الجمعة ٢٧ آذار (مارس) ٢٠٠٩
بقلم نوزاد جعدان جعدان

بائعو الأوهام

أوصد الأبواب وأطفأ الأنوار، وجهز كيس البوشار ولفّ نفسه بلحاف سميك وبدأ بمشاهدة الفيلم، فهذه الأجواء ليست غريبة على وليد الفتى ذو الشعر الأحمر المجعد والنظارات الكبيرة المربعة والحاصل على وسام الحزن وشهادة موت قلب، والذي ابتعد عن العشرين واقترب من الثلاثين، فقد قرر أن يشاهد فيلم رعب، أما عند مشاهدته فيلما هنديا فيبدأ بإشعال الشموع ويسترخي على كرسيه الذي لطالما استرخى عليه، ويبدأ بالتدخين علبا لا تحص من الدخان وعلبة المحارم لا تفارق يديه.

وليد منذ نعومة أظفاره يشتري له والده ثلاثة أفلام يومياً، حتى أنه كون لنفسه مكتبة من الأفلام، ولا يخرج من البيت أبدا بل يبعث إما والده أو إخوته ليشتروا له، وعند الساعة التاسعة مساء يبدأ بالتسلية بالهاتف، يجرب أرقاما لا على التعيين فإن كانت فتاة فيتكلم معها ويواعدها أمام الحديقة المقابلة لمنزله ولا ياتقي بها، فقط يراقبها من وراء زجاج النافذة وهي محتارة خائفة تنتظره وتعلق الآمال على شكله وأسلوبه ولباسه، وكم كان زجاج النافذة غليظ القلب في نظر وليد .

تأتي الفتيات وتنتظرن أمام منزل وليد ذاك الفتى الرومانسي الشاعري والذي كان يتلوا لهن الأشعار الجميلة ولكن انتظارهن بلا جدوى حتى أن تلك الساحة سميت بساحة الانتظار من أعداد الفتيات الضخمة المرتقبات..

دُق هاتف منزل وليد في الساعة الثانية ليلا فاستيقظ والده مرعوبا ليتساءل ترى من الذي توفي، فقد جرت العادة بان هاتف الليل إما جنازة أو مستشفى، لكنه يندهش بصوت عم وليد الساكن في بريطانيا يقول له بأنهم وجدوا علاجا لشلل وليد وأن عليه إرسال وليد إلى الخارج ليتلقَ العلاج ..

كانت الفرحة لا تسع وليدا ووالده، وكلما كان وليد ينظر إلى كرسيه المتحرك يشعر بمئات السهام تغزو قلبه وعند هذا النبأ المفاجئ بدأ وليد يخاطب كرسيه :

أخيرا سأتخلص منك أيها الكرسي اللعين وأبدأ رحلتي في دروب الحياة فلقد مللت من متابعة سيرة الناس دون أن أكون أنا البطل..

سافر وليد إلى عمه في بريطانيا ليتلقَ العلاج اللازم وعاد بعد سنة إلى وطنه ولكن بوضع مختلف بدون كرسي، وبدأ فترة الاحتكاك مع الخارج فلم يعد ذاك الشاب الخائف من نظرات الشفقة المتطلعة إليه بل تحول من بحر ميت غير قادر على تحريك أمواجه إلى بحر ثائر هائج..

في رحلته مع دروب و طرقات الحياة، قرر بداية أن يصارح بنت الجيران الفاتنة والتي كان يحبها كحب الزهور للمطر، واتبع معها أسلوبا مكسيكيا مسترشدا بخطوات التلفاز في هذا النوع من المسلسلات والأفلام.. الفتى الحساس والجدّي والشهم والثقيل الحركة ولم ينجح معها هذا الأسلوب، فجرب الأسلوب الهندي، الفتى النشيط الحيوي المفعم بالحركة والخفيف الظل، ولم ينجح هذا الأسلوب مع أنه قلد القرد ومشى على يديه ولم تكترث فالنتيجة كانت أن الجيران سخروا منه وسموه (القرد)..

بعد عدة محاولات فاشلة صعد وليد إلى أعلى السطح وهدد ابنة الجيران بالانتحار إن لم تعترف بحبها له، فكانت النتيجة عدم مبالاة الفتاة وقولها:
إن كنت تريد الانتحار فسأساعدك وأدفعك إلى الأسفل..

في اليوم التالي ذهب إلى المسرح لعله يستمتع بمسرحية ويقع في حب إحدى الحاضرات وعند مشهد مؤثر في المسرحية انتصب وليد ووقف على قدميه وبدأ بالتصفيق حينها انفجر الناس من الضحك والقهقهة ولم يشاهدوا المسرحية بل عيونهم تراقب وليدا، فشل وليد في الحب حسب اعتقاده وظهرت النتيجة عكس توقعاته، وارتأى أن يجرب مساعدة الناس كما يفعل الأبطال في السينما .

في المساء زاره صديق عزيز على قلبه وطلب منه نقودا لأنه مل ّ من الإيجار و يريد أن يتزوج ويستقر في بيت يملكه.
كان المبلغ كبيرا وليس أمام وليد سوى تكسير محصلته التي كانت حصاد سنواته وجميع ماله الخاص ولكن حسب الأفلام العربية يجب مساعدة الصديق عند النداء وفعلا أعطى لصديقه المال ومرت الأيام ولم يرجع له ماله بل على العكس كان صديقه يقول للجيران والأصدقاء بأنه سلب النقود من أحد الأغبياء وما أطيب أموال المغفلين والأغبياء وما ألذه، بعد هذه الحادثة فقد وليد الثقة بالصداقة.

وبينما كان وليد يحضر أغراضا للمنزل و يسير عائدا إلى المنزل بدت له امرأة عرجاء تحاول قطع الشارع فركض وليد نحوها وأمسك بيدها لتتجاوز الشارع، فبدأت المرأة العرجاء بالصراخ:
حرامي ..لص اقبضوا عليه..

فهرعت جموع الناس تلاحق وليدا وهو يركض بأقصى سرعته وأخيرا نجح بالفرار، وبعد ركض مجهد صادف في طريقه مجموعة شبان يحاولون سرقة حقيبة رجل كهل، فمنعهم وليد متذكرا أفلام الشاولين والكاراتيه محاولا تأديبهم إلا أن النتيجة انعكست وانقلب السحر على الساحر فضربه الشبان ضربا مبرحا وسرقوا حقيبة العجوز حتى أن يد وليدٍ لم تصل إليهم ..

بعد تلك الضربات المؤلمة قرر وليد أن يقلد الأبطال بعد الضرب المبرح فتوجه للحانة مستمتعا بمنظر الدماء تسيل من أنفه وجبينه فطلب زجاجة من الخمر بدلا من الكأس وباشر بالهذيان مع الرشفة الأولى مخاطبا ساقي الخمر :

آه منك أيها الساقي

يا لك من كاذب أناني

تحاول دائما خداعهم وخداعي

ثم خاطب حبيبته:

إذا وقعت ِ يوما في شباكي

ستعرفين جيدا كيف أعامل فريستي

استغرب الساقي من منظر وليد وكلماته فحسبه مجرما واتصل بالشرطة، فقبضت عليه الشرطة ووضعته في السجن وعند دخوله قرر أن يستلم زعامة السجن فسأله أحد المجرمين :

_ما هي جريمتك أيها البسكويت ؟

_أنا محكوم بالإعدام(كان يقولها وهو مفتخر ).

وأبعد أحد المساجين بقدمه ليحتل مكانه فقام السجين بضربه، وعندما أيقنوا أن وليدا ضعيف جدا قام كل من في السجن بضربه، بعدها نام وليد عند باب السجن بدون لحاف أو وسادة وجاء والده في اليوم التالي وأخرجه من السجن بسبب عدم توفر الأدلة ..
استطاع وليد الخروج من السجن بدون محكمة ولكن في البيت تنتظره محاكمة قاضيها أبوه فسأله :

_لمَ كنت في الحانة يا حيوان ؟ ألا تعلم تقاليدنا وعاداتنا!

فيجيبه وليد:

أنا عاشق يا أبي ..

- عاشق! في أي بحر تندرج هذه القصيدة وفي أي بنك تصرف هذه العملة .

وبدأ والده بضربه بالحذاء على وجهه ووليد يبكي بشدة حتى أنه لم يستطع السيطرة على مؤخرته التي كانت تطلق روائح كريهة تغضب الأب أكثر.

استيقظ وليد في الصباح وقرر رميّ كل أفلامه في البحر فتوقف عند الشاطئ وتردد ولم يرميها خشية أن يتلوث البحر بأفلامه فدفنها تحت الرمل ولم يدفنها تحت التراب خشية نموها ..

في طريق عودته قرر أن يبدأ بداية جديدة، لكنه رأى امرأة مسنة تحمل أكياسا ثقيلة فلبى نداء قلبه وقال في خلده : هذه ستكون آخر مساعدة .

حمل معها الأكياس إلى منزلها وطلبت منه المرأة أن يجلس ويحتسي معها كأسا من الشاي، لم يمانع وليد وبينما كانت المرأة تحضر الشاي فتش وليد كيسا من الأكياس السوداء الموجودة والتي حملها معها فوجد فيها قطعا بشرية وأكياس دماء فأيقن أنها تتاجر بالأعضاء البشرية وتحضر للفريسة كأسا من الشاي المخدر ثم تقتله وتبيع أعضائه ..

فر ّ وليد مذعورا وهو يبكي تارة ويضحك تارة ويسبح في الجو ويطير في الماء حتى أنهم سموه في مشفى الأمراض العقلية بمستقبل الأوهام، فحتى في المستشفى كان يصدق كلام المرضى ونصائحهم ويغني مع نفسه :

نحن بائعو الأوهام

نبيعكم سنوات الضياع

وكَساندرا وفان دام

عن الجاذبية الأرضية

بعيدون بشكل تام

عندنا أحلام بكل الأحجام

فآمالكم عليها السلام

لأننا صناع أحلام


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى