الأربعاء ١٢ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٠٨
بقلم نوزاد جعدان جعدان

مسابقة متشردة

الشمس تحرق الرقاب والسماء جريئة والسحب خجولة، وفرحان لم يأكل منذ يوم ونيف، يتسكع في الشوارع ويبحث في حاويات القمامة عن طعام يسد به جوعه ..

فقط عندما يخلو الشارع من المارة ينبش في الحاويات، فلا يرضَ بأن يراه أحد، ولا يطلب نقودا من أي شخص فلديه عزة نفس وكبرياء، كما لديه أمنية بأن يأكل مرة واحدة في المطعم صحنا من الكباب وصحنا من السلطة وبعدها زجاجة من المياه الغازية وحتى إن مات بعد تحقيق أمنيته فلا ضير في ذلك .

فرحان نشأ لقيطا في الشوارع وتحت البنايات والقصور الفخمة, لا يعرف والديه هل كان والده غنيا من أغنياء القصور أم مشردا ولد في قلب الشارع وضوء نوافذ الأغنياء يكبر على وجهه!.

بينما كان فرحان ينبش في كيس قمامة وراء إحدى السيارات رآه أحد المار،ة فخجل فرحان وانتصب على قدميه وصرخ الرجل في وجهه :

إنه لص حرامي ..اقبضوا عليه هذا هو سارق نوافذ السيارات ..

اجتمع أهل الحي وتجمع كل من في البناء وقبضوا عليه وكانوا يضربونه بقسوة وفرحان يصرخ :

أرجوك يا سيدي, لا تضربني ، كنت أبحث عن خبز يابس لأسدّ به جوعي .

فيرد عليه الشخص صاحب الجسم الضخم و الكفين الكبيرين تماما كالجلاد الحبشي:

أيها الكلب اللعين، نحن نبحث عنك منذ زمن ولم نستطع القبض عليك الآن سننتقم منك ..

فيرد فرحان :

- يا سيدي دعني أقبل يديك، وضعْ قدميك على رأسي إن كنت أسرق، أنا كنت أبحث عن خبز يابس فقط عن الخبز، فأنا اخجل من البحث في الحاوية أمام العامة لذا تخفيت وراء السيارة..

- يا له من عذر أقبح من ذنب، اتصلوا بالشرطة.

جاءت الشرطة ووضعت الأصفاد في يدي فرحان وأخذته إلى المخفر وجاءه المحقق طالبا خلع حذائه فأجابه فرحان :
أرجوك يا سيدي اعفيني من هذه المهمة فجواربي ممزقة ورائحتها نتنة .

أمر المحقق الشرطي بخلع حذائه ولحظة خلعه الحذاء كاد من في الغرفة أن يغمى عليه من رائحة جوارب فرحان وسألوه عن سبب سرقته للنوافذ وماذا يفعل بها وفرحان يقول لهم كنت ابحث عن الخبز ولا يغير أجابته على الرغم من اللطمات التي كان يأكلها على وجهه .

بعد ضربه عدة عصي على قدميه اللتين تورمتا لم يغير فرحان أجابته فاقتنع المحقق بكلامه وأطلقوا سراحه وفرحان يترجاهم أن ينام الليلة في السجن طمعا بالطعام وفي الغد أن يطلق سراحه إلا أن المحقق أبى وهدده بالضرب مرة أخرى فركض فرحان هاربا على قدميه المتورمتين والكهرباء تغز جسمه كلما داس عليهما.

مضى يومان وفرحان بدون طعام وقد استهلكت جميع طاقته وتورمت قدماه ولم يعد يستطيع السير عليهما فجلس على الرصيف، ولفت انتباهه إعلان مرسوم عليه وجبات طعام ولأن فرحان لا يتقن القراءة فحسبها حفل افتتاح ويوزع فيه الشراب مجانا .

توجه إلى ذاك المطعم وتراقصت عيناه لرؤيته الطعام الجميل وتمتع أنفه بالرائحة الزكية ووقف أمام باب المطعم وحراس المطعم لا يدخلوه فترجاهم فرحان كثيرا ولكن بدون فائدة، فقفز فرحان من فوق سور المطعم ودخل إلى ساحة المطعم والمذيع يقدم بعصاه الميكرفونية مسابقة أفضل أكول ونهم وتقدم من يرغب بالاشتراك إلى المنصة ومن بينهم فرحان الأنحل بينهم والأضعف ترشيحا لنيل اللقب وتلا عليهم شروط المسابقة من يأكل أكثر ويستمر بالأكل يربح ..
جاء الطعام اللذيذ من أجود اللحوم والموضوعة في الصحون المزخرفة ونظر فرحان عن الطعام لا يرف لحظة ولم يصدق أن يعطي الحكم إشارة البدء حتى يلتهم الصحون الكبيرة التي بدت لفرحان صغيرة جدا .

بدأ السباق وفرحان يضع اللقمة تلو الأخرى في فمه ويفرغ صحنا إثر صحن والجميع مستغرب فأحدهم استسلم والآخر اتخم وبدين آخر تدحرج من علَ المنصة ولم يعد بإمكانه الإتمام ..بقي فرحان وحيدا وهو يأكل بشراهة حتى أنه لم يبدو له الجمهور الذي يتفرج عليه وأصبح عنده الصحن الكامل لقمة وزجاجات العصير كأسا صغيرا..

أطلق المذيع صفارة النهاية متوجا فرحان باللقب وفرحان غارق في الطعام وعند سماعه صفارة المذيع شعر بأن تنفسه قد توقف ولم يعد باستطاعته سحب الشهيق وعيونه تمطر بالدموع، لقد غص فرحان أحضروا الأطباء صرخ الجميع ..حاول جاهدا الأطباء إنزال اللقمة ولم يستطيعوا فقد مضى الوقت وسقط فرحان على أرض المسابقة منتصرا بعد فوات الأوان..


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى