الثلاثاء ١ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٠٥
بقلم إدريس ولد القابلة

أي مستقبل للإسلام في الديار الأوروبية؟؟؟

قدم البروفسور المهدي المنجرة محاضرة قيمة يوم 15 سبتمبر 2005 بالمركز الإسلامي لفلانسيا بالديار الاسبانية تحت عنوان: " أي مستقبل للإسلام في الديار الأوروبية" وذلك في إطار لقاء نظمه هذا المركز بشراكة مع نادي روما.

و لا تخفى على أحد علاقة البروفسور المهدي المنجرة مع نادي روما، لقد كان أصغر عضو سنا ضمنه منذ 30 سنة خلت، كما كان أحد ثلاث مؤلفي تقرير النادي الثاني الذي نال استحسان العالم قاطبة، والذي صدر سنة 1979 تحت عنوان: لا حدود للبحث والدراسة، والمترجم إلى 12 لغة عبر العالم. إن البروفسور المهدي المنجرة يعتبر ابن الدار، "نادي روما"، منذ التأسيس.

و قبل الشروع في لبّ موضوع محاضرته القيمة، خصص البروفسور برهة من الزمن للتطرق لمشواره البحثي، إذ خصص جزءا كبيرا من حياته للبحث والدراسة والتقصي في مجال المستقبليات، وحصة الأسد من مؤلفاته الكثيرة الصادرة عن قلمه السيّال خصصها للدراسات المستقبلية، والكثير منها ارتبط بإشكالية مستقبل الإسلام.

كما يُعتبر البروفسور المهدي المنجرة أحد لبنات الأساس للفدرالية الدولية للدراسات المستقبلية.
و في سنة 1990 ساهم بشكل فعّال ومتميز في تنظيم أوّل لقاء حول مستقبل الإسلام بالجزائر العاصمة، وهو اللقاء الذي شارك فيه العديد من العلماء والأساتذة والمثقفين. وقد كان إجماع بخصوص أن الإسلام وصل إلى أسوأ درجة من التقهقر في العصر الحالي لأن المسلمين ابتعدوا عن الاجتهاد والتجديد وسجنوا أنفسهم في ماض دون الانفتاح على المستقبل. وهذا ما أقر به مجمل الحاضرين بالجائر العاصمة، ومن ضمنهم الغزالي والغنوشي والترابي والقرضاوي والكثير غيرهم. الجميع اتفق على أن الإسلام كان دينا شديد الارتباط بالمستقبل، ويولي أهمية بالغة للمستقبل (علما أنه من الواجب التمييز بين المستقبل والغيب). وفي نهاية لقاء الجزائر العاصمة اتفق الجميع على ضرورة الإقرار بجملة من الأولويات وعلى رأسها التصدي للأمية ومحاربة الفقر عبر توزيع عادل للثروات داخل البلدان وفيما بينها، وتخصيص استثمارات أكبر وأهم للبحث العلمي، هذا إن أراد العالم الإسلامي أن يخرج من نطاق الدول المتخلفة غير القادرة ة العاجزة على تحقيق ما تنتظره شعوبها.

و بعد هذا التمهيد تساءل البروفسور المهدي المنجرة: أي مستقبل للإسلام في الديار الأوروبية؟ وكيف يمكن الربط بين عبارات: مستقبل، الإسلام، أوروبا؟

هذه هي المهمة الصعبة التي عزم البروفسور المهدي المنجرة على القيام بها، أي الإجابة على هذين السؤالين.

و قبل الشروع في الإجابة، أكد البروفسور أنه عندما قام ببحث بشبكة الويب عبر محرك غوغل بخصوص عبارة "الإسلام" تلقى فورا ما يناهز 20 مليون مرجع وبيان تقريبا، وعندما قام بتوليفة بين عبارتي "الإسلام" و"أوروبا" حصل على ما يناهز 15 مليون من المراجع والبيانات. وغزارة هذه المعطيات الكمية كافية وزيادة لتوضيح شساعة الموضوع بدون تعليق.

فقد أكد البروفسور المهدي المنجرة على أنه بعد 15 سنة من الآن سيبلغ عدد المسلمين بأوروبا ما يناهز 210 مليون شخص أي ما يمثل 12 في المائة من عدد مسلمي العالم.

ثم انطلق البروفسور من مقولة سبق وأن قالها أحد الفلاسفة الفرنسيين المعاصرين والتي مفادها أن الحروب المقبلة ستكون حروبا سيميائية (sémantiques) أي مرتبطة بالمعنى المرتبط بالكلمات والمفردات والمفاهيم وبعمليات الدلالة وعمليات الاتصال، أي الوسائل التي بواسطتها تتوالد المعاني ويجري تبادلها بين الناس، وبالتالي فإذا تمكنت جهة من الجهات من فرض معاني معينة التي تختارها وتفضلها،فهي المنتصرة في هذه الحروب. ومن هنا تبرز الأهمية القصوى للتساؤل: أي مستقبل للإسلام في الديار الأوروبية؟ وما هي مضامين "الإسلام" في أوروبا الحالية على صعيد الخطاب الرسمي ووسائل الإعلام والاتصال؟

يقر البروفسور المهدي المنجرة أنه في الدراسات المستقبلية يكون دائما المستقبل مفتوحا، وكذلك الأمر بالنسبة للإشكالية التي نحن بصدده ان وهذا حسب عبارات محببة جدا للسيد " أوريليو بيسي" مؤسس نادي روما. وفي واقع الأمر يعي المسلمون حق الوعي مشاكلهم ومعضلاتهم كما يعرفون حلولها. لكن مع الأسف الشديد، هناك تواطؤ بين القائمين على الأمور، المرتشين وغير الممثلين للشعوب، مع جملة من المثقفين الانتهازيين والمرتزقة، وكذلك مع حكومات الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة. وهذا التواطؤ ساهم ولازال يساهم في شل صيرورة التغيير الفعلي في بلدان العالم الإسلامي.

و بهذا الخصوص أكد البروفسور المهدي المنجرة..." لقد قُلتها وسأعيد قولها الآن، ليس هناك قوة غربية مستعدة لقبول قيام أنظمة ديمقراطية حقيقية وفعلية بالعالم الإسلامي. لأن مثل هذا التغيير سيضرب مصالحها التي توفرها لها، وبسخاء، الأنظمة المرتشية القائمة حاليا"...

و هذه قضية لها ارتباط وثيق بإشكالية مستقبل المسلمين بالديار الأوروبية. ويعتقد البروفسور المهدي المنجرة أن انعكاسات هذه الإشكالية ستكون لها تأثيرات أكبر وأعمق من انعكاسات السياسات الأوروبية المحلية أو التشريعات الجديدة التي أضحت تتناسل حاليا للمزيد من الحد من الحقوق الأساسية للمواطنين المسلمين وغير المسلمين. وإلى حدود الآن، يمكن ملاحظة بسهولة، أن جميع الآليات المبلورة لمراقبة المواطنين المسلمين بأوروبا لا تتوفر فيها أدنى درجة التمثيلية. وبهذا الخصوص يتساءل البروفسور المهدي المنجرة، كيف يُعقل تلقين الديمقراطية بوسائل وأساليب غير ديمقراطية وعنصرية؟؟؟ وهنا كشف البروفسور عن تقارب غريب بين ما يجري في أوروبا في هذا الصدد وما يجري في الدول الإسلامية.

و لقد كتب البروفسور المهدي المنجرة مرارا وتكرارا أنه لا يعرف إلى حد الآن نظاما قائما بالعالم الإسلامي في إمكانه الاستمرار في المسك بزمام الأمور ببلده دون مساندة ودعم القوى الغربية، وبقاعة المركز الإسلامي بفلانسيا، ذهب البروفسور أبعد من ذلك حيث أقر بأن أي نظام من الأنظمة القائمة بدول العالم الإسلامي ليس في مقدوره الاستمرار في الحكم أكثر من 5 إلى 10 سنوات مقبلة على أكبر تقدير اللهم إذا قبل إجراء تغييرات جوهرية بحثا على نوع من الانسجام مع الانتظارات الفعلية للشعوب ومطالبهم.

و في نظر البروفسور المهدي المنجرة، إن تطور مستقبل الإسلام بالديار الأوروبية يظل مرتبطا بأمرين اثنين: مستقبل الإسلام بالعالم من جهة، ومستقبل أوروبا من جهة أخرى.

و في هذا النطاق فتح البروفسور المهدي المنجرة قوسا للقول أنه لا يتحدث "عن الإسلام الأوروبي" أو "الإسلام الغربي"- كما هي الموضة حاليا- وذلك أنه لا يوجد إلا إسلام واحد، دين يهدف إلى الوحدة عبر الاندماج لكن في ظل التعددية، وهذا ما يعبر عنه مفهوم "الأمة" التي لها حدود روحية وسوسيوثقافية وليس حدود جغرافية.

و إذا كان مفهوم الدولة قد عرف عدة تطورات بدءا من الحروب الصليبية إلى أن وصل إلى مرحلة التجاوز في أوروبا بفعل السعي الحثيث للوحدة. فإن الأمر غير ذلك بالعالم الإسلامي حيث تأكد المسار نحو التفتت والتجزئة منذ سقوط الإمبراطورية العثمانية.

ثم تطرق البروفسور المهدي المنجرة إلى الإشكالية الديموغرافية بخصوص الأديان عبر العالم، حيث لاحظ أن المسيحيين يقدرون بـ 1، 2 مليار نسمة والمسلمين بـ 6، 1 مليار والملحدين وغير معتنقي دين بـ 1،1 مليار والهندوسيين بـ 900 مليون ومعتنقي الديانات الصينية القديمة بـ 394 مليون وأصحاب المعتقدات الأهلية بـ 300 مليون وأصحاب المعتقدات الأفريقية المختلفة بـ 100 مليون والسيخ بـ 23 مليون والوحانيين بـ 15 مليون واليهود بـ 14 مليون نسمة. علما أن العالم العربي لا يمثل إلا 20 في المائة من مجموع مسلمي العالم. وهذا يبين بجلاء أن حاضر ومستقبل الإسلام يوجد بآسيا.

إن مؤشر الخصوبة بالعالم الإسلامي تتجاوز قليلا ما نسبته 3 أطفال لكل امرأة، كما أن 30 في المائة من سكان العالم الإسلامي لا يتجاوز منهم 15 سنة. في حين أنه في أوروبا لا يتجاوز مؤشر الخصوبة 6، 1 في المائة، وهي لا ترقى إلى نسبة ( معدل) التعويض، و17 في المائة فقط في ساكنة لا يتجاوز سنهم 15 سنة. وبالتالي فإن المشكل أضحى ليس كميا فحسب وإنما كذلك كيفي إذا أخذنا بعين الاعتبار الهرم العمري. ولهذا أكدت الأمم المتحدة أن أوروبا ستكون في حاجة ماسة لما يناهز 159 مليون مهاجر فيما بين 2000 و2025 .

و حاليا نجد أن المسلمين يمثلون 7 في المائة في فرنسا و9، 3 في السويد و4، 3 في ألمانيا و4، 3 في بلجيكا و7، 2 في بريطانيا و2 في هولندا و2 في الدانمارك و6، 1 في النرويج و4، 1 بإيطاليا و1، 1 بإسبانيا. وقد نشرت مؤخرا صحيفة "الأبيسي" الاسبانية في غضون الأسبوع الثاني من شهر سبتمبر 2005 مقالا مستندا على تقرير سري جاء فيه أن المسلمين سيمثلون الأغلبية ضمن سكان مليلية وسبتة قبل سنة 2018.

علما أن منحى الهجرة نحو الغرب سائر نحو الارتفاع رغم أن المهاجرين يقومون بذلك اضطرارا باعتبار أنهم لم يتمكنوا من وجود مكان تحت شمس وطنهم يضمن لهم أدنى شروط العيش، وهذا عنصر لا يمكن نكرانه. كما أن البلدان الغربية تجد في هؤلاء المهاجرين مرتكزا لمنظوماتها الاجتماعية والاقتصادية الغربية. وبالنظر لما ستكون عليه البنية الديموغرافية الإسلامية مع حلول سنة 2020، نلاحظ أن آسيا ستحتضن 57 في المائة من المسلمين وأفريقيا 29 في المائة منهم وأوروبا 12 في المائة وأمريكا 2 في المائة. وفي هذا الصدد يبرز تساؤل بخصوص تركيا. فإذا كانت تعتبر جزءا من أوروبا فإنها ستحتضن 70 مليون مسلما والذين سيصبحون 80 مليون مسلما بعد 25 سنة، وبذلك ستفوق ألمانيا في تعداد السكان، والتي هي الآن الدولة الأوروبية الأولى من حيث تعداد السكان. فأين هي أوروبا العتيقة؟

ففي سنة 1959، سنتين بعد إبرام اتفاقية روما طلبت تركيا الانضمام إلى المجموعة الأوروبية، وأعادت الكرة سنة 1987، ولم يُقبل طلبها إلا في دجنبر 1999 في اجتماع الرؤساء الأوروبيين بهلسينكي. وبعد مرور 5 سنوات، قررت المجموعة الأوروبية في دجنبر 2004 فتح مفاوضات مع تركيا بخصوص انضمامها، وقيل أنه يمكن التقرير في انضمام تركيا في حدود سنة 2015. وسبب هذا التردد وهذا التأخير هو الثقل الذي سيمثل سكان تركيا المسلمون في صيرورة تطور المجموعة الأوروبية. إنها في واقع الأمر إشكالية قيم سوسيوثقافية، ولقد سبق لميشيل روكار (رئيس اللجنة الثقافية بالبرلمان الأوروبي) أن كتب ما معناه، ما يخيف الأوروبيين بخصوص تركيا، أنها تعتبر من العالم الثالث، تدين بالإسلام وأن عدد سكانها قد يتجاوز 100 مليون بعد 30 سنة، وبذلك سيفوق عدد سكان ألمانيا البلد الأوروبي الأول بعدد سكانه في المجموعة (أنظر صحيفة "لومند" الفرنسية ليوم 27 نوفمبر 2002 ).

ويذكر البروفسور المهدي المنجرة أنه سبق أن أكد في لقاء معه في برنامج "ملفات الشاشة" قي التلفزة الفرنسية أن الغرب يخشى من 3 إشكاليات: الديموغرافية والإسلام واليابان. لكن الصورة حصل عليها تغيير طفيف حاليا، بخصوص الخشية من الديموغرافية والخشية من اليابان التي عوضتها الصين. وهكذا وبعد مرور عقد من الزمن، أدى خوف الغرب من الإسلام إلى لإسلاموفوبيا وإلى الفوبيوقراطية، إذ أن هذا الخوف أضحى من الاعتبارات الأساسية الحاضرة بقوة في نهج اتخاذ الفرارات بالغرب. وحسب التقرير الذي أعده المركز الأوروبي لمراقبة العنصرية، فإن الاعتداءات العنيفة على النساء المرتديات للحجاب تأكدت ببريطانيا وهولاندا والسويد والدانمارك. كما أكدت جملة من المنظمات الإسلامية ببريطانيا أن نسبة الاعتداء على المسلمين البريطانيين ارتفعت بشكل ملحوظ بعد 11 سبتمبر، وتصاعدت بما يناهز 13 مرة عما كانت عليه سنة قبل ذلك. وزاد الطين بلة بفعل أن التشريعات الجديدة بأوروبا حدت كثيرا من حقوق المواطنين.

و اكتفى البروفسور المهدي المنجرة دون إتباع نهج سجال بوليميكي، بصدد تصريحات بعض المسئولين الكبار حول الإسلام، بالإدلاء ببعض الأمثلة. نسوق منها تصريح وزير الداخلية الفرنسي الذي قال ما معناه أن فرنسا تساعد مسلميها على بناء وبلورة هوية في بلد علماني ذي تقاليد مسيحية يهودية. وصرح أحد قادة حزب الجبهة الوطنية في غضون شهر سبتمبر 2005 أنه سيترشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية لسنة 2007 من أجل انقاد فرنسا من الإسلام ووضع حد لأسلمتها. كما أن وزير العدل الايطالي صرح بما معناه أنه ليس ضد الإسلام وإنما الإسلام هو الذي ضد الغرب، لكن في نهاية المطاف سيتم هزمه باعتبار أن مدينة "بادانو" قد استيقظت ( علما أنه من المعروف ارتباط هذه المدينة بالحروب الصليبية).

و باعتبار أن البروفسور المهدي بن بركة عاش بالغرب أكثر من 3 عقود، منها 10 سنوات بالولايات المتحدة الأمريكية و4 سنوات بانجلترا و20 سنة بفرنسا، فإنه لاحظ تصاعد العداء ضد المسلمين، كما لاحظ تحول طبيعة هذا العداء الذي أضحى أعمق من السابق. وهذا في وقت يتأكد فيه الآن أن مستقبل الإسلام بالغرب أضحى مرهونا بهذا العداء، وفي أحسن الظروف ستتطور الأمور في اتجاه تسامح يمكن مسلمي الغرب من أدنى شروط الحياة الإنسانية لكن هذا يتطلب وقتا طويلا.

و يضيف البروفسور المهدي المنجرة، لكن من حسن الحظ هناك أصوات أوروبية مغايرة للسابقة. وفي هذا الصدد أشار إلى "كين ليفينكتون"، عمدة لندن الذي انتقد بشدة سياسات بوش التي تساهم في عرقلة حوار الحضارات، مؤكدا أن تصدي الغرب للإسلام وإعلان الحرب عليه لن يؤدي في نهاية المطاف إلا إلى تقوية الحركات الإسلامية المتطرفة.

و لاستكمال الصورة، تطرق البروفسور المهدي المنجرة إلى الجروح العميقة للذاكرة الجماعية الإسلامية...فهناك ملايين ضحايا حروب التحرير...و آثار الاعتداءات التي تكبدها ولازال يتكبدها الشعب الفلسطيني (صبرا وشتيلا)...نهج "كامب دافيد" للسلام الذي فشل...التضليل الإعلامي الذي رافق الخروج من قطاع غزة والذي جند ما يناهز 6 آلاف إعلامي للمشاركة في المسرحية... الحرب بالعراق منذ سنة 1991 والتي أسقطت أكثر من مليوني قتيل...حرب أفغانستان...حرب يوغوسلافيا سابقا و100 ألف قتيل في صبرينكا لوحدها...حرب الشيشان وضحاياها الذين يعدون بالآلاف... والقائمة طويلة. ويقر البروفسور المهدي المنجرة أن أكثر من 10 ملايين مسلم لقوا حتفهم بسبب تحويل مسارح الحروب من جهات أخرى في اتجاه العالم الإسلامي. وفي هذا الصدد قام بإجراء مقارنة...لقد قُدر عدد القتلى في الحروب الصليبية بما يناهز 100 ألف (بدون تعليق).

إن ما يقع الآن بالعالم الإسلامي، لاسيما جزئه العربي، سيتطلب أكثر من جيل لنسيان ما وقع. لكن يمكن منذ الآن تكريس سياسات تعليمية بأوروبا لتمكين الأجيال القادمة من تكريس ثقافة قبول الآخر في ظل التسامح الفعلي. وفي هذا الصدد ذكر البروفسور المهدي المنجرة بالإجراءات التي أتخذها كل من الجنرال دوغول والوزير الأول الألماني أديناور في ظل المصالحة الفرنسية الألمانية، إذ أحدثا لجنة خاصة لمراجعة الكتب المدرسية في كلا البلدين لتطهيرها من كل العبارات الماسة بروح وثقافة التسامح، وذلك قصد تسهيل تواصل ثقافي أفضل.

و ركز البروفسور على أن الإسلام يناشد التعددية التي تقوي الوحدة، وقد استشهد بالآية 13 من سورة الحجرات " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير ". كما أكد البروفسور أن القرآن الكريم يتكلم عن أهل الكتاب، أي المسلمين والنصارى واليهود، علما أن المصحف هو الكتاب الأكثر اقتناءا في العالم الآن حسب إحصائيات موقع "أمازون" بشبكة الانترنت.

إن قضية الإخلاص والأمانة قضية جوهرية، وإخلاص المسلمين للإسلام تأتي قبل إخلاصهم لوطنهم. وذلك باعتبار أن الإخلاص للإسلام يتجاوز الحدود الجغرافية ويتعالى عليها. وهذا الإخلاص هو الذي يشكل اسمنت الوحدة في الإسلام الذي هو أكثر من ديانة، إنه رؤية ومشروع مجتمعي ومنظومة قيم سوسيوثقافية. إنه نظام يقر ويدافع على مبدأ الاختلاف الثقافي وهذا من أسرار وأسباب انتشاره عبر العالم لأنه لم يفرض منظومة ثقافية واحدة، وبذلك فهو يقر أصلا بالتعددية التي تؤسس لوحدة تكرس تسامح وتعايش الثقافات باعتبار أن الاندماج بدون احترام الاختلاف هو إقصاء في حد ذاته.

و من المعروف أن البروفسور ظل يؤكد على دور القيم الثقافية كعنصر أساسي لتفعيل التنمية. لذلك سبق له وأن أوضح منذ 1978 أن الاقتصار على مجهودات التقويم لتجاوز الأزمة لن ينفع في شيء إن هو لم يأخذ بعين الاعتبار منظومة القيم بالدرجة الأولى، وهذا ما ظل مهمولا. فكل الحلول المقترحة يجب أن يعاد فيها النظر لإدخال منظومة القيم في الاعتبار. ألم يؤكد البروفسور المهدي المنجرة منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي على أن أسباب الحروب المقبلة ستكون ذات طابع ثقافي (حضاري)، وهذا ما أقر به كذلك سنة 1993 "صامويل هوتنكتون"، حيث أكد أن أسباب انقسامات البشرية لن تكون ذات طابع إيديولوجي أو اقتصادي وإنما ذات طابع ثقافي (حضاري) بالأساس. فيُمكن مسح مدنا وبنايات من الأرض وتدميرها كليا، لكن من المستحيل مسح أو تنحية القيم لأنها تشكل أقوى المكونات والمقومات السوسيوثقافية للمجتمع.

و في سنة 1991 عند بداية الحرب ضد العراق صرح البروفسور المهدي المنجرة أنها أول حرب حضارية ( وهو عنوان لأحد كتبه في الموضوع " الحرب الحضارية الأولى")، وبذلك يكون هو أول من استعمل مصطلح "الحرب الحضارية" وهذا ما شهد به "صامويل هوتنكتون". لكن البروفسور المهدي المنجرة يقر بتباين بين مقاربته ومقاربة "صامويل هوتنكتون". فمقاربته وقائية نبهت إلى أن الحروب القادمة ستكون حروبا حضارية وأن الحل الوحيد لتفاديها هو التواصل الثقافي. أما مقاربة "صامويل هوتنكتون" فهي مقاربة توصيفية تقر بأن الثقافات اليهودية المسيحية لا تشكل مصدر أي خطر. لكن يكفي النظر إلى كلفة حرب العراق التي فاقت، وبكثير كلفة حرب الفيتنام. فالبانتاغون يصرف 6 ملايين دولار شهريا على العمليات العسكرية بالعراق، وبلغ عدد الموتى مليونين منذ 1991 وهو عدد يرتفع مع مرور الأيام.

ثم تطرق البروفسور المهدي المنجرة إلى المظاهر الأساسية لتأخر العالم الإسلامي، وأقر أن أهمها الأمية والفقر وغياب الاهتمام بالبحث العلمي والاغتراب الثقافي ووضعية المرأة غير العادلة وتضييق الخناق على حقوق الإنسان والحريات. هذه هي أهم المعوقات المفروض تجاوزها في أقرب وقت ممكن إن أراد العالم الإسلامي الخروج من تخلفه المركب. وهذه المعوقات بالذات هي التي تساهم في تكريس رؤية معينة من طرف الأوروبي للمسلمين.

فمن المعلوم أن نسبة الأمية بالعالم الإسلامي لا مثيل لها في العالم، وبالتالي لا سبيل لتغيير الحال والطموح لمستقبل أفضل إلا بالإعلان عن حرب ضد الجهل والأمية. كما أن العالم الإسلامي يفتقد حتى لمعلومات عن نفسه و ما يجري به. وفي هذا الصدد ذكر البروفسور منذ ثمانين القرن الماضي أن الفاتيكان عمل على تجنيد أكثر من 600 شخص على امتداد 10 سنوات وفي أكثر من 200 بلد، لمعرفة كم هو عدد المسلمين آنذاك عبر العالم؟ وقد تبين أنه لأول مرة في التاريخ تجاوز عدد المسلمين في العالم عدد الكاثوليكيين. وهذا يعني أن غير المسلمين يعرفون عن المسلمين مما يعرفون عن أنفسهم. وهناك تاريخ العالم الإسلامي الحديث الذي مازال "مستعمرا" وحاضره لا يتحكم فيه وجزء كبير من مستقبله مرهون. فالعالم الإسلامي مازال لم يتمكن من التحكم في مصيره.

و هناك غياب البحث العلمي الذي يستوجب قاعدة تعليمية وحرية التعبير. إلا أن ما يسمى بالبحث العلمي بالعالم الإسلامي، ما هو في واقع الأمر إلا ضحك ‘لى الدقون. وهذا ما دفع إلى هجرة العقول إلى بلدان غربية باعتبار شروط العمل هناك.

و قد ذكر البروفسور المهدي المنجرة أنه خلال لقاء الجزائر في 1990 حول مستقبل الإسلام ألح المشاركون كثيرا على دور المرأة باعتبار أن وضعية المرأة تعتبر من أهم حلقات الانطلاق للتصدي لمختلف المعضلات الأخرى.

و قدم البروفسور المهدي المنجرة صورة مختزلة لواقع المسلمين في عالم اليوم...6، 1 مليار مسلم يعانون من الإهانة، إهانة حكامهم من طرف القوى العظمى، وبدورهم هؤلاء الحكام يكرسون هذه الإهانة على الشعوب. هذه صورة مختزلة لواقع المسلمين حاليا.و يرى البروفسور أنه حدث تحول في نوعية المهاجرين لاسيما بخصوص المغرب العربي. كان يشكل المهاجرون بفرنسا ذوو تكوين علمي 4، 2 في المائة وبعد 20 أضحت هذه النسبة 10 في المائة. وقد أكدت إحدى الدراسات أن هجرة الأدمغة تسبب خسارة للعالم العربي تقدر بما يناهز 200 مليار دولار في السنة (حسب مركز الدراسات الإستراتيجية للخليج). وحسب هذه الدراسة، فإن البلدان الغربية تجني ثمار أكثر من 450 عقل مسلم، كما أن 5، 4 في المائة فقط من الطلبة العرب بالخارج يعودون إلى بلدانهم التي تصرف أقل من 2، 0 في المائة من ناتجها على البحث العلمي. فالعالم الإسلامي يوفر لأوروبا باحثين أكفاء، كلف تكوينهم دولهم أكثر من الإعانات والصدقات التي تمن بها أوروبا عليهم في إطار مساعدات التنمية. لكن ما الذي يسهل نزيف العقول الإسلامية والعربية نحو الغرب؟

الجواب بسيط، إن المهاجرين ذوو تكوين علمي وتكنولوجي لا يلقون أي صعوبة للحصول على التأشيرة أو الوثائق المطلوبة، وهذا كاف وزيادة اعتبارا للوضع المأسوي للبحث العلمي بدول العالم الإسلامي.

إن المشكل، في واقع الأمر ليس هو مستقبل الإسلام، فالإسلام لا يشكو من أي مشكل، وسيتطور في طريق استمراريته وهذا ما تؤكده المعطيات الديموغرافية. وإنما المشكل هو مستقبل المسلمين بأوروبا وتظل الإشكالية القيمية والأخلاقية قضية محورية لتهييئ المستقبل.

و ختم البروفسور المهدي المنجرة بملاحظة بصدد اللغات حيث تساءل حول موقع لغة القرآن ضمن مختلف اللغات. إن الخمس اللغات الأكثر استعمالا هي الصينية والانجليزية والهندية والاسبانية والعربية. وقد بينت الاسقاطات لسنة 2050، بخصوص الفئة العمرية ما بين 15 و24 سنة ما يلي: أن اللغات الأكثر استعمال ستكون بالنسبة لتلك الفئة العمرية حسب الترتيب الحالي، الصينية ثم الهندي ثم العربية ثم الاسبانية ثم الانجليزية ثم البرتغالية.

و أنهى البروفسور المهدي المنجرة محاضرته بالقول إن الإهانة الثقافية هي العنوان الجديد للسلم حاليا مادامت الحروب أضحت حروبا ثقافية وحضارية بالأساس.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى