ميسلون ويوسف العظمة في الشعر العربي

، بقلم محمود محمد أسد

خاضت سوريا معركة الرفض وتأهّبَتْ لحماية شرف استقلالها الوليد الذي راح يهدِّده إنذار غورو… وشعَّ في الأفق موقف الشهيد يوسف العظمة. هذا الموقف الرافض بإباء وعزّة لشروط غورو والاستسلام له. فكان أمام يوسف العظمة طريق المواجهة وهذا ما كان في روابي ميسلون قرب دمشق. وكان له شرف الاستشهاد مع رفاقه الأباة. وما استشهاده إلاّ ثمرةٌ غُرِسَتْ في نفسِ كلِّ أبيٍّ فكانت بذرةَ الجلاءِ فراحَتْ تنموفي النفوس وتُثْمِرُ في المواجهات وتجنى في الجلاء.

من هنا بدأت رحلة الجلاء المسطّرة بالدم والفداء والرفض فلم يعرف المحتل البغيض طعم النوم ومذاق الهناء في بقعة من الوطن العربي حتى نالت استقلالها في القرن العشرين. هذا الجلاء وراءه رجالٌ ومجاهدون أحرار وحَّدوا النضال الوطني في كلِّ الوطن والأقاليم بعيداً عن كلِّ حساسيّة، ولذلك انخرطَتْ الجماهير بعفويتها وإيمانها للذود عن حياض الوطن.

وكانت معركة ميسلون واستشهاد المجاهد يوسف العظمة المحرِّك المدوِّى لنفوس الشعراء فألهَبَ قرائحهم والَّبهم على أعدائهم. فانخرطوا في صفوف النضال واعين رسالتهم.

وحفل الشعر في ذكر ميسلون ويوسف العظمة. واستلهم الشعراء الكثيرَ من المعاني النبيلة. فهناك قصائد وأبيات خلّدت ميسلون وشهيدها وفيها الكثير من الصدق والعفوية فالشاعر سليم الزركلي نظّم نشيداً خاصاً لطلاب مكتب عنبر وقد لحَّنَهُ الموسيقي المرحوم فائز الأسطواني وجاء فيه:

يا روابي ميسلون
غالها الدهرُ الخؤون
يا أزاهير الجنان
وتنادوا للطعان
لزعيم الشهداء
بالتآخي والولاء
ججج
--------
---------
يا روابي ميسلون
بالضحايا ذكِّرينا
 
يا رياحين البلاد
جرِّدوا سيف الجهاد
جدَّدوا العهد الأمينا
وانصروا الحقَّ المبينا

هذه المقاطع من النشيد تقترب من نفوس الفتيان، فتشحذ هممهم. وفي معركة ميسلون قيل الكثير وبقيت مرسومة بصفاء في نفوس الشعراء الذين عايشوها عن قرب. فالشاعر خير الدين الزركلي يذكر ذاك اليوم البغيض الذي حلَّ على الشعب الغاضب الثائر:

بردى يغيض وقاسيون يميدُ
لا الزجرُ يدفعها ولا التنديدُ
قدم استقام له به تجديدُ
شُذَّاذُ آفاقٍ شراذم سودُ!
الله للحدثان كيف تكيد
تفد الخطوبُ على الشعوب مغيرةٌ
بَلَدٌ تبوَّأه الشقاء فكلَّما
لهفي على وطنٍ يجوسُ خلاله

وأشاد الشاعر خليل مردم بك ببطولات معركة ميسلون الباسلة وأبدى حزنه لما آل إليه أمرها:

بدموعها حزناً على ماضيكِ
من كلِّ غصن نادبٍ يرثيك
عانيهما ما كان بالمفكوك
إنّي أرى (بردى ) تفيض عيونه
وأرى هضابك كالقبور، عذابها
في ميسلون أسى يطول وحسرةٌ

وللشاعر خليل مردم بك أكثر من قصيدة يحيي فيها ذكرى ميسلون فيقول في إحداها مخاطباً الشهيد يوسف العظمة:

فَهَلْ من مخبر عن منتهاها
ليهنك كنت أوَّل من بداها
أخفُّ وقيعةً ممَّا تلاها
تمثِّلُ ميسلونَ وما دهاها
عرفْنا يومَ يوسفَ مبتداها
أيوسف والضحايا اليوم كثرٌ
مصيبة ميسلونٍ إن أَمَضَّتْ
فما من بقعة بدمشق إلاّ

ومن الطبيعي أن تكون ميسلون مبعث اعتزاز وموقع ثقة لدى الشعراء فالشاعر بدر الدين الحامد يتغنَّى بصمود يوسف واستشهاده ويندِّد بوعود الغرب الكاذبة:

عن يقينٍ الى الحياة سبيلا
وكفانا به شهيداً نبيلا
نحن أقوى يداً، وأسمى عقولا
وَعْدَ صدقٍ كالصبحِ معنى وكيلا
نحنُ قومٌ من الممات اتَّخَذْنا
"يوسفٌ " خرَّ في الشآم صريعاً
أخذونا بالانتداب وقالوا:
سنريكم دنيا الحضارة تزهو

وتوقَّف الشاعر عمر أبوريشة عند ميسلون وهوفي نشوة الفرح بالجلاء واعتبرها حَجَرَ أساسٍ في نهوض أمَّتنا وثباتها رغم عاتيات الزمان. واعتبرها معارك أمّة خاضتها عبر تاريخها، وناضَلَتْ بشرف لنيل مبتغاها:

عن جناحيها غبار التعبِ
وكبَتْ أجيادُنا في ملعبِ
لنضالٍ عاثرٍ مصطخبِ
غُلِبَ الواثبُ أم لم يُغْلَبِ
كم لنا من ميسلون نفضت
كم نبتْ أسيافُنا في ملعبٍ
من نضال عاثرٍ مصطخبٍ
شرفُ الوثبة أن ترضي العُلى

فمعركة ميسلون وما جرى فيها كانَتْ مجالاً رحباً وأفقاً واسعاً للشعراء منها ينهلون، ويسكبون فيها بنات أفكارهم وآرائهم فالشاعر عبد الله يوركي حلاّق تغنّى من خلالها بالوحدة والتراث وجسّد معاني الانتماء:

يا للغرابة كيف يغفوالكوكبُ
وقلوبنا حيُّ البسالةِ طيِّبُ
نَغَمٌ على شفةِ الإباءِ ومُطْرِبُ
في ميسلونَ ينامُ كوكبُ يعربٍ
ما مات يوسفُ فهوَ في تاريخنا
الخلدُ يعرفُهُ ويعرف أنَّهُ

والباحث في طيِّ الدوريات والدواوين يجدُ عقداً ثميناً من القصائد والأبيات التي توقفت عند هذا الحدث الجليل فالشاعر فارس قويدر يهدي قصيدته ( قبس من ميسلون ) الى الشهيد يوسف العظمة وذلك في مجلة الجندي العربي:

غوروهناك، ومشعلي في انتفاضتِهِ

فأرجفَ البغيُ مذعوراً لصرختهم:

أيعبرونَ وقتلانا جدارُ دمٍ
نهرٌ من النارِ، لم تسمعْ به النارُ
"يفديك يا وطن الأحرارِ" أحرارُ
ونحنُ في زحمةِ الأقدارِ.. أقدارُ

ولكنَّ اللافتَ والرائع أن ميسلون وشهيدها لا مَسَتْ وجدان الشعراء العرب في الأقطار العربية والمهجر. وهذا معهودٌ لدى شعراء العربية فالإحساسُ القومي نابضٌ وحارٌّ. فالآلام توحِّدُ مشاعرهم والآمالُ تشدُّ من أزرهم. فمن مصرَ ارتفع صوت أمير الشعراء أحمد شوقي:

سأذكر ما حييتُ جدارَ قبرٍ
مقيمٌ ما أقامَتْ ميسلونٌ
ترى نورَ العقيدةِ في ثراهُ
مشى ومَشَتْ فيالق من فرنسا
سلوهُ: هل ترجَّلَ في هبوبٍ
بظاهرِ جلَّقٍ ركبَ الرِّمالا
يذكِّرُ مصرعَ الأسدِ الشِّبالا
وتنشقُ مِنْ جوانبهِ الخلالا
تجرُّ مطارفَ الظفر اختيالا
من النيرانِ أَرْجَلَتِ الجبالا

في القصيدة يعلووجدان الشعر وتبرز الصور الفنيَّة الموحية، وتغنّى الشاعر المصري على محمود طه بميسلون ففي ديوانه قصيدة " شهيد ميسلون " والشاعر معروف بروحِهِ الثورية الواثبة وهوصاحب القصيدة الرائعة ومطلعها:
أخي جاوز الظالمون المدى

فحقُّ الجهادِ وحقَّ الفِدا

يقول الشاعر في شهيد ميسلون:

في موكب الفادين مجد أميّة
لوقستَهم بعدوِّهم وسلاحِهِ
يا ميسلونُ شهدْتِ أيَّ روايةٍ
ووقفْتِ مُثْخنةَ الجراحِ بحومةٍ
يا يوسفُ العظماتُ غرسُكَ لم يضعْ
بجوانحٍ مشبوبةٍ وجوارحِ
أيقنْتَ أنَّهموفريسةُ جارحِ
دمويَّةٍ، ورأيتِ أيَّ مذابحِ
ماجَتْ بباغٍ في دمائكِ سابحِ
وجناهُ أخلَدُ من نتاج قرائحِ

هذه القصائد تبرز عمق الارتباط القومي ومتانته. هذا الارتباط الوثيق الذي عبَّر عنه الشعراء بمشاعرهم الفيَّاضة الصادقة. وهذا ليس بغريب عن أدباء العربية المنتمين الى أرومتهم انتماء صافياً كصفاء نفوسهم. فالرصافي يهزأ من غوروويخاطبه غاضباً من إنذاره وتصرفاته الرعناء:

رويدك غوروأيّهذا الجنرال
أسأتْ إلينا بالذي قد ذكرته
إليك صلاح الدين نشكومصيبة
فقد آلَمَتْنا من خطابك أقوال
من الأمرِ فاستاءت عصورٌ وأجيال
أصيبَ بها قلبُ العلا فّهْومقتال

والشاعر هنا يشير الى مقولة غورو عندما دخل دمشق غازياً فتوجَّه الى ضريح صلاح الدين وقال له " ها نحن عُدْنا يا صلاح الدين ".

ومن المهاجر الأمريكية تواصل الأدباء العرب مع هذا الحدث الجلل وهذه المواقف البطولية الرائعة فأبوالفضل الوليد يشيد بصمود يوسف العظمة في ميسلون:

تربَّصَ إحدى الحسنيين تبسُّلا
وأيقن أن النصرَ في جنبِ خصمِهِ
على أشرف الميتات وطَّن نَفْسَهُ
وما ذاك إلاَّ من إباءٍ وعزَّةٍ
أيوسفُ يا بن العظمة استعظم الورى
فنم في ثراها مطمئناً مكرّماً
سلام على الأبطالِ إنَّ دماءَهم

فما عابه ألاَّ يكون المظفَّرا
ولكن رأى حظَّ الشهيدين أفخرا
فشدَّ لكي يلقى الردّى لا لينصرا
يزيدان نفس المستميت تكبُّرا
شهادتك المثلى، ومثلك لم يرا
فذاك الثرى قد صار مسكاً وعنبرا
ستحيي شعوراً لن يموت ويقبرا

فالأبيات تنبض بالتقدير والإعجاب وتتعامل مع الشهادة من خلال صراع يعيشه الإنسان وبقى مع شعراء المهجر الذين ابتعدوا جسداً عن الوطن الأم، وارتبطوا روحاً تتألم لأوجاعِ الأمة، وتفرح لفرحها. فهذا إلياس فرحات يحسِّد معنى الشهادة والثبات والتنديد لسياسة الاستعمار:

قولوا لغوروكلّما لَمَعَتْ
مَيْتُ العلى حيٌّ بمبدئهِ
مجد الشآم بميسلونَ بدا
يا ميسلون سُقيتِ كلَّ ضحىً
أزرارُهُ فاختالَ وابتسما
وعدوُّه مَيْتٌ ولوسلما
غرساً سقوهُ دماءَهمْ فنما
دمعَ الغمامِ كما سُقيتِ دما

ويعود الشاعر الى ذكرى ميسلون مع ابتهاجه في إعلان نار الثورة السورية الكبرى فلا يجد مانعاً في اختيار عنوان " يا ميسلون " فيتوجه إليها:

يا ميسلون تجدَّدَ العمل
يا ليْتَ غوروحاضرٌ ليرى
أبني الشآم اليومَ يومكمو
مرحى بني معروف إنَّ لكم
يا سائلي عنهم أتجهلهمْ
لعُلاك فليتجدَّدِ الأملْ
ضرباً تميدُ لهولِهِ القِلَلْ
للمجدِ هذا الحادثُ الجلل
جيشاً تضيق بخيلهِ السبل
وهمُ الذين على العلى جُبلوا

وللشاعر إلياس فرحات أكثر من قصيدة يشيد فيها بميسلون ويوسف العظمة وقد قال يوم احتفل المغتربون في البرازيل بوضع تمثال بطل ميسلون:

شاعر الأحرار في هذي المهمّه
إن يقلْ ما ميسلونٌ جاهل؟
محفِلُ الأحرارِ يبغي أن نؤمّه
قلْ: مثارُ الفخر في تاريخ أمّه

وللشاعر القروي حصَّة عظيمة في ذكر ميسلون وقد أشاد بها وذكرها في قصيدته " عيد الأضحى " وقد جاء العيد بعد ميسلون:

إنَّ بالعظمةِ أعلى مثلٍ
ودَّعَ الغوطة يبغي جنَّةً
يا معيداً مجدنا الضائعَ، نَمْ
للفدى تنشده النفس الأبية
غيرها تحتَ ظلالِ المشرفيّة
مُسْتريحاً في ظلال الأبديّة

هذا الاحساس القومي الرائع ينبض في ثنايا كلِّ حرف وبيت، وهنا تكمن عظمة الكلمة النابعة من الأعماق وهذا ما بدا في قصيدة " جورج صيدح " في ذكر الجلاء:

زغردي يا حرائرَ الشامِ، هذا
خطبوها في ميسلون فأدّى
مهرجانٌ لأختك الحرّيّة
" يوسفُ " المهرَ بالدماء الزكيّة

وانطلق صوت الشاعر إيليا أبوماضي مشيداً بيوسف العظمة وراسماً عظمة رسالته ودوره في قصيدته " تحية الشام "

ما كان يوسفُ واحداً بل موكباً
هذا الذي اشتاق الكرى تحت الثرى
وإذا نبا العيشُ الكريم بماجدٍ
إنّي لأزهى بالفتى وأحبُّهُ
للنور غلغل في الشموسِ فغابا
كي لا يرى في جلَّق الأغرابا
حرٍّ رأى الموتَ الكريم صوابا
يهوى الحياةَ مشقّةً وصعابا

ورد ذكر ميسلون ويوسف العظمة كثيراً وخاصة في قصائد قيلت بمناسبة الجلاء وذكرى ميسلون وهي مطوَّلة تستحقُّ دراسة متأنيّة فيها الكثير من الدقة والتحليل. فكانت ذكرى الجلاء باعثة للذكريات واسترجاحِ قيم النضال ولذلك كان الجلاء من ميسلون. وميسلون أوَّل لبنة من لبنات الجلاء العظيم الذي جاء ثمرة التضحيات فيقول الشاعر زكي قنصل:
كلُّ شبرٍ من أرضِها ميسلونٌ
وإذا كلُّ ربوةٍ ميسلونٌ

يجثم العزُّ حولها والوقارُ
وإذا كلُّ ساحةٍ مضمار

ونبقى مع الشاعر زكي قنصل الذي أنشد قصيدة رائعة في الذكرى الخمسينية لموقعة ميسلون وعنوانها (مواكب الشهيد ):

هتكوا حماكَ وأنتَ لم تثبِ
أين الحميَّةُ، هل هي انطفأت
مثواكَ محرابي أطوف به
أولَسْتَ من عدنانَ يا عربي
أم أنَّها ذهبت مع السلبِ ؟
وأحوم بالنجوى على النصب

وهناك الكثير ممَّا قيل في ميسلون وبطلها يوسف العظمة الذي ضَرَبَ مثلاً في الرفضِ والإباء والعزّة. وهذا ما ألهب نار الثورة من بعده.

فما الثورات والنضال الوطني الذي أدّى إلى الجلاء إلاَّ من سعير ميسلون وهداها. وتبقى ميسلون مجالاً رحباً للدراسة مع معارك تاريخيه أخرى خاضتها أمَّتنا العربية كحطين وعين جالوت ومالمنصورة... وهي دعوة فيها الكثيرُ من العمل والفائدة


محمود محمد أسد

أديب سوري

من نفس المؤلف