الخميس ١ أيلول (سبتمبر) ٢٠٠٥
قصة قصيرة
بقلم سها جلال جودت

الأفعى

إذا كانت الأفاعي تخيف النسوة، فإنني أؤكد خوف بعض الرجال منها أيضاً،وهناك في "حاكورة" الأرملة أم القطط قطة أليفة كانت تستقبل زوارها قبل أن تستقبلهم هي،هذا يدل على أن الحياة في هذا المنزل ما تزال متوهجة توهجاً له خصوصية ما!.

لا أحد في الضاحية يعرف أنها مؤخراً ابتدأت تخاف من الأفعى! ما حصل مع الأرملة أم القطط جعلها تستصرخ الساعة في أن تقوم القيامة وما تقعد!.

الولد البكر لم يكن ولداً صالحاً بل ريحاً صرصراً يعصف بها كلما تاقت نفسها إلى الراحة والأمان :

- يا ولدي ... تنبه ... تيقظ ... كن راشداً وابتعد عن الضلال.

وبتبجحٍ يكسرُ طوق الصلة مع مشيمة القلب يصرخ :

- لا علاقة لك ... لا تتدخلي في شؤوني.

"الرحمة تتنزل من السماء" واسترحام القلب القاسي من المحال،والأرملة تجر أذيال وحدتها وانكسارها اجتراراً كما العلقم في قارورة الحلق.

كلّ مساءٍ ترسمُ دموعها خطوطاً على تجاعيد وجهها التي بدأت تظهر متناغمة مع توافد السنين،ورضوخاً عند باب الرحمة تتوقف عن إخراجه من دائرة عمرها المنهك.

وأم العصافير والتي تبوأت تغاريد طيورها على شجرة السرو السامقة عرش مملكة الغناء كانت ما تنفك تتباهى أمام جاراتها وقتما يشربن قهوة الصباح .

حديقتها التي احتوت على الورد الجوري والعطرية والريحان والتي كانت توليها من اهتمامها العناية والوصاية كانت تجعلها أكثرهن بشاشة واغتباطاً، وما كان يزيدها تعلقاً بحديقتها صوت طائر يقال له الكريم،والذي جعلها أكثرهن إشراقاً ذلك الضوء السماوي الذي ينبلج عن زرقة السماء التي تنعكس زرقتها على البحر،ولكن ما يعكر من صفوها ما يفعله ابن الجيران!

لجأت إلى الحكمة في طرده في محاورات بظنها أنها قد تنفع، لكنه جاء مع أهله من الأقاصي، واستحوذوا على أرض أبي إسماعيل بوضع اليد ، وتركوه في غرفة الحراسة وفي زاوية شبه ميتة ، فعاش وحيداً ، ومات وحيداً بعد أن حولوا هذه الرقعة من الأرض إلى مبانٍ للآجار السياحي.

ثلاث "حاكورات" متجاورات كن يشكلن ما يسمى خريطة تجمعُ فيما بينهن العلائق الوجدانية،ما عدا أرض أبي إسماعيل التي استحوذ عليها هؤلاء الأغراب لتشكل عقدة بغيضة،رغم ما فعلته بهم مديرية البلدية،ورغم تقديم الشكاوي على أفعالهم القميئة، فإنهم سيطروا، لكن الأرض ظلت متعلقة باسم صاحبها الذي مات كالغريب عن جيرانه وارتفعت فوق قبره المباني .

وفي هذا لابد من الحديث عن "حاكورة" أم المواويل التي كانت كلما دخلت الحمام راق لها الغناء،وحين يعزف الجن من حولها موسيقاهم الخفية،تحس كأنها تسمع صوتاً يناديها، فتتوقف عن الغناء وترهف السمع ثم تعود لتنغمس مع دفء الماء الساخن،ورغوة الصابون وهي تغني:

- "أعطني حريتي أطلق يديّا ... إنني أعطيت مااستبقيت شيّاً" .

وأم القطط في حاكورتها مع أشجار الليمون التي كانت تسقيها بدمع عينيها شهقت عندما استيقظت ذات صباح على عريٍ أجفلها !

داخل صومعة الصبر كانت في سكونها الجريح تصلي، تودع يوماً والأيام القادمة تجعد رذائله في تراكمية من طبقاتٍ عطنةٍ.

استنجدت بالجيران برجاءٍ فيه نأمة الانكسار،أحدهم تبرع بالمراقبة،وحين شاهد الظل الأسود وقد تحرك بين أشجار الليمون صرخ:

- توقف يا بن الكلب .

على ضوء مصباح اليد بحثوا عنه،بين الجذوع،عند تكاتف مسارب الصبار، كأنه ذرة ملح ذابت في كأس ماءٍ!!.

القطة الصديقة والتي شاهدت حية تتسحب من جحرها هيأت نفسها للانقضاض عليها، وما إن تمددت على الأرض مثل أنبوبٍ ملتوٍ حتى هاجمتها، موسيقا الفحيح والمواء أخرجا الأرملة من جدران قهرها.

الحيوان الأليف يدافع عن سيده وجراح القلب المستكين تكبر وتصلي،من كان يسرق الليمون من انسلخ وجدانه عن وهن الأم وعذابات وحدتها وكدها وسنوات صبرها،وحين تعرت الحقيقة في كهربةٍ أجفلتِ الجار والأم سقطتْ مغشياً عليها مثل قشةٍ ضربتها الريح.

لفترة يلوذ بالهدوء،وبانغماس النفس مع أهوائه الطائشة يعود إلى مستنقعات رذائله !

حين عادت الأم بعد أن باعت ما تركه لها من حبات الليمون وقفت باهتة أمام راقصتين من الأفاعي السوداء وهي تحدق في الصورة والصوت

- تسْ ... تسْ ... تسْ.

قرب النافذة كانتا ترقصان وصوت الموسيقا يملأ جدران المنزل في الداخل صخباً وضجيجاً، وفي اضطرابٍ من وهنٍ مرهقٍ تساءلت :

- هل أخطأت ؟.

بهدوءٍ تراجعت نحو الوراء، ورويداً رويداً أطلقت رجليها إلى الريح لتقف أمام جارها تطلب معونته،الرجل لم يتأخر،حمل مجرفة ومضى معها، وبسرعة صرع واحدة أما الثانية فقد انسلت بخفةٍ بين تكاتف أوراق الصّبار.

دقائق مرت سحقت زمن التجلد والصبر، وضعت مفتاحاً آخرَ، خمنتْ من وجلها أنها أخطأتْ، ضربتِ الباب بيديها، ضغطتْ على زر الجرس بشدةٍ ،الغائصون لا يشعرون،وبعد أن انطفأ الصوت الموسيقي الصادح انفتح الباب عن وجهٍ كأنه الذئب،أمسكت بزمام غضبها،استعارت من صلاة الروح نفحة من الصبر، نظرات عينيه تلاحقها وهي في خضم وجعها تفتش بهدوءٍ ُيجفف غراس المشاتل، وما إن امتدت يدها لتفتح باب الحمام حتى انتصب أمامها وأمسك بيدها مثل عدوٍ كاسرٍ وبلهجةٍ آمرةٍ :

- دعي الباب !

مرت لحظات كأنها حربٌ نووية أبادت التكوين الأمومي برمته،عينا الصبي،عينا الأم في صراعٍ صامتٍ مستشيطٍ، وبلهجةٍ ناقمةٍ لا تردد فيها، وبإصرارٍ على فضح الحقيقة، فتحت الباب وسحبتها من يدها كما يسحب الحاوي الأفعى.

أجلستها على الأريكة أمامها ثم صفقت، وأنشدت نشيداً كلماته علقم ولحنه صوت بحرٍ غاضبٍ لكنه غير أعمى.

بنت أم، وتضحك، تغربل أنغام صوت ضحكتها غربلة تتحول إلى أهزوجةٍ تعيد اللحن من جديد .

تبصق في وجهها، تبصق في وجه ولدها، تبصق في هواء التلوث، ثم تجهش في البكاء.

والجديد الذي حدث في "حاكورة" أم العصافير أن الأغراب تمكنوا من جزء من أرضها، ورفعوا حواجز من الأسلاك الشائكة،وكلما واتت ابن الجيران الفرصة المشتهاة وقف مثل نمسٍ يتربص بعصافيرها والبندقية في يده يحاول صيدها وعلى الأخص طائر "الكريم" والحجة أنه يزعجهم بصوته وقت نومهم !

ما تفعله أم العصافير أنها تمسك بالحجارة وتقذفه بها وهي تصرخ:

- يا كريم ... انصرني عليهم يا رب.

ولكن ما الذي حصل مع أم المواويل تلك التي ما تنفك تردد :

- "أعطني حريتي أطلق يديّا "؟ .

المرأة كانت تستظل بظلال شجرة البلوط الكثيفة الوارفة الظلال محاولة أن تستعيد من أماسي عمرها الماضي الجميل بعض صورٍ علها تخفف من ظلام وحدتها وهذا ما جعلها تخفي القهر باللجوء إلى الغناء بعد أن تركها أولادها متوجهين إلى مدن الأضواء والضجيج وحيدة .

شيءٌ ما ... شيءٌ غريبٌ أحست به ينسل في ظهرها فتشعر بدبيبٍ لا عهد لها به، وبعفوية رفعت يدها نحو الوراء وأمسكت بالشيء الغريب وسحبته بقوةٍ وقذفته بعيداً وحين اتضحت الصورة التي أشعرتها بالجنون انطلقت حنجرتها بالصراخ وهي تركض مثل مجنونٍ:

- حية ... حية ... يا ناس حية !

كفنٌ لا يشبه أكفان الموتى في قبورهم ... كفنٌ من نوعٍ فظٍ وخشنٍ يجعلها تنبش الماضي في أقبح رذائله حين عادت أم القطط ذات عام مضى ولن يعود، حين عادت و دخلت منزلها وشاهدت الخيانة بأمِ عينيها،كم حاولت النسيان، وكم حاولت،وحاولت حتى احترقت الورقة ورحلت! بعد أن تركت لها من الذكرى صورة مماثلة زادتها هموماً وبلبلة،وفوق كل هذا وذاك خباثته في سرقة الليمون ألم يكن يتخفى بين الأغصان لحظة يشاهد الجار ظله الأسود ويجعلهم في لوثةٍ من خوفٍ يفتشون ! وحين رأت الخيانة تكرر نفسها أمسكت بعصا الغسيل وركضت وراءها وهي تلعنها وتلعن البطن التي حملتها،أليست على غرار أمها!!

حين أرادت العودة توقفت مبهوتة وهي تستعيد أنفاسها ما شاهدته صعقها،الأفعى التي لاذت بالفرار عادت كي تطمئن على رفيقتها،وحين لم تجدها انتصبت أمام النافذة كأنها ترهف السمع ثم انسلت تقطع الشارع باتجاه التل وهذا ما طمأن الأرملة .

ارتقبت عودته مثل قطة تشبه النمر، فتكت بتضاعيف رأسها ما تعانيه من أفعاله،وحين عطف النوم على مواجيد عمرها الباكي استسلمت للنوم مجهدة وحزينة.

كانت الشمس قد بدأت تفرش جدائلها على "الحاكورة" عندما مدت الخرطوم تريد أن تغسل فناء الدار،وحين اقتربت تريد فتح الصنبور ُذهلت وارتعشت مما شاهدت، حية صغيرة تشرب الماء من الأرض تحت الصنبور !

عن بُعدٍ تأملتها، وبخوفٍ راعشٍ بسملتْ ثم قالت :

- اذهبي في سبيلك .

وكأنها فهمتْ فتركتِ المكان،وانزلقتْ مسرعةً إلى حيث لم تعدْ تشاهدها الأرملة أم القطط !

والذي حصل فجع قلب الأم صبيحة يوم جعل صوت الصراخ مدوياً حتى عجزت حنجرتها عن الصياح،الأفعى السوداء كانت في زيارة لفراش ولدها.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى