الاثنين ٢٨ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠٠٩
بقلم بسام عورتاني

بؤس الصورة وقهر الحب

يمكث من الوقت ما يكفي للوصول إلى ذروة العشق، يبحث عن دفئ الأماكن ودفئ الكلمات، يحلق في وجوه من يعرفهم من النساء ويبحث عن خياله لكي يطمأن القلب وتستقر المشاعر في حال وجود نصفه الآخر.

كل يوم يسأل خياله، كيف شكلها؟؟ ومن هي ؟؟ كيف تتكلم؟؟ كيف تبكي؟؟ كيف تفرح؟؟.. وفي كل يوم يتأمل وجوه من مرّوا بجانبه وبخياله لعله يجدها، أويجد شبيهةً ترسم له بعض الملامح الحقيقية وبعض التفاصيل التي تُبشِّر بالنصر.

شابٌ يبحث عن ملامح نصفه الآخر، ويستدل على ملامح وجهه بالوقت نفسه، يرسم صورتها، يلونها ويلون مشاعره بكلماتٍ الرقة والرجولة المسنفره. كعادته في كل يوم ، يَبيتُ الحلم بين وجنتيه، وتنام الصورةُ بين ذراعيه، ينتظر صباحاً نشطاً يجدد له حيويته وحيويةِ نظرته للإنطلاق والبحث. يخرج باكراً إلى جامعته وفي يده صورتها، كل ما يصطدم بعبق إنثى لها رائحةٌ تجذبه ، إلا وينظر بالصورة ليقارنها بها فيجد إختلافاً لا يَسُر، فيصرف النظر عنها ويغير وجهة البحث في مكان آخر. يستمر بالسعي والمقارنة وينتكس مرةً تلو الأخرى. فينقضي النهار ويحين وقت الذهاب إلى البيت، يعود يائساً يلملم ما تبقى من طاقته الشاعرية، ويمشي خفيفاً لا يكتنز فيه أيُّ سعادة، وتارةً يشعر بثقل قلبه على جسده وتصبح الأمنيات معكوسة، وملخصها: " لا أريد أن أجدها ".

ما أن يفترش الحزن في فراشه لكي يقضي ليلته مستاءً من يومه، إلا وتقفز إلى خياله صورةٌ أخرى لها؛ تلك التي يحلم بها بين ذراعيه، يتلذذ بحرارة الطبيعة المختبئة بين شفتيها. فيقفز على الصورة التي رسمها بالسابق يمزقها ليعيش الخيال من جديد، ويعمل له عساه يصبح حقيقةً وليصبح واقعاً كما يريد. فيحدد معالم أنثى تحيطها هالةٌ من الجاذبية، تسيطر على قطرات الدمع قبل مولدها. ولكن إنتبه وهو يرسمها أنه يضيف فيها من ملامحه ومن روحه عباراتٍ وخطوطِ الإرادة والإصرار، ولكن لم يكترث، وقرر التواصل مع خياله ومع عالمه المليء بالألوان والملامح والعمق .

أكمل ما بدا به، وإستقرَّ على فراشه يلقي نظرته الأخيرة قبل أن ينضم إلى عالم النائمين. وفي صباحه كعادته أخذ قسطاً من الإبتسامه من سواد قهوته الصباحية، وإختار لونه المفضل وبعث في أطرافه حيوية الورود وبساطة الندى، لينطلق إلى رحلته اليومية في عالمه الصامت، فإذا به ينتكس مرةً ثانية، وبعدها الثالثة والرابعة، وإستمر بالنكسات كلما أصرَّ على فعل فعلته اليومية. وكل يوم يمزق وجه نصفه الآخر الإفتراضي ونصف خياله المجهول، ويلقي اللوم على حظه وعلى تعاسة الأمكنه، حيث يقول لذاته: لا بد من أخذ قسطاً من الراحه، ولا بد من تعاطي أي شيء غير النساء والحب، ولا بد من هجرةٍ حقيقيةٍ تنقلني من عالم الخيال والمشاعر إلى عالم اللامبالاه بهذا الإحساس المنقسم بين الخير والشر، بين الفرحة والصرخة، وبين المتعة والألم الفطري.

صورتها تمزقت ولم تعد ذات معنى، أنا لا أصلح لتلك الصور، لأني لم أصبر على مطابقتها مع الحقيقة ولم أعطي نفسي فرصة البحث في أماكن أخرى.

فعلاً أنا المخطئ، لأني لم أجدها ولأنها مختبئةً حتماً في مكان ما أستطيع أن أجده لأجدها .

بات أيام وليالٍ وهو يفكر ويقرر ويفشل في الإستمرار بإتخاذ القرارات إلى أن خطرت في مخيلته فكرة جنونية. وهي : أن يبحث عن إمرأة يُعجب بها، يرغب بتكوينها ويختزن الصورة في ذهنه وعندما يرجع إلى غرفته البائسه ينكب على رسمها، فيُتم الصورة ويحملها في اليوم التالي ليقارنها بصاحبتها. وفعلاً هذا ما حدث وذهب في صباح يومه التالي يبحث عنها في كل الأروقة والحدائق والأزقه، وكل الأماكن الممكنه، فلا يجد أحد. ولا يعثر عليها ولا على أحدٍ يشبهها. فيهدأ قليلاً ليتنفس حرارة الفشل، وتعاسة الفكره، إلا وتظهر عليه أنثى من نوع صارخ، رقتها تغني للعصافير وشعرها يرقص طرباً ورموشها تهلل. يقف وقفة إستعدادٍ ذكوريْ، ينبهر ويتدفق الدم إلى عيونه لتتسع لهالتها أكثر فأكثر، وما أن تمر بجانبه، ويشتم رائحة الأنوثة الصارخة، فتتحرك يداه وتتشنج أصابعه ليمزق صورة تلك الفائته بدون حسرة ولا ندم .

يغادر المكان بأقصى أنواع المتع، ليصل إلى طاولته السافرة، يخرج ورقاً/ لوحاً له رائحةٌ وردية، وقد إبتاع أقلامً وريشة رسم جديده، ليثبت لنفسه أنه وفيٌّ لعذرية جمالها بعذرية أدوات الرسم. ينظر إلى سقف الغرفة ، يتذكر أنه لم يضع الموسيقى التي تثير فيه شجون التعالي وسمو الخيال، إبتسم بسخريةٍ من ذلك النسيان وأخرج إسطوانةً موسيقيةً لا يُسمع فيها صوت مغني ولا مغنية، وإنما أصوات الطبيعة الممزوجة بتاريخ الحضارات وتاريخ الإنتصارات العشقية. هو الآن في عالمه، في كينونته وفي ممالكه وفي لذة العشق الوهمي، ولذة النصر على تعاسة الوحدة التي عانا منها كبرياؤه. هو فعلاً في حالة تماهي مع أبسط الملذات وأكثرها تناقضاً، هو في غفلة الحزن وسلام العشق بذاته وذات الأشياء القديمة .

يتقلب القلب بين أصابعه مع تقلب ريشة الرسم بين اللوحة والألوان، ترتعش ذاكرته لكي لا تسمح للخيانة أن تتسلل إلى عمق نظره. يرسم بدقه وبتأني وبسعادة الثقة التي تملأ غرفته ظلاً آخر. وفي أذنه تتسابق أنغام مشيتها وهي تمر به وتمر حروف أسمها المجهول في السماء الأخيرة لخياله .

ذاكرته الآن لا تسمح إلا لسيدة الموقف الأخير أن تتسلل إليها، فهي تمارس عنفاً وتسلطاً على أطرافه. وهو لا يرى سواها وما أن فرغ من الرسم حتى تداعى جسده وإنخفض رأسه، وتمايلت جفونه، ليصعد إلى سماءه المظلمة. وكأنه مثمولٌ بالولع والشوق والخطيئة .

وينادي خياله فيقول:

أين وجهها؟؟ أين ظلها؟؟

أين أنا؟؟ وأين نصفي؟؟

توزان الخير والشرُّ في داخلي

ولم يتوازن جسدي بحقيقة نصفي

أين نصفي لكي يكتمل تناقضي

وأين ظلي لكي يستلذَّ الضياء


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى