الأحد ١ كانون الثاني (يناير) ٢٠٠٦
بقلم عبد الرحمن مصطفى حسن

اليوبيل الفضي لإنسان

يسألني نفس الأسئلة المكررة عن الاسم والعنوان والوظيفة، و..... لكنه توقف هذه المرة عند خانة السن، أخذ رشفة من كوب الشاي القابع أمامه على الطاولة، ثم سأل: كم عمرك..؟؟، أجبت: خمسة وعشرون عاما.. لينتهي اللقاء كالعادة بإمضاءات روتينية على أوراق حمقاء لا تعي ما تحويه من خطورة.

تنبهت لأول مرة أنني أعيش الآن للعام الخامس والعشرين على التوالي، أثارت الفكرة قلقا في نفسي.. فقد مرت سنون طويلة حتى أصل إلى هذا العمر الشاب، أوقات ضاعت في فراغ وكسل، وأوقات ضلت الطريق إلى ساحات العبث واللهو، وأخرى حـُرمنا فيها من أشياء وأشياء، ويبقي الإنسان في النهاية وحيدا يستمع إلى نصائح الآخرين، يجاهد من أجل مظهر لائق يبدأ به حياته، يلام من الكبار على أي غضبة أو إحباط أو عبرة يسكبها على معاناته من غموض المستقبل.

كم كانت الإنجازات في أول العمر بسيطة.. نبحث عن علامات جيدة في شهادة دراسية أو انتصار في إحدى الألعاب، ومع مرور الأيام.. تظهر الأعباء التي كنا نراها حينذاك منهكة للقوى وقاصمة للظهور، كخوف من عدم تحقيق نجاح دراسي أو قلق من نفوذ الآخرين علينا.. هكذا كانت الأعباء ساذجة وبسيطة، لكنها لم تمنعنا أبدا من ممارسة حب الظهور أو الجنون... ما زلت أتذكر أصدقاء الماضي الحمقى وهم يستمعون إلى موسيقى الميتال بكل أنواعها من البلاك ميتال إلى الديث ميتال إلى الدووم.. الخ، مازلت أتذكر ما كانت تحويه تلك الموسيقى الغربية الصاخبة من "كفريات"، ولم يمنع ذلك الرفاق من أن يواصلوا الاستماع إليها حتى فوجئنا بقضية "عبدة الشيطان" تفاجيء الجميع، وتوقظ الكثيرين من غيبوبتهم الموسيقية.

لم يكفر أحد ممن عرفتهم طوال حياتي، كانوا أقل من أن ينشغلوا بقضية الوجود، كانت أمامهم بضع سنين حتى تنتهي مغامراتهم ويصلوا إلى الخامسة والعشرين، فقد كانت الفرصة متاحة لهم أن يبحثوا عن حب مزيف مع فتاة مهووسة بمصادقة الفتيان، أو أخرى تبحث عن حبيب المستقبل.. سمعت كثيرا عن فتيات ضعن بسبب هذا الوهم، وسمعت عن فتيان ضاعوا بسبب حب الظهور وكثرة الشجار، أحدهم كان جاري وصديقي.. قتل في أحد الشجارات وكان لم يتم بعد عامه العشرين، قتل ولم ينقلب الناس على أعقابهم من بعده، بل سارت الحياة وتركته وحيدا في قبره.

قبل أن أتم الخامسة والعشرين بأيام، بحثت عن أقران المراهقة وبداية الشباب، أحدهم أصبح لا يفارق السيجارة، وزايد عليه آخر بأن أتجه إلى تدخين البانجو ومعاقرة الخمور، وثالث ارتدى الجلباب وأضحى قلبه معلق بالمساجد، يتنقل بين الوجوه المختلفة بغرض الدعوة على حساب إهماله لمستقبله، حاولت معهم جميعا أن نبدأ معا بداية خير واعتدال، لم أوفق، لكنني.. لم أفشل، فقد اتفقنا على مهلة.. بضعة أشهر نصلِـح فيها من أحوالنا ونعود ببرنامج عمل واحد نسير عليه إلى ما شاء الله...

لقد تأكد لي أن خمسة وعشرون عاما هي كثيرة في عمر الإنسان، حتى لو بدأت من الصفر صعودا إلى الرقم خمسة وعشرين، فخلالها نفقد الأحباب.. ننجح ونتفوق، أو نفشل.. لكن عند الخامسة والعشرين، لابد من وقفة تأمل.. لابد من سكب العبرات على ما مضى، لابد من تأمل المستقبل الغامض والتساؤل إذا ما كانت هنالك خمسة وعشرون عاما أخرى أم...

تـُرى... هل لدي القدرة أن أواصل كل تلك الفترة مرة أخرى..؟؟

سأنتظر...

فربما تتكرر تلك اللحظة اليوبيلية مرة أخرى.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى