يضعون قطع القماش عليها بعد روايات تقول بأنها تحقق آمال وأهداف وأمنيات المحتاجين، نعم كل شخص في القرية وكل فرد عنده مشكلة بدأ يتوسل من الشجرة تحقيق أمانيه حتى أن وفودا جاءت من خارج القرية تطلب تحقيق أمانيها..

أزهرت الشجرة وأعطت أوراقا ذهبية إلا ان أهل القرية لم يتجرؤوا على قطف أوراقها خشية من لعنة تحل عليهم، فقد انتشر الخبر في القرية بأنه في غابر الزمان نشأت شجرة مثيلة لها وسرق أحد اللصوص أوراقها فحلت اللعنة على القرية وغرقت تحت طوفان كبير.

إذاً هي شجرة تفوق عقول قرية المساكين، اقتربتْ فتاة صغيرة لا تتجاوز العاشرة من عمرها من الشجرة وسمعتْ صوتا غليظا يناديها، وهذه الفتاة لقيطة نشأت في القرية ويحتقرها أفراد القرية كما إنها تمتاز بشعر أحمر مسترسل طويل وعيون بنية كبيرة وبعض النمش الذي يزين وجهها ..

ازداد الصوت حدة وسرى الرعب في جسد الفتاة وظنت بأنهم أشباح، حاولت الهرب إلا أن الصوت الذي يناديها لا ينقطع، صوت يناديها: ساعديني ..ساعديني..

دنتْ الفتاة من الشجرة وسمعت صوتا من الشجرة يقول:

أنا الشجرة لا تخافي مني.

قالت الفتاة بخوف: هل الأشجار تتكلم؟..

فأجابتها الشجرة: الفساد يجعل الأشجار تتكلم يا صغيرتي، فانا الشجرة ..أنا ابنة الرذيلة والخطيئة لقد صدرت من أرض مجرم يحصد الأرواح وها أنا أظله بظلي أيضا..

- لا أحد منا يختار أهله أيتها الشجرة فالذنب ليس ذنبك

- نعم يا عزيزتي ولكني أزهرت على أرض المجرم والناس يعلقون علي أمانيهم فانظري لهذه المهزلة، عزيزتي الصغيرة ستساعدينني في التكفير عن ذنوب أبي، صحيح إنني شجرة ولكنني نبتُ من قبر هذا المجرم الذي أصبح أبي بالإكراه.

- كيف أساعدك يا خالتي الشجرة

- حسنا، ستأتين في كل ليلة عند انتصاف الليل دون أن يراك أحد وتقطفين ورقة من أوراقي الستة الذهبية وتعطيها لأشخاص سأدلك عليهم.

في اليوم التالي وعند انتصاف الليل توجهت الفتاة إلى الشجرة لتبدأ بتنفيذ مهمتها الأولى ووصلت إلى الشجرة فقالت لها الشجرة:

هناك في القرية شاب يدرس في الجامعة إلا أنه لا يملك نقودا لإكمال دراسته فقرر أن يترك الجامعة ويبدأ العمل على الرغم من أنه شارف على الانتهاء، خذي ورقة مني وأعطيها له.

أخذت الفتاة الورقة ووضعتها أمام منزل الشاب وفي اليوم التالي توجهت كعادتها إلى الشجرة فطلبت منها الشجرة أن تأخذ ورقة من أوراقها إلى الفتى الصغير سامر الذي لم يتذوق طعم الزاد مذ يومين لأن لا أحد من أهل القرية لم يشترِ من عنده أي علبة علكة على الرغم من ان الناس في القرية يعشقون علك الكلام.

وضعت الفتاة الورقة بالقرب من رأس سامر وغادرت بعدها إلى الحظيرة التي كانت ترعاها وتنام فيها.

استيقظ الناس في القرية واكتشفوا اختفاء ورقتين من أوراق الشجرة وبدأت التحقيقات ولكن دون جدوى فوضعوا حارسا أمام الشجرة، فبعثت الشجرة حمامة صغيرة وفي فمها ورقة ذهبية من أوراقها مكتوب عليها بأن الحارس ينام في الساعة الواحدة دائما، فلا تأتي في انتصاف الليل وإياكِ أن تخطئي ..

اتجهت الفتاة في الموعد الجديد إلى الشجرة والحارس غارق في النوم فطلبت منها الشجرة بأن تعطي ورقة إلى حسناء القرية رفيف التي أصبحت عانسا بعد أن تم تشويه سمعتها من قبل راعي الغنم الذي رآها في صحبة حبيبها والذي بدوره هاجر إلى المدينة هربا من الأقاويل بعد تلك الحادثة تاركا رفيف وحيدة، فلعلها بهذه الورقة تفتح محلا صغير لتعمل به وتؤمن دخلا لها يقيها من العوز والحاجة.

أوصلت الفتاة الورقة إلى رفيف وعادت إلى الحظيرة. وأهل القرية كل خائف على نفسه من سارق الأوراق الذي سيجلب اللعنة على القرية فهذا السارق ليس مجرد لص بل ملعون يعبث بمقدسات القرية .
دُقتْ الساعة الواحدة وانطلقت الفتاة إلى الشجرة وسألتها:

ما أنا فاعلة بالورقة التي أعطيتني إياها على شكل رسالة.

- دعيها الآن عندك فهي لك وضمان لمستقبلك، خذي الورقة ما قبل الأخيرة مني وأعطيها على كاتب كهل كتب الكثير من القصص والأشعار ولم يستطع طبعها ونشرها في كتاب، فسرق المتسلقون والوصوليون نتاجاته ونشروها باسمهم، فأعطيه هذه الورقة لينشر بها أشعاره وقصصه وليسجل اسمه التاريخ.

في صباح ذاك اليوم كان الغراب ينعق على غصن الشجرة واجتمع الناس ليجدوا حلا لسارق أوراق الشجرة فلم يبقَ سوى ورقة واحدة، وقرروا بالإجماع وضع حارسين بدل الواحد.

أرسلت الشجرة ورقتها الأخيرة عن طريق القِبرة لتوصلها إلى الفتاة وتنبهها بعدم المجيء كما تنبه الشمعة الفراشة بعدم الاقتراب.

لمح الحارس الورقة في فم القبرة فقام باقتناصها بالبندقية وسقطت الورقة من فم الحمامة السارقة لتسقط جثة هامدة ..

قرأ الحارس ما هو مكتوب على الورقة وانتظروا مجيء الفتاة.

برهنت الساعة الواحدة على وجودها واتجهت الفتاة الصغيرة إلى الشجرة ولم تكن تدري بأن الحارسين بانتظارها وعند وصولها قبض الحارسان عليها وأخذوها إلى ساحة القرية والناس يرمونها بالحجارة، فهي السارقة والساحرة المشعوذة التي ستجلب النحس إلى القرية ولقد دربتْ القبرة على السرقة أيضا.

ألتم الناس من حولها واقترب منها رجل عجوز وقال:

نعم إنها ساحرة اقتلوها فهي ابنة الرذيلة والخطيئة إنها ابنة المجرم بسام لا تستغربوا هذه الحقيقة التي لطالما حاولنا إخفاءها ، فهل تنجب الشوكة زهرة من المستحيل الشوكة تنجب شوكة والدها كان شخصا فاسقا اغتصب فتاة من قريتنا وأنجبت تلك المرأة ابنة الحرام هذه التي ستجلب الدمار إلى قريتنا، استغربتْ الصغيرة من أنها ابنة بسام فلم تكن تدري أي شيء عن والديها ولم تستطع ان تدافع عن نفسها فالناس ترى الوجوه ومن الصعب رؤية القلوب، وطلبوا منها ان تدلهم على مكان الأوراق إلا ان الفتاة أبت فإن دلتهم فستدمر سعادة أربعة أشخاص بالإضافة إلى أن دماء القبرة سيذهب هباء.

فحكموا عليها بالقتل حرقا وحرقوها ليتخلصوا من الروح الشريرة ،بعد حرقهم للفتاة ذبلت الشجرة ثم سقطت على الأرض.

بعد أيام وأيام نمت شجرة أخرى شبيهة بها على ضريح حارس الشجرة الذي توفي إثر جلطة قلبية بعد قبضه على الفتاة، وبدأ الناس بتعليق أمنياتهم عليها.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى