الجمعة ٢٥ شباط (فبراير) ٢٠١١
بقلم بان ضياء حبيب الخيالي

الإله والنهر

عندما ارتفع نور شعاع الشمس الأول مفتتحا صبحا جديدا عند غرّة المدينة الغافية بارتخاء على ذراع النهر الأسمر، دار في الأفق المضوّى صوت كهنة المعبد مترنمين بارتفاعات وانخفاضات صوتية بأنشودة التضرع للفرعون....

فتح النهر الأسمر عينيه متبسما متثائبا ومصغيا بحنو للنغمات المتضمخة برائحة البخور المقدس المؤججة في الأرجاء...

زادت ابتسامته اتساعا ً وهو يرى أبناء المدينة يهرولون برشاقتهم المميزة حاملين أنفس مقتنياتهم وأجود محاصيلهم رامين بها عند قدمي الفرعون في ساحة القصر المطلة على الشاطئ، كان اليوم هو يوم الرجاء....

وفيه يتوسل أبناء المدينة الإله الفرعون متقربين إليه بنذورهم متضرعين أن يغمس يديه المقدستين في مياه النهر لينتعش الماء ممتلئا ببركة يد ه المقدسة بالنماء.. ويبتدئ موسم الفيضان.... تتقاسم السدود حصصها من سائل الحياة، يتوزع منها لكل الحقول، تبقى الأرض خضراء والربوع عامرة... و... تستمر نواعيرالحياة بدورانها رتيبة ممتلئة بالخنوع... لكنها... حياة...!

تثائب النهر متمطيا مديما التبسم لسذاجة عقول البشر... مرّ الوقت سريعا، حلت ظهيرة قاسية ارتفع فيها قرص الشمس الأحمر ساخطا مزمجرا... ناثرا نتف اللهب في الأثير.... تراقصت على ضفتي النهر شجيرات لاعبتها زفرات ملتهبة أرسلتها تلك المستشيطة، المزمجرة متوسطة كبد السماء، بيد رياح خانعة مرت ذاهلة في الجوار... تكورت أوراق الشجر بفعل الحرارة ووجمت الأطيار، أخرسها النعاس الذي تسببه جلبة الحر والرطوبة حينما يعتليان معا صهوة الأفق...

أما أبناء المدينة فقد اصطفوا على خاصرتي النهر من الجانبين، تعاون العرق والناموس على إرباك ما تبقى لديهم من قوة جسدية وعصبية.... منتظرين قدوم الفرعون محمولا على عرشه المذهب بالعرق والدموع....

كان النهر الطيب يتنصت بصمت الآن لحديث بعضهم البعض... حين يتنافسون شارحين جودة القرابين التي أهدوها للاله كي يتكرم ويتنازل ليمد يده المقدسة مصافحا مياه النهر الشحيحة... واخذ يتبسم لتفاصيل يسمعها مخفيا... رغبة عارمة بالضحك بجنون مكتفيا بقهقهة خفيفة تظهر بشكل موجات تتردد...على كرشة الكبير بين الفينة والفينة... تتسع ابتسامته حين يرى من بعيد موكب الهودج الذي يحمله ستة رجال لثقل الإله البدين الجالس حانقا ًساخطا ًبسبب اضطراره للخروج في هذا الحر اللاهب....

ويكاد يفلت ضحكة يكتمها بشدة لمرأى حاملي العرش الملتصقة ظهورهم ببطونهم من شدة الهزال والمشكلة أضلاعهم وعمودهم الفقري الناتئ خريطة يفاد منها طلبة الطب لدراسة هيكل الإنسان العظمي بدون تشريح....

فقد كانوا يجاهدون ليصلوا بالإله وعرشه نحو الضفة بدون خسائر منزلقين ومتماسكين بين الفينة والفينة يلكز احدهم الاخر خوف انزلاقة غير متوقعة عن الارض الممتلئة اشواكا ومطبات.... تفلت ضحكة يتيمة جامحة بشكل موجة تتشظى عند الضفة... فالإله البدين يواجه صعوبة في النزول من عرشه المحمول بمشقة، حتى انه يتكئ باعتداد على احد الهياكل البشرية الستة... فينطوي الأخير كاتما ً صرخة ألم ناظرا بخوف صوب الإله الساخط المتقد النظرات.... يترجل الأخير بتيه ورفعة... يلتفت متبسما ابتسامته المرعبة صوب الرعية فتنخفض كل الرؤوس على الضفتين بسجدة شكر لكرمه اللامحدود ترتفع بعدها أصوات الكهنة والعبيد بدعاء توسل منغوم... يجعل انف الفرعون مستقيما نحو السماء ويشرق طيف رضى يطرأ على شفتيه الغليضتين...

ثم ينحني متكئا على دكه مخصصة...لمراسيم غمس اليد المقدسة... يمد يده الرابية نحو الماء المعفر بطين الأرض الخصبة التي يتلوى النهر بين حنانيها....تغطس الأصابع الضخمة الرخصة لتلاعب الماء قليلا ً...

ترتفع نظرة سخط مقرفة على وجهه الملحم المعروق لتعلق نبتة مائية لزجة في خاتمه الماسي... بينما ترتفع أنوار الفرحة في وجوه الرعية ويستبشر الجميع...بأن الخير آت....النهر سيفيض... سيزرعون ويحصدون....سيزرعون ويحصدون...

تستعر همساتهم المستبشرة الضاجة بالفرح
يتسمع النهر الطيب....وتنتابه موجة من ضحك هستيري...متمتما...

وسيأكل الملك كل المحاصيل ليسمن و...انتم تهزلون....

تستمر يد الفرعون الإله العابثة تدغدغ خاصرة النهر دون هوادة.... لتستعر ضحكات النهر عاليا، تهدر محملة بصخب ارتجافة ضحك لا ارادية كتمها طويلا، يشرق النهر و ذاك الساخط بخيلاء لا يكف عن الزغزغة.....تحتقن عينا ه بالدموع من شدة الضحك تنسدل...الدموع على وجنتيه....تتحول لطوفان يهدر على صدره وراحتيه... يهدر ضاحكا أكثر...و....

ويبدأ موسم الفيضان...!!!!!!!!!!


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى