الأحد ٢٦ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٠٨
بقلم نوزاد جعدان جعدان

مصارغ ٌ في قريتي

إنه قادمٌ ! فهو يتسلل في قريتنا هذه الأيام، نعم يقولون بأنه مرعب جدا وذو شكل متوحش ومصارع يهابه الجميع، فلقد قضى على بطل الكاراتيه في قريتنا، لقد صرعه وجعل عينيه تجحظان وصبغ بشرته باللون الأصفر وبعد أيام شربنا القهوة المرة التي لطالما شربناها في قريتنا..

وألبسنا بطلنا ثوبا أخضرا ووضعناه في بيوت الخاسرين ونصبنا له لافتة تدل على هزيمته..

كنتُ سابقا فخورا جدا بجدي ذو المناكب العريضة والبنيان القوي الذي لا يهاب شيئا وكنت انظر إليه كبطل يستطيع هزم المصارع، ولكن جدي خيب نظرتي به وتبدلت صورته أمامي، فجدي كان دائما يهابه وأذكر أنه اشترى ثياب المصارعة لأنه كان يتوقع لقاءه قريبا فقد حضرها منذ زمن، وكلما كان زفيف الرياح يداعب الباب كان جدي يستيقظ للمواجهة، وقبل النوم يخشى أن يظهر له ولكنه لم يكن يواجهه ولم يحصل أن واجهه فقد سافر جدي في ظلام حالك والرياح تئن والثلج يهطل بغزارة محاصرا بيتنا ولم يعد.. سافر بعيدا انتظرته طويلا.. ولم يعد حتى توقعت أنه غادر باحثا عن بلاد الذهب.

كنا في القرية نتحدث عن أسرار المصارع ونتشوق لرواية أسراره وأذكر أن الخال أبو عمر الذي كان يناهز التسعين من عمره كان ينصحني بأن لا أنقب وراء أسرار المصارع فعندما تحين لحظة انكشاف سره نكون عند باب الحلبة وبدفعة صغيرة نغوص في الحلبة وعندها لا ينفع الندم كمتسلق لجبل عال ٍ وصل إلى القمة فأنهكه الضنى ولم يعد بوسعه النزول..

ثم لم أعد أرى الخال أبو عمر يحكى أنه سافر إلى البلد الذي سافر إليه جدي في سكون الليل هرب وفرّ تحت ستار الظلام.
وفي ليلة من ليالي الشتاء الباردة كنتُ جالسا في غرفتي وقبل أن يأخذ النعاس مني أوصدت الأقفال وأغلقت النوافذ وبدا لي ضوء في الخارج، فهل يكون المصارع يا ترى،سرى الرعب في داخلي فوضعت رأسي تحت اللحاف ربما لا أرى وجهه وتكون هزيمتي على يده أقل وطأة في نفسي.

وأخيرا جاء الصباح مع صياح الديك وخرجت أتسكع في القرية قليلا، كانت هناك أقاويل تتردد بأن المصارع بدأ بزيارة حسناء قريتنا وأنه يمشي بالقرب من بيتها كل يوم ويهيئها لدخول الحلبة، فذهبتُ لزيارتها وأصبحتُ أدربها قبل المباراة كما نصحها المدربون بتعاطي الفيتامينات، فبدأت تقوى على المشي قليلا وأكملت معها إشعال بعض الشموع.

كنتُ أقف عند رأسها انتظر معها قدوم المصارع فاثنان في المواجهة أفضل من مواجهة وحيدة، ولكن المصارع كان يزورها عند غيابي ولا يرضى إلا بحلبة غور عميق ولا يحتكم إلا لعزلة دجالة حتى أن دموعها لم ترده عن قراره، ومعنوياتها بدأت بالانهيار يوما بعد يوم خاصة بعد أن فقدت شعرها فهربتْ من الحلبة وقفزتْ من على نجد لتسبح في الوادي.

يُقال أن حسناء قريتنا بعد سباحتها في الوادي طارتْ، فبدأت أخشى الوحدة لدرجة غير طبيعية وعندما فرض الليل وشاحه عزف قلبي نشيد الرعب وتوقعتُ قدوم المصارع الذي غزا قريتنا وأسقانا كؤوس الدموع، سمعتُ في تلك الليلة نباحا قويا من الخارج ونهيق الحمار، فأيقنتُ أن المصارع يقترب وكنتُ قد وضعتُ قفلا حديديا على الباب والنوافذ.

طق طق، إنني أسمع صوت أقدام تدب على الأرض وتقرع النافذة، فأشعلت المصباح ونظرت حولي ولم أرَ شيئا ولكني نظرت إلى نفسي في المرآة فاستغربت لنفسي وأنا ألبس وشاحا أخضرا ووجهي مصفر اللون وبدا لي في المرآة شكل المصارع وهو يقترب مني صرخت عاليا ولم يسمعني أحد..صرخت طويلا ولم يسمعني امرؤ..بقيت أصرخ بدون جدوى فأدركتُ خطئي الكبير بإغلاق الأبواب حتى أنني لم أترك نافذة صغيرة مفتوحة..


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى