الأربعاء ١ حزيران (يونيو) ٢٠٠٥
بقلم ناصر ثابت

النسر الغريق

-1-

تمشى وحيداً فى الشوارع تحتَ زخاتِ المطرْ

وتجرُّ خلفكَ ذكرياتٍ فى الدفاتر والصُّوَرْ

وجعُ المدينةِ بانَ فى عينيك حينا وانكسرْ

-2-

تمشى وحيدا باحثا عن كوخِ آلهةِ الفِكَرْ

ثملا تغنى فى خشوعٍ للسناجب والشجرْ

متوغلاً فى النوحِ، تنصتُ للحمائم والنَّهَرْ

فكأن وجهكَ والبكاءَ قصيدتان عن القدرْ

-3-

أبقيتَ ظلكَ فى بلادٍ لا تغادرها السماءْ

وأخذتَ هامتك العريقة وانسلختَ عن البشرْ

وعن الرياحين الطرية والدفاتر والدماءْ

وركبتَ بحرَ الروحِ بحثاً عن مساحاتِ الشتاءْ

فكأنَّ قلبكَ مولعٌ بالإرتحالِ وبالسَّفَرْ

حتى تركتَ كلامَك الفضى يعبثُ بالفؤادْ

وينيرُ أقبية القوافى بالأغانى والسهاد

-4-

أيارُ شهرٌ باهتٌ، فيه التقلبُ والسوادْ

فتراه يبخلُ بالقصائدِ، قاتلاً نبضَ المدادْ

ويرشُّ فوقَ صدورِنا لهبا، ويمنحُنا المطرْ

أيارُ حين يرى دموعَك أنتَ يرغبُ بازديادْ

فامنحْه أحلاماً رسمتَ على الزنابقِ والترابْ

واسمعْ أناشيدَ المناراتِ الطويلةِ والضباب..

واقرأ له عند الغروبِ قصيدة "الأرض اليبابْ"*

-5-

الشعر فعلٌ فاضحٌ، فامسحْ جبينكَ بالسرابْ

واستجدِ آلهة الخلودِ، فأنتَ تدخلُ فى الغيابْ

-6-

صوتُ القطارات استفاقَ، وحان وقت الإرتقاءْ

فاكتبْ قصائدك العقيمة فوق أجنحةِ العتابْ

أكتبْ، لعلكَ بالحروفِ تردُّّ غانيةَ الندى

تلك التى أصبحتَ عندَ بياضِ كفيها سُدى

أكتبْ، فإنك هائمٌ فيها، وقد حَضَرَ الردى

واغسلْ أناملها الصغيرةَ بالضياءِ وبالصَّدى

وافتحْ لها أرضَ الفؤاد، ومدَّ للعشق المَدى

متوهماً (بعدَ افتراشِ نهودِها) أن تَخلُدا

فهى انقضاءُ العُمرِ وهى فراشةٌ بين الحقولْ

فإذا لمستَ بياضَ زنديها وقبّلتَ اليدا

ستذوبُ مثلَ الثلجِ فاجمعْ روعة الجَسدِ الجَميلْ

واسكبْ خلاصَةَ روحِها، قبلَ التوغلِ فى الأفولْ

-7-

زخاتُ هذى الغيمةِ الحمراءِ تصبغُ معصميكْ

وتعودُ رائحةُ الترابِ بكلِّ لَذتها إليكْ

حتى الحشائشُ ليسَ فيها غيرُ أمتعةِ الرَّحيلْ

حتى الشوارعُ والجَداولُ والمنازلُ والسيولْ

فضياعُ مثلِكَ فى المدائنِ والصَحارى قد يطولْ

والحزن أيضا قد يعششُّ فى الفؤادِ ولا يزولْ

والمِلحُ فى الدمع الذى يهوى الترقرقَ والهطولْ

والشعرُ، والألم الذى يسمو مع الجسدِ العليلْ

الشعر كالألم المعتقِ حينَ يُهرَقُ فى الكؤوسْ

-8-

تبدو حبيساً كالنوارسِ فى متاهاتِ الزمنْ

وعلى حدودِ العُمرِ تسكنُكَ الموانئُ والسُّفُنْ

والبحرُ فى غضبٍ يخاطِبُ ما نثثتَ من الشجَنْ

تشدو، وأجراسُ الكنائسِ لا تدقُّ ولا تَرنْ

فى الحزنِ أنتَ تظلُّ وحدَك كالطيور بلا وطنْ

تمشى وحيداً مثلَ أرواح الغيومِ بلا بدنْ

وتخاطبُ الظلماتِ، تسبحُ فى الرياح وفى الرمالْ

وتطلُّ من بين الحكايا، حاملا بؤسَ الكفنْ..

-9-

تبدو حزيناً، والصلاةُ اليومَ تُسكِرُ كالنبيذْ

فاحملْ تفاصيلَ انتحارك فى تشاؤمكَ اللذيذْ

وإذا نهضتَ من المماتِ، فعد إلى ذات السؤالْ

من أنت؟ ما الأحلام؟ ما الشعرُ المحلقُ بالخيالْ؟

حتى تعودَ لك الحروفُ بما تريدُ لكَ الجبالْ

-10-

النهر يسرى هادئاً بينَ الحَشائش والغصونْ

لا موجَ فيه، كأن تحتَ ثيابِه السرَّ الدفينْ

ماذا سيحدثُ لو تفجَّرَ بالزلازلِ والجنونْ؟

ماذا سيحدث للسماءِ، وللترابِ، وللسكونْ؟

أتراكَ سوفَ تعيدُ رسمَ الشمس فى قلبِ السماءْ؟

متوهماً أن القصائدَ فى حياتِك قد تعودْ

أرسلْ عظامَك للمقابرِ قبلَ أنْ يلدَ الوجودْ

وأنثر عليها ما تيسَّرَ من دمائِك والورودْ

فلعلَّ هذا النهرَ تسبحُ فيه قاماتُ الرعودْ

يبدو كئيباً، والمشردُ فوقَ ضفتِه ينامْ

قذراً، وكثَّ الشَّعرِ يلتحفُ الرطوبة والسُّخامْ

تركَ المدينةَ، والعَمَاراتِ العظيمةَ والزحامْ

واختار هذا النهرَ متكئاً على بعضِ الركامْ

فتراهُ يبحثُ كلَّ يومٍ عن بقايا من طعامْ

بين القمامةِ والشقائقِ والجنادِبِ والحَمامْ

هو غارقٌ فى عالمٍ أركانه صمتُ المكانْ

يهفو إلى مَن حين يعبر قد يبادله السلامْ

يهفو إلى وجهٍ يجاذبه خيوطَ الإبتسامْ

وتمرُّ أنتَ أمامَه متثاقلاً مرَّ الكرامْ

هلا وقفتَ مفكراً بقساوةِ الدنيا قليلا؟

ماذا تريدُ؟ ألا ترى الإنسانَ كيف يصيرُ غولا؟

يؤذى أخاه، وليسَ يعرفُ كيف يمكنُ أن يؤولا

وتظلُّ أنتَ مسافراً فى الشعرِ تحترفُ الرحيلا

تبكى على الأيام، تمسحُ وجههَا الغضَّ العليلا

هلا حملتَ إلى المدينةِ بعضَ دمعِ المعدمينْ؟

هلا حملتَ لها من الأناتِ ما يُبكى العيونْ؟

علّ الذين يسابقون العصرَ، أو يتطايرون

فوق المدى، ويراقصونَ نساءَهم يتذكرونْ

أن الحياةَ تدور دورتها على مر السنينْ

-11-

تبدو حزيناً، هل أخذتَ الحُزنَ من هذا المقامْ؟

فارجعْ إلى الأشجار وانظر كيفَ تزهرُ كلَّ عامْ

وارقبْ صِباها حين تبدأ بالتزاوج والغرامْ

أعد الحياة إلى فؤادك، جددِ الأمل النديا

وانصتْ إلى صوتِ الطيور يدور فتانا شجيا

- 12-

جاءَ المساءُ، وأنت تبحرُ بين أشرعةِ الضبابْ

فبدأتَ تبحث عن قطارٍ يعبرُ العشبَ الطريا

ويضيعُ فى أفق القصائدِ حاملا غدكَ الشقيا

لا يعرف الشعراء كيف يكررون إناثَهم

فخذ الرياحَ وعدْ بلا قلبٍ إلى الماضى السَّحيقْ

وامزجْ تنهدَكَ المعتَّقَ مع تلافيفِ الطريق

فغدا ستمشى فى دروبك تحتَ زخات المطر

وستنتفى فى الغربة السوداءِ كالنسر الغريقْ

ولسوف تبحثُ عن بقايا الشعر فى جوف البريقْ

حتى تشاركَكَ الغيومُ همومَها عندَ السَحَرْ

وترشَّ فوقك عطرها، وتردَّ أنت بلا اكتراث

وتسيرَ محزوناً كأن الحزنَ سرُّ الإنبعاثْ

وتظلَّ تبحثُ بين أفكار المدائن عن صديق

وتظلَّ تبحثُ عن صديق..

* قصيدة الأرض اليباب للشاعر الأمريكى الكبير ت. إس. إليوت


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى