الجمعة ٢٧ أيار (مايو) ٢٠١١
بقلم صلاح السروي

نحو نهضة حقيقية لليسار العربى

يقول الاستاذ كريم مروة، فى مقدمة كتابه «نهوض اليسار العربى»، أن فكرته الأساسية تدور حول ضرورات التعلم من أخطاء التجارب الثورية السابقة حتى يمكن بناء يسار عربى جديد. ومن ثم، يعرض فى عجالة، لتاريخ الثورات القديمة التى بدأت بثورة سبارتكوس، مرورا بالثورات التى شهدها العالم الإسلامى مثل ثورتى الزنج والقرامطة، وصولا إلى كوميونة باريس وثورة أكتوبر الاشتراكية. ويستخلص المؤلف من ذلك أن كل هذه الثورات فشلت، نتيجة لأسباب بنيوية تخص كلا منها على حدة. ولكن السبب المشترك بينها جميعا، بما فيها ثورة أكتوبر الاشتراكية، أنها جميعا لم تتعلم من أخطاء السابقين عليها. (ولا أدرى ان كان ذلك ينطبق على الثورات الأولى فى التاريخ أم لا!!!).

ولقد جاء دورنا – حسب الاستاذ مروة - لنتعلم من أخطاء السابقين حتى لا نفشل مثلما فشلوا. ورغم هاجس اليأس وروح القنوط المسيطرة على أجواء الكتاب، الا أننى قد تصورت فى هذا السياق إننا بصدد الحديث عن رؤية ثورية جديدة، وبالتالى من المحتم علينا أن نقوم بجرد حساب الثورات السابقة لكى لا نقع فى نفس أخطائها وننتهى إلى ما إنتهت إليه، وإذ بى أجد إننا أمام حالة من الرفض لفكرة الثورة نفسها.

وهنا يجدر بنا القول بأن من يتابع بعض المثقفين اليساريين وبعض الحركات والأحزاب الشيوعية فى المنطقة العربية والعالم، سيجد شيئا قريبا من هذه الحالة من الإحباط والجزع التى انتابتهم، خاصة بعد إنهيار الاتحاد السوفيتى. وربما أيضا بسبب عجزهم المزمن وهزائمهم المتكررة أمام تحديات واقعهم المحلى، فى الآن نفسه. الأمر الذى أدى ببعض هذه الأحزاب إلى تغيير أسمائها وخلع تسميه «الشيوعية» عنها، وكأن هذه التسمية كانت مرتبطة بمجرد وجود هذا الكيان العملاق (الاتحاد السوفيتى)، أو كأنها كانت مفروضة عليهم فرضا، فقبلوها على مضض، وعندما حانت الفرصة وانهار هذا الكيان العالمى تخلصوا منها الى غير رجعة. وحتى بعض الاحزاب الأوربية التى كان إسمها يحتوى على كلمة «العمال» اكتفت دونها بكلمة «الاشتراكى»، مثل حزب «العمال الاشتراكى المجرى» الذى غير اسمه ليصبح «الحزب الاشتراكى المجرى» فقط، مما يشير إلى تخل واضح عما تدل عليه كلمة العمال من التزام (ما) بالدور القائد والأساسى لهذه الطبقة فى عملية التغيير، ويشير أيضا الى تخل معلن عن أيديولوجيا الاشتراكية العلمية المستمدة من الفلسفة الماركسية اللينينية، باعتبارها أيديولوجيا التغيير التى يمثل العمال الحامل الرئيسى لها. وكذلك كان الأمر لدى بعض أجنحة الحزب الشيوعى الايطالى والبولندى .. الخ. والأمر نفسه لدى بعض الأحزاب الشيوعية العربية.

وفى هذا السياق يمكن ادراج عدد من الكتاب والمفكرين العرب، ذوى التاريخ الفكرى والتنظيمى الماركسي، ممن تملكتهم نزعة المبالغة فى جلد الذات، التى تعدت حدود النقد الذاتى الضرورى والمطلوب، الى حد اهالة التراب على كل منجزات الأحزاب والحركة الشيوعية العربية، بل والفكر الماركسى ذاته. مثلما فعل الدكتور عبدالحسين شعبان فى كتابه: "تحطيم المرايا"، الصادر عام 2010. غير أن (التحطيم) عنده لم يكن منصبا على (مرايا) الايهام والتخييل المجافى لحقائق الواقع والذى يقوم بديلا عنه، (وتلك كانت بلا شك أحد أمراض بعض فصائل اليسار العربى بدرجات متفاوتة وفى أحيان معينة)، وبالتالى يعنى تحطيمها تحطيم الخيالات والأطياف والأوهام. إنما يتم هذا (التحطيم) بهدف تحقيق نوع من المراجعة الشاملة، المصحوبة بنوع من الادانة الممرورة لكل الممارسات والأفكار الكلية والجزئية على حد سواء. وصولا الى نوع من التبشير بالعودة الى "الوضعية" ومغازلة أكثر أشكال الفكر البرجوازى بؤسا ورجعية.

وأنا بالطبع لست ضد المراجعة والنقد الابداعى لمسيرة الوعى والممارسة النضالية لحركة اليسار العربى أو فى أى مكان آخر، فهذا يمثل الضمان الوحيد للمجاوزة والتصويب، ولكنى بالطبع ضد هذا الذى يمكن تسميته بفقدان الاتزان وفقدان البوصلة، اللذين يؤديان بنا الى الهرولة المذعورة المتخبطة النادمة الى أحضان أعدائنا على وجه التحديد، متخلين عن قدراتنا على التقييم العلمى الجدلى، الواعى والملتزم بالرؤية الاستراتيجية للفكر اليسارى.

وهنا دعونى أعبرعن خشيتى من أننا قد وصلنا، على أيدى هؤلاء "المجتهدين المراجعين"، إلى مرحلة التخلى المعلن عن المنطلقات الأساسية لمسألة وجود اليسار فى حد ذاته. والاقتراب التدريجى نحو نوع من الليبرالية ذات البعد الاجتماعى فى أفضل الأحوال.

ان رسالة اليسار فى جوهرها انما هى العمل على بناء حضارة إنسانية جديدة وأفق مجتمعى جديد للبشرية، ينتفى فيه الاستغلال والقمع والقهر، وتتفجر فيه الطاقات والملكات البشرية الكامنة التى يجرى طمسها وتشويهها وتحويلها إلى طاقات تدميرية فى ظل المجتمع الطبقى الرأسمالى القاهر، مسلحين بالوعى الجدلى العلمى وبقوانين الحركة التاريخية والاحتماعية، وبالمعرفة العميقة بالخصائص النوعية لقوى وتناقضات الواقع الاجتماعى المحدد بحدود الزمان والمكان ومقدار التطور الاجتماعى والمادى.

وإذا تم تناسى هذه المهمة، الثورية بالمعنى الكامل والمباشر للكلمة، فانه من المحتم على قوى اليسار أن تبحث لنفسها عن تسمية أخرى. فلقد قامت هذه القوى من أجل مواجهة حالة طبقية اجتماعية وانسانية محددة، ترتكز على الاستغلال الجائر لطاقات الطبقات العاملة وممارسة القهر والعدوان على الشعوب كافة. وهذه القوى اليسارية منحازة اجتماعيا على نحو صميمى للطبقات المنتجة والشرائح الاجتماعية المقهورة، ومنحازة انسانيا للشعوب المظلومة الباحثة عن الحرية والتقدم والتحقق الانسانى.

وبالطبع، فان البعد الأخلاقى واليوتوبى المرتكز على الحلم بمجتمع لاطبقى تسوده قيم الحرية والعدل، والتبشير بالانتصار النهائى والحتمى لقوى التقدم، قائم بلا شك فى جوهر الرؤية اليسارية. ولكن التحليل السياسى لاينطلق من هذا البعد باعتباره واقعا فعليا، ولكن باعتباره ممثلا للبوصلة الهاديه ذات المقومات الأخلاقية والانسانية بالمعنى الدلالى العام. وإنما يجرى التحليل، موضوعيا، على أساس من المنهج العلمى الجدلى والفكر العقلانى المنهجى، الذى يتعامل مع ما يطرحه الواقع من ظواهر وتناقضات حقيقية وفعلية.

ولذلك فاننى أتفق مع الأستاذ كريم مروة تماما فى فكرته عن أهمية عدم جواز القفز على الواقع وضرورة التعامل بشكل مرحلى مع متغيراته. ولعل هذا ليس بالكلام الجديد. لكن فى حالة تناسينا للرؤية الاستراتيجية التى قام على أساسها فكر اليسار، فسنواجه بالحتم مشكلة مفهومية كبيرة، تتمثل فى عدم انطباق "المفهوم" على "الماصدق"، بلغة أهل المنطق، أى سنصبح أمام تسمية لاتنطبق على المسمى.

لقد ركزت صفحات الكتاب كثيرا على كلمة "النهضة"، مؤكدة على أنه يتعين علينا (الآن) الإسهام فى تحقيق نوع من النهضة الشاملة، على مستوى التحرير السياسى والدعم ل- والمشاركة فى - الحركات التضامنية والاجتماعية والشبابية.. الخ. وبالرغم من أن ذلك يتوافق مع فكرة اليسار، على وجه عام، الا أنه لا يمثل جوهر الفكر اليسارى ولا يجسد المقولة الأساسية لحركة اليسار. وغنى عن القول أن اليساريين هم من أكثر من عملوا على دراسة التراث وابراز الجوانب التقدمية الكامنة فيه، وبشروا بمجانية التعليم، ودافعوا عن حرية التفكير والتعبير، واحترام الآخر والاقرار بحقه فى الاختلاف. ويقفون وحدهم تقريبا، الآن، الى جانب قضايا المرأة وفى مواجهة مصادرة الابداع وقمع الأفكار. فاليسار على مدار تاريخه كان تنويريا ونهضويا .. لكن التنوير والنهضة بأى اتجاه ؟! فهل يمكن مثلا الاتفاق مع تطويع فكرة "قبول الآخر"، على طريقة بعض الاتجاهات التى ظهرت حديثا، لتعنى (بذلك الآخر) العدو الصهيونى وتنادى بالتطبيع معه والتغاضى عن سياساته العدوانية، وترى أن اقامة سلام معه (على هذه الوضعية) يعد أمرا ممكنا، بل وحضاريا؟! اننا هنا نخلط الأوراق والموضوعات ببعضها البعض، ونزيف المفاهيم والمعانى الحقيقية لفكرة الاختلاف. فنحن نؤمن طبعا بحق الإختلاف لكن ذلك لا يعنى، باى حال من الأحوال، الإيمان بحق الآخر فى قتلى ومحو حضارتى وسحق شعبى. ونحن نؤمن بحق الأمريكيين فى العيش بالطريقة التى يفضلونها، لكننا بلا شك لا نؤمن بحقهم فى السيطرة على العالم والهيمنة على ثقافاته ومقدراته وتحويله الى مزرعة خاصة يديرون شئونها بما يخدم مصالحهم.

أن مبارحة المنطلقات والمفاهيم النظرية الأساسية والمواقف الجذرية الرئيسية والمواقع والخنادق التى انطلق منها اليسار تعنى إننا بإزاء عملية خلط أوراق تخلو من البراءة. ورغم اننى أقدم كل الاحترام والتبجيل لكل من يرى نفسه إصلاحيا وليبراليا، الا اننى أبدى بالغ التعجب من أن يطرح ذلك الشخص نفسه باعتباره يساريا دون أن تشغله القضية الاجتماعية وقضية بناء أفق إنسانى جديد عادل ومتحرر من القمع والقهر والتبعية للامبريالية.

ونحن لا نكرس الميل إلى التجريم والتخوين، لكن إذا لم نربط هذه المحاولات (التحطيمية) ببعضها البعض، ولم نقدم لها قراءة سياقية متكاملة، ربما نصل فى النهاية إلى نوع من الاستدراج نحو عملية تزييف وتفريغ كاملة لمحتوى ومعنى اليسار. وهذا ما لا نتمناه ولا نسمح به فى الحقيقة.

نعم، ان اليسار فى أزمة ولابد أن نعترف بذلك (رغم أن الواقع بعد الثورات العربية قد يطرح احتمالات أخرى ايجابية لم نتيقن منها بعد)، لكن من الضرورى أيضا أن نقوم بتشخيص العوامل الموضوعية الحقيقية التى أفضت إلى ذلك، حتى يمكن التعامل معها والتغلب عليها. مع الوضع فى الاعتبار أن أسباب هذه الأزمة ليست واحدة لدى جميع القوى اليسارية فى شتى البلدان العربية. وأتصور أن القول بغير هذا يعد تعميما مخلا. كما أنه ليس كل اليسار فى العالم مأزوما، فيسار أمريكا اللاتينية وبعض بلدان آسيا مثلا لا يمكن اعتباره فى وضع الأزمة. وحتى اليساريين فى أوروبا ليسوا فى أزمة بهذا القدر الذى نحن عليه.

ان أزمتنا، فى رأيى، تتعلق بعدد من العوامل، منها الثقافة الماضوية الحاكمة والوعى المحافظ السائد والموروث، المتحالفين مع القمع التاريخى المنهجى والمنظم، والتحريض الدينى الجهول والمزورعلى اليسار وفكره، تينك القمع والتحريض المتلازمين مع كل السلطات التى مرت على بلادنا طوال تاريخنا الحديث. كما تتعلق، بذات القدر، بتكتيكات اليسار التى أخذت، منذ لحظة التكوين والنشأة، منحى نخبويا وفوقيا، وربما يعود ذلك إلى قيام اليسار منذ بدايته على أكتاف بعض العناصر المثقفة وذات التعليم الأجنبى، وليس على أكتاف عناصر طليعية من العمال والفلاحين، الأمر الذى جعله غير شعبى بدرجة معينة.

إلا أن ذلك لا يعنى بأية حال أنه لم يكن مؤثرا. فلقد وقف اليسار وراء رواج كثير جدا من المفاهيم والأفكار والقيم الثورية التى حكمت مصر وأجزاء من العالم العربى منذ نشأته وحتى الآن، مثل: "الإشتراكية" و"العدالة الاجتماعية" و"العقلانية" و"المنهج العلمى" و"حرية المرأة" و"حقوق العمال والفلاحين" .. الخ. فلقد أسست وأصلت الجهود الفكرية والنضالية التى قدمتها حركة اليسار المناخ الفكرى والسياسى الذى قامت فى اطاره ثورة 23 يوليو والحقبة الناصرية، وما لحقها من ثورات عربية.

ولولا ما حققه اليساريون المصريون والعرب من انجازات فكرية، من أجلها سالت دماؤهم وتقطعت جلودهم تحت السياط فى السجون، ما كان لأحد أن يتشدق ويتفاخر بهذه المفاهيم التقدمية التى جرى حفرها فى مجرى الثقافة المصرية والعربية.

إذن فقد حقق اليسار المصرى والعربى تأثيرا قويا فى مجرى الحياة وعلى كل الصعد. وإن لم يكن ذلك هوالتأثير المرتجى الذى يمكن من خلاله أن يصبح اليسارأحد اللاعبين الرئيسيين فى الحركة السياسية الوطنية. لكن ذلك لا يعنى أن التاريخ قد صودر على هذا النحو والى الأبد، وإنه قد تعين علينا الاستقالة من دورنا التاريخى ولم يعد أمامنا سوى امكانية أن نلحق بأذيال عربة الليبرالية الكهلة (رغم ادعائها الظفر) حتى يكون لنا مكان.

فاليسار قائم وضرورى وحتمى مادام هناك ظلم وقهر وفقر واستغلال وعدوان وصهيونية وامبريالية واستيطان .. الخ، ومادامت البشرية لاتزال تمتلك القدرة والجسارة على اجتراح حلمها البهيج فى عالم تظلله رايات الحرية والعدل. وسينتصر اليسار طالما كان بقى اليساريون الحقيقيون المؤمنون ب - والمخلصون ل – دورهم التاريخى، القادرون على تقديم قراءة علمية جدلية لواقعهم، وتشخيص التناقضات الرئيسية الحاكمة لهذا الواقع، وقوى التغيير الحقيقية فيه، والانخراط بينها واقناعها بجدارة الفعل الثورى وعدم الاستعلاء عليها.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى