الأحد ٢٤ نيسان (أبريل) ٢٠١١
بقلم رضا سليمان

الولد

لم يكن صاحبنا من الذين يهتمون بتفاصيل الحياة الدراسية، مثل الاهتمام بالكتب والأقلام أو الاهتمام بمريلة المدرسة أو حتى الاهتمام بالمذاكرة نفسها..

كان يحضر اليوم الدراسى يستوعب جيدا الشرح داخل حجرة الدراسة وينتهى الأمر بالنسبة له حتى نهاية العام الدراسى فيدخل الامتحان ليكتب ما تسعفه به الذاكرة ودائما ما يكون كثيرا فينجح ويحتل أحد المراكز المتقدمة.

فى " القبول " الصف السادس الابتدائى ابتكر المدرسين نظام الدروس الخصوصية واقنعوا به الأهالى لئلا يرسب الأولاد.

الدرس الخصوصى كان فى المواد المهمة وقتها وهى الحساب والعلوم والعربى وأحيانا المواد الاجتماعية، تم ترتيب الأمر بين المدرسين حيث يدخل كل مدرس حصة واحدة أسبوعيا يشرح فيها ما تيسر له..

فى وقت كان فيه جرام الذهب بسبعه جنيه وكيلو اللحمه بأربعه ونص، كان على التلامذة وفى نهاية الشهر أن يدفع كل منهم تلاته جنيه ونص، يجمعها المدرس ويقسمها مع باقى فريق التدريس.

على رأس فريق التدريس مدرس بالجملة يقوم بشرح الحساب والعلوم وهذا الرجل كان له قدرة خاصة على جذب الأولاد نحوه رغم عنفه وجبروته فكان لا يضرب إلا على المؤخرة حيث يقف الولد أمام التخته وينحنى فوقها وقد أمسك ذراعيه آخران وهكذا تكون مؤخرته جاهزة لتلقى العلقه السخنة من عصا هذا الرجل الجبار فينزل بالخيرزانة وبمنتهى القوة حتى تتورم المؤخرة وكانت علقة واحدة من هذه كافية لأن يسير الفصل بأكملة على الصراط المستقيم شهرا كاملا.

لم يعترض أحد الأهالى يوما على هذا الأسلوب لأنه هو السبيل إلى الفلاح الذى يطلبونه لأولادهم.

هذا المدرس كان يمتلك قدرة على الاقناع ساعده فيها ملامح وجهه الصارمة وجهل الأهالى حتى إنه فى هذا العام أقنع أحد أولياء الأمور بأن ابنه لن ينجح ومن الأفضل أن يترك التعليم ففعل الأب ذلك وأخرج ابنه من التعليم نهائيا.

فريق التدريس كان من خارج القرية ففضلوا أن يكون مقر الدرس الخصوصى هو الفصل الدراسى، أحدهم قال بعد انتهاء اليوم الدراسى والثانى قال قبل بداية اليوم الدراسى حيث يدخل الطلبة فى الثامنة صباحا فيكون درسه من السابعة إلى الثامنة أما المدرس المفترى كما كانوا يطلقون عليه فقد طلب من التلامذة أن يذهبون إليه فى قريته التى تبعد عنهم قرابة الخمسة كيلو مترا كان عليهم أن يمشهوها ذهابا وإيابا فى هذه السن وقد اختار يوم الجمعة بعد الصلاة مباشرة، فكثيرا ما كانت تصيبهم الشمس بضربتها فى أيام الصيف أو البرد بنزلته فى أيام الشتاء.

يذهبون إليه مرة يشرح ومرة يعتذر ومرة بيتغدى ونام ومرة يذكرها صاحبنا جيدا فعندما ذهبوا إليه لم يجدوه:

راح مشوار وبيقول لكم اطلعوا فوق السطوح قشروا الدرة..
وطلع صاحبنا وباقى التلامذة بنين وبنات فى عز الحر فوق السطوح، أكوام من أكواز حصيلة فدان أرض:

يا نهار اسود يا جدعان..

قالها صاحبنا فى نفسه وهو يقترب من أكوام الذرة، لم ينطق بها فكانت والدة المدرس تجلس فى ركن ظليل تشرف عليهم وتحثهم على العمل بحماس..

عملوا وعملوا بشكل لم يفعلوه من قبل مع أهاليهم إلى أن خر بعضهم من أثر التعب عادوا إلى قريتهم ونام بعضهم طريح الفراش أيام ولم يجرأ أحد بأن يحدث أهله بما حدث كى لا يغضب المدرس.

تسلم صاحبنا التلاته جنيه ونص شهرية الدروس الخصوصية من والده ليلا ووضعهما داخل أحد الكتب الدراسية كى يسلمها للمدرس فى الصباح.. 

فى الصباح بدأ أستاذ اللغة العربية فى جمع المال من الأولاد وعلى وجهه ابتسامة وفرحة فشل فى أن يواريها عنهم.

بحث صاحبنا عن التلاته جنيه ونص فى الكتاب لم يجدها، فر الكتاب ورقة ورقة من أوله إلى آخره ومن آخره إلى أوله ولكنه لم يجدها، أخرج باقى الكتب والكشاكيل والكراسات، قلب الشنطة على الأرض، لا أثر للتلاته جنيه ونص..

يا نهار مش فايت.. والعمل؟؟

شرد صاحبنا فى المستقبل المظلم الذى ينتظره، أين ذهب المال؟ إنه لم يخبر أحد بمكانه؟!! كيف سيواجه المدرس المفترى وباقى المدرسين؟ ماذا سيقول لوالده عن التلاته جنيه ونص؟ 
وصل المدرس إليه مادا ذراعيه فاردا كفه طالبا المال، صمت صاحبنا:

الفلوس؟

كانت فى الكتاب.. مش عارف راحت فين..

تغيرت ملامح المدرس، شاهده صاحبنا بجبهة عريضة وقد اتسعت عيناه وهو يحدثه بعنف:
نعم يا أخويا.. قوم.. خد شنطتك واطلع بره.. ما ترجعشى غير بالفلوس.

خرج صاحبنا إلى الشارع خاوى الفكر، كل تلامذة الصف السادس داخل الفصل إلا هو وحده الموجود فى الشارع.

باقى ساعة تقريبا على موعد دخول المدرسة، إن شاهده والده ستقع الكارثة، عليه أن يجد مكان يتوارى فيه عن الأعين هذه الساعة يوميا إلى أن يمر هذا الشهر النحس.

ناداه الأولاد الأصغر منه سنا:

تعالى العب معانا الاستغمايه..

ترك الشنطة جنب الحائط وانطلق يلعب ويلعب وقد تاهت لحظات اليأس بين ثنايا دفقات السعادة الطفولية..

فى اليوم التالى خرج فى السابعة صباحا يلعب، لمح والده يمر، جرى بكل ما يملك من قوة متواريا فى مدخل أحد المنازل حتى مر والده ولم يلحظه، عاد إلى اللعب حتى الثامنة إلا الربع حينما دق جرس المدرسة.

اصطف الأولاد فى حوش المدرسة، كل فصل فى مكانه إلا الصف السادس الذى يجلس فى حجرة الدراسة يتلقى الدرس الخصوصى الاجبارى.

وقف صاحبنا فى حيرة من أمرة، إلى أين؟ هل يقف فى الحوش وحده؟ هل يظل فى الشارع فيشاهده أحد فيشى به عند والده؟

لم يجد بد من التوجه إلى حجرة الدراسة، وقف فى فتحة الباب حاملا حقيبته، توجهت إليه الأنظار كلها، مدرس اللغة العربية يجلس فوق التخته الأولى ويضع قدميه فى المكان الذى يجلس فيه صاحبنا.

تلاقت نظراتهم.. المدرس وصاحبنا الطفل، ابتسم المدرس بعصبيه وعنف وشماته وهو ينظر ناحية باقى التلامذة موضحا الفرق بين اللى دفع ومن لم يدفع واخيرا نطق متوجها بحديثه إلى صاحبنا:

نعم؟؟

أدخل..

وقتك الرسمى يبدأ من الساعة تمانيه مش تمانيه إلا ربع.

الجرس ضرب..

ضاحكا وخلفه الأطفال يضحكون من قبيل المجاملة قال المدرس:

روح أقف فى الطابور لوحدك..

بعد فترة صمت طرده المدرس بمنتهى القسوة طالبا منه ألا يكرر الاقتراب من حجرة الدراسة قبل الثامنة تماما وإذا لم يعجبه هذا الوضع عليه أن يأتى بالتلاته جنيه ونص.

تمر الأيام على هذا الوضع، يصل الخبر إلى قائد فريق التدريس المفترى يبتسم الرجل ويخرج من المدرسة ليقابل والد صاحبنا ويأخذ منه التلاته جنيه ونص ويطلب من صاحبنا العودة إلى الدروس الخصوصية.

يقف والد صاحبنا متحدثا إليه بحنيه:

ما قولتش ليه إن الفلوس ضاعت؟

خفت تضربنى يا آبه..

أبدا يا ابنى.. كرامتك أهم من أى فلوس..

ظل صاحبنا سنوات يتذكر هذه المقولة ولم ينس أبدا طاقم التدريس وهم يطئون كرامتهم ويطلبون التلاتة جنيه ونص.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى