الأحد ٢٠ آذار (مارس) ٢٠١١
بقلم حوا بطواش

الحب العتيق

أطرق على بابك طرقتين.

أنتظرك وأنا أحسّ بخفقات قلبي المتسارعة في داخل صدري. هل ستفتحين؟ أتراك ستفاجئين؟ أم أنك تنتظرين طرقاتي منذ زمن؟ منذ عودتي وانت لم تبادليني كلمة واحدة. حتى نظراتك تتجاهلني وتتحاشى لهفة نظراتي اليك، كلما رأيتك صدفة على درجات البناية، او على شرفة بيتك المحاذية لشرفتي، او على الشارع المؤدي الى محطة الباصات، وتختفين من تحت عينيّ بسرعة البرق، ووجهك المرمري الجميل، الذي طالما رافقني في خيالي في كل الأمكنة، يتجهم في وجهي. ما زال الغضب يحتل صدرك.
الى متى ايتها الغالية؟ متى ستدركين انني ما زلت أحبك، ولم استطع يوما انتزاعك من قلبي مهما حاولت ومهما فعلت. أما آن الأوان لكسر ذلك الجليد بيننا؟!

أفيق من شرودي على صوت فتح الباب. أرى وجهك يطل من ورائه، تحل به الدهشة لرؤيتي وتتقطب ملامحك.
أتردد... أتجمّد... قلبي ينكمش فجأة داخل صدري.
- مرحبا جارتنا.
- أهلين.
- كيف حالك؟ ان شاء الله تمام؟
- الحمد لله

نظراتك مشوبة بالإزدراء. أحتاج لأستجمع كل جرأتي كي أسألك سؤالي القديم: "... هل أجد عندك قليلا من السكر؟"
تنقبض ملامح وجهك أكثر، وكأن ذكرى ذلك اليوم الذي جمعنا فيه نفس ذلك السكر في نفس هذا المكان قبل عشرين عاما تعاود ذهنك، مثلما تعاودني الآن، وتطلق غضبك أكثر.

أيتها الجميلة! كم أحبك وأنت غاضبة! لو تعلمين كم افتقدتك! (افتقدتك .. حين أتى الليل دون صوتك .. دون أطياف ودفء .. وجدت فيك خطوات الأمل .. أبحث عنك في رداء القمر .. وأغفو كالطفل الجريح .. فوق صدر المساء .. افتقدتك .. حين رددت أمامهم كاذبا .. أني دفنتك في تراب النسيان .. واني لا أعود كالطفل الى سريري أبكي .. في الخفاء).
تقولين وانت ترمينني بنظرة باردة من طرف عينك: "لحظة."

تستديرين للذهاب. ثم سرعان ما تستدركين نفسك، وتقولين وأنت تشيرين بيدك الى عتبة الباب: "انتظر هنا."
ثم تغلقين الباب في وجهي، بعدما أغلقت أبواب قلبك كلها أمام استجداءات حبي العتيق.

أبتسم لنفسي بسخرية مسكونة بالحزن، وأنا واقف هناك على عتبة بابك... ممنوع من الدخول! وكأنني لم أكن في داخل قلبك يوما ما. ولكن الزمن يتغير. ترى، كيف تبدو شقتك الآن؟ وهل ما زالت أريكتي الرمادية المفضلة واقفة في مكانها؟ من جلس عليها من بعدي؟ ربما تخلصت منها خلال غيابي. مؤكد انك فعلتها.

يفتح الباب من جديد. صريره يصيب قلبي بارتعاشة جنونية. أراك تمدين لي كيس السكر، وصوتك يقول بامتعاض: "تفضل."
تتحول عيناي من كيس السكر الى وجهك الفاتن. أقول لك بنفس راضية: "سلمت لي." ويردد قلبي في داخلي: (أعشقك حد الرواق الأخير في أخمصك).
"اهلين." تردين بلهجة جامدة.

أبتسم لك وأنا آخذ كيس السكر من يدك. أضمك بنظرة أخيرة... مستعطفة... ضارية... ثم أستدير ببطء... أخطو نحو باب شقتي القريبة... أنتبه أنك لا تغلقين الباب... أحسّ بعينيك تتعقباني وتغرزان سكاكين الغضب في ظهري. أفتح باب شقتي وأدخل. ثم... وقبل أن أغلق الباب بثانية... يأتيني صوتك سائلا: "لماذا عدت؟"
اهتمامك يفاجئني... أحتار كيف أرد...!

وأخيرا أقول ولساني يتلعثم: "أنا... بيتي... ما زال هنا."
"أعلم." تقولين... وتكررين: "لماذا عدت؟"
أرد بعد تفكير: "لأنني مللت."
"مم؟"
"من القرف."
"أتعني أن هنا لا يوجد قرف؟"
"ربما هنا يكون أفضل."

لا تردين بشيء... ولكن عينيك تنطقان بالإتهام. أترك الباب وأتقدم نحوك خطوتين، متغافلا اتهامك. "تزوجت؟؟"
تنطلق من فمك ضحكة مريرة... شامتة. لا تردين. أقول:
- أنا آسف.
- على ماذا؟
- على كل شيء.

آه أتذكرك! أتذكرك بشغف وحنين... كم أحببتك! وكم كنت في قلبي أميرة! وحدك دخلت الى دهاليز روحي... أبحرت في أعماقها... وخالطتِ أنفاسي .. وتسلقتِ كل معاطف القلب. كان حبك فوق الخيال... يأسرني... يبعثرني... ويجرفني الى كهوف مسحورة... عجيبة. كان شعور يحتويني أنني بحبي لك... انتهيت! خفت... وهربت. أردت أن أنسى حبك... وأتعلم كيف أكون بلا حبك.

آه لو تعلمين كم تغربت بعدك...! كم كنت حزينا بعدك...! كبر الحزن في تلك المدينة التي لا تفارقها الأمطار والرياح. كم كنت أجوب الشوارع نهارا، فيمر الناس من أمامي، مثقلين بالبرد، مسرعين الى غاياتهم. وحدي كنت أسير بينهم، هائما، بلا أمل ولا غاية، أفتش في وجوههم عن أي شيء يذكرني بك. وفي الليل، أجلس على شرفة بيتي الباردة، أحتسي الصمت والدخان، وأرتشف قهوة الوحدة ومرارة الفراق، وأسأل نفسي آلاف المرات: أين يمكن أن تكوني؟ وماذا تفعلين من دوني؟ أجلس ساعات يلسعني البرد، ويمطرني الشتاء بحزنه الأبدي .. و.. (يسأل عنك قلبي بخجل... فتنغص عروقي بالدماء).

كم ظلمتك حبيبتي، وظلمت نفسي حين أحببتك كل هذا الحب... ثم هجرتك! ألا سامحتني؟ ألا أذنت لي بالدخول مرة أخرى؟ ألا أسكنتني قلبك من جديد؟ وأعاهدك عهد الناسكين أني.. (على حافة السماء .. سأقبلك .. ولن ألثم ورم الفراق .. بعد اليوم .. جسدي طرزته من وحيك .. وأراجيح عطرك .. ما زالت تعبق في كياني .. لتدرك أن الجوع مر).

اشتقتك! أيتها الغالية في كل زقاق في الروح ... آآآآآه! كم اشتقتك...! ما زلت بصدري أجمل وأشهى النساء. امنحيني جرعة امل واحدة، فقد استلقت الاوجاع في كل ذاتي. رعشة واحدة تكفيني لتشبع جوع أنفاسي وكبت أعماقي. دعيني .. (أجسد فيك... جلالة اللاوعي .. وأسطر في جسمك .. فرط اللذة .. وأتقاسم في وجهك المتورد .. نشوة الجنون .. يا من سكبَت في فمي .. ملاعق حبها .. فمتى تذق أحداق سطوتها عيوني .. ومتى يصير الليل أشهى من جنوني).

أنتبه فجأة الى صوت خطوات على درجات البناية. أرى رجلا يعتلي الدرجات وبيده حقائب. تتحوّل عيناك اليه. يصطبغ وجهه بالفرحة لرؤيتك. "حبيبتي، لماذا تنتظرينني هنا؟" يقول... ثم... ينتبه لوجودي! يتسمر في مكانه متفاجئا.
تقولين: "اهلين حبيبي." ثم تشرحين له مشيرة اليّ: "هذا جارنا. جاء يطلب مني بعض السكر." ثم تتوجهين اليّ بقولك... مشيرة اليه: "زوجي."

فيقول لي أمام ذهولي: "اهلا بك. تشرفنا."
ثم تدخلينه بيتك... وتغلقين الباب.

كفر كما

- كل ما هو بين قوسين هو من قصائد علي مولود الطالبي


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى