الخميس ١٣ نيسان (أبريل) ٢٠٠٦
بقلم رابح خدوســي

احتراق العصافير - القسم الثاني من ثلاثة

ثمن المخاطرة

لقراءة القسم الأول من المجموعة انقر هنا

الساعة السابعة تعلن بدقاتها موعد الاستيقاظ، نهض زهير من فراشه يتمايل كشجيرات الأرصفة في وجه الريح.

كان جسمه يشكو التفكك وأضلاعه تعاني التمزّق الذي فرضته البرودة طوال الليل...

نظر نحو الجميع وهم يغطون في نوم عميق، كان مشهد الأب النائم وسط القطط الأربعة يثير شجون الطفل زهير، الذي وقف أمام المرآة يتأمل جسمه وما ظهر عليه من رسوم خرائط متشابكة، وانحناءات شبيهة بتضاريس الحصير الذي نام عليه...

فرّك حاجبيه ابتغاء طرد النعاس، الذي ما زال يراوده ،والتقط حبة تمر من أرض الغرفة واضعا إياها في فمه الصغير، ثم جمع أدواته المدرسية المبعثرة وخرج مسرعا، وقطرات المطر تطبع قبلات لطيفة على وجهه.

قبل أن تحين فترة الاستراحة تحركت معدته تطلب الأكل، وكالعادة استلم من زملائه التلاميذ ما يسدّ به رمقه من الجبن والشكولاته..
تنهّد زهير من أعماق نفسه التي كانت تهفو إلى ابتسامة ألفها من أحب الناس إليه ولم يجد لها بديلابعد غيابها المفاجيء.

(من أجل سلامة زهير واستقامته التمس من المحكمة...)
بدأ الأب كلامه بهذه العبارة قبل أن تقاطعه الأم قائلة:
-  سيدي القاضي، القانون يمنحني الحق في
حضانة ابني ولذا أرفض أن يعيش زهير بعيدا عني.
هرع الأطفال إلى الأقسام فارين من المطر الذي داهمهم في الساحة، فاستأنف المعلم الدرس سائلا:
-  من يغسل الملابس وينظفها؟
رفع التلاميذ أصابعهم للإجابة عدا زهيرا الذي كان شارد الذهن يفكر بعيدا، حتى انتبه معلمه إلى حاله، فسأله عن قصد:
-  زهير، من ينظف ملابسك؟
-  أبي هو الذي ينظف ملابسي.
يضحك الأطفال فيحمرّ وجه زهير خجلا ويبتسم المعلم مستفسرا:
-  وأمك ماذا تفعل؟
سؤال تردد في أعماق زهير الذي سأل نفسه في الحين:
لماذا هجرتنا أمي؟ ماذا تفعل يا ترى؟
..................
تقدّم الأب نحو هيئة المحكمة يحدوه الانتصار، قائلا في تحدّ:
-  وأنا أرفض أن يعيش ابني مع زوجها الأجنبي عن الأسرة...
وقاطعته مرة ثانية:
-  وأنت أيضا مقبل على الزواج.
واصل الأب كلامه دون أن يلتفت صوبها.
-  زد على ذلك أنها تسكن بالقرب من الطريق المزدوج.
واجهته الأم غاضبة وقالت في انفعال:
-  لكني لا أسكن كوخا مثلك.
وتدخل القاضي....

( المطر ينزل بغزارة قالت لي أمي أشعل المدفأة يا ...)
قرأ زهير هذه الفقرة في كتابه قراءة متأنية ثم توقف ليقول في نفسه:
- ها هو المطر ينزل حقيقة، لكن أين أمي ؟وهل توجد في كوخنا مدفأة؟
وكان الجواب أن قصف الرعد فهزّ أركان حجرة الدرس، وأطبق الصمت على أفواه التلاميذ في ارتياع،، إلى أن دقّ الجرس فخرج الأطفال إلى الساحة، مسرعين في اتجاه منازلهم...

صفير الرياح وظلمة السماء ينذران بثورة الطبيعة، امتطى بعض الأطفال السيارات المنتظرة، ورافق آخرون أقاربهم تحت المعاطف أو المطريات بينما بقي زهير في انتظار اللاشيء، وعندما هزمته نظرات الحارس خرج إلى الشارع مقتحما سيل المطر.

تنقل أسفل الشرفات وداخل الأروقة ،وصقيع المطر يصفع وجهه الوسيم من حين لآخر، حتى انساب الماء تحت قميصه البالي، ولدغته الريح من كوة السروال الممزق أسفله، تلك الريح التي كانت تبعث موسيقى الرعب، فترقص لها الفضلات المتدفقة من فيض القنوات...
كان يتنقل من مخبإ إلى آخر وسؤال المعلم لا يبارح ذهنه:
- ماذا تفعل أمك؟

لمع البرق في ظلماء السحب وانهمرت الأمطار فلجأ زهير إلى قبو صادفه لكنه سرعان ما ابتعد منه فارا إلى خارجه وأنياب أحد الكلاب تلاحقه، وفي لمح البصر امتزج نباح الكلب بصوت (عجلات) السيارة التي صدمت زهيرا في بركة من الماء في حين كان والداه يغادران المحكمة.

الأم المطلقة تقسم بأن زهيرا لها والأب يحرّم حياته ثلاثا ان ظفرت مطلقته بزهير، وخرجا يتسابقان للقبض عليه.

بدأت غزارة المطر تقل كما كانت تقل مسافة الشارع أمامهما، بينما كان عدد الأشخاص يتزايد حول مكان الحادث، يتأملون في صمت أشلاء طفل ويلعنون مخترع السيارة.

وقف كل منهما وسط الدائرة في مواجهة خصمه، صرخت الأم:
-  رجله، ابني زهير..

وسقطت مغمى عليها،، وارتمى الأب على حذائه يقبله مناجيا:
-  زهير،، زهير ابني.

اختلطت الأدوات المدرسية بأشلاء صاحبها، كما امتزجت الدموع بالدم الدافق ،الذي جعل بركة الماء الصغيرة تحمل ألوانا كثيرة تطفوا على سطحها، لا يقرأ الرأئي فيها سوى آيات الحسرة والحرمان.

نشر: جريدة (الشعب) العدد 6465
بتاريخ 11 أوت 1984.

بسمة الوفاء

(القصة الفائزة بجائزة في مسابقة الذكرى 25 للاستقلال)
البناية العالية تنام في أحضان الظلام وعبد الله يصعد مدرجها بقدمين تلبسان الحفاء والرغبة تنشّطه، حتى وقف على آخر درجة ... غرق بصره في بحر من الدجى، انه يسبح بيديه باحثا عن محيط وجدانه وسط عتمات الليل،،،

كان دفء الفراش يغادر ضلوعه لتحلّ مكانه البرودة، فترتعد فرائصه، داهمته رغبة العدول عن رأيه ونسيان موعدها، لكن دوافع كثيرة حركت فيه العزيمة من جديد، أخرج زفرة طويلة وهو يتذكر عمله الحقير، ويستحضر باله شقاءه من أجل إسعادهم.
قال عبد الله في نفسه:

- (لا يمكن أن أعود إلى الأسفل وقد عزمت على لقائها في مكان مرتفع بعد سنة من الانتظار)
ثم أردف في أمل وتفاؤل:
- سأقول لها: أطلبك بشيء واحد، فهل تشائين؟

تقدم نحو الكوة التي كانت ترسل نحو الداخل المظلم موجات ضوئية مصحوبة بنفخات النسيم، أرسل عبد الله نظرات إلى العالم الخارجي للعمارة فرأى الوطن يخاطبه من السماء الزرقاء.

تذكر فراشه المنثور في غرفته الموحشة بالطابق الأرضي للبناية ،التي يسكنها المحتلون فأطلق تنهيدة ثانية وهو يتسلل إلى سطح العمارة بجسمه النحيف.

وقف على السطح مضطربا ينظر إلى نجوم السماء النشوى في كنف القبة الزرقاء، باحثا في انتظاره عن الباب الأخضر الذي يظهر في الأفق ليلة القدر، ويمنح كل من يسأله أمنيته التي طلبها كما تتحدث الأسطورة عن هذا منذ أجيال وأجيال.

انسابت بين أصابع رجليه مادة سائلة فقال في اشمئزاز وبصوت منخفض:
-  يا للقذارة، الفرنسيون يتبولون فوق بيوتهم.
(ثم قال مستدركا):
-  هل تسقط الأمطار والسماء صافية...
وفجأة وضع يده على فمه مجبرا نفسه على كتمان صرخة أوشكت أن تصدع السكون وتجفل الحواس، توقف قليلا والشعور بالقلق يعتريه والإحساس بالخوف يساوره، تقدم بخطى وئيدة نحو الأمام مبتلعا ريقه الجاف كاتما أنفاسه في صمت رهيب، وهو يحاول أن يتبين الموقف:
-  يا الهي، لمن هذه الجثة السابحة في دمها؟
ارتعشت أنامله وهي تتلمس السائل الذي أحس به منذ هنيهة، انه دم جزائري أعدم في الليلة على السطح، رفع يديه نحو السماء متوسلا:
-  رحمة بنا أيتها السماء، صعدت إليك لأرى فيك الباب الأخضر لدفن شقائي، لأطالبك بالنصر على الأعداء وإذ بي مع الدم الأحمر... !فلتشهدي يا ليلة القدر على ما تصنعه الأقدار في أبناء شعبي وأمتي...لا،لا..

تأمل عبد الله ذلك المنظر في هلع وخشوع وضياء القمر يملأ الأفق ويعانق المرتفعات،
-  لا شك أنه المجاهد الذي اعتقله الطغاة منذ يومين.
نشر القمر ضوءه فأشرق أمامه وجه الشهيد، تذكر عبد الله أخاه سعيدا حين قتلته العساكر، ثم كشفت عن جسده أمام جمع من السكان الذين ستروه بنظرات الترحم، واستنشقوا عبير الدخان و ألسنة اللهب تتابع البنزين المتسرب في مسام جسمه سعيد الذي استشهد مرتين ليحي ما دام الدوام... واستعاد عبد الله في ذاكرته شريط الأحداث، فرأى من خلاله ما وقع لأبيه،عندما كان هو وأخوه صغيرين، وجاء فرعون العصر (القايد) يهدده:
-  بع البقرة ،وادفع ما عليك من غرامة أيها الشيخ.
وأردف رفيقه (الشنبيط) متوعدا:
-  أو نذهب بك إلى سجن (سركاجي).
قال سعيد بصوت مسموع في براءة الأطفال وجرأة الرجال وهو يبتعد هاربا:
-  (القايد والشنبيط) أذناب الاستعمار.
غضب الشنبيط فهوي بسياطه على ظهر الأب المسكين، ثم تحوّل إلى جسم زوجته التي تدخلت لحمايته، كانت آثار السياط على جسميهما تشكل رسومات وخطوطا ،كأنها سجل تاريخي يروي ملاحم الظلم والطغيان عبر الأجيال.

وسار أبوه وراءهما راجلا وهو يحدث نفسه:
-  يداي موثوقتان إلى ذيل الفرس وتلك بقرتي
يقيدها حبل (الشنبيط) كلانا مقيد وكلانا يسير يشق غبار الطريق،

لقد تركت بيتي وحيدا، ربما أعود في المساء بعد مقابلة الحاكم العسكري، أو ربما لا أعود حيا أو ميتا... الوداع يا أعز الأحباب.

الطفلان الصغيران وأمهما ينتظرون أسبوعا كاملا بأيامه ولياليه،، وجاء اليوم الأول من الأسبوع الثاني ومعه الأب يجر رجلين تحملان هيكلا أنهكه التعذيب والعمل الشاق، كان يضع منديلا على نصف وجهه ليخفي انتفاخ الوجنتين وزرقة في العينين أو كان يريد إخفاء يمين شاربه المحلق بالشفرة عنوة، وربما قد أراد أن يستر كل هذه الآثار.
نزل عبد الله أدراج العمارة مسرعا ودخل غرفته يبحث عن علبة الكبريت، ثم خرج بعد تفكير طويل وبدأ يجمع القمامة من أبواب الشقق كعادته ويضعها أسفل مدرج العمارة الخشبي،،، سدّت منخاريه روائح الفضلات المتعفنة الممتزجة برائحة عرق جسمه الذي كان يحس به يتصبب من جبينه، لم يخرج الفضلات إلى الشارع كسائر الأيام، لا شك أنه يضمر شيئا في نفسه....

ها هو لسانه يتحرك مبسملا ومكبرا وأصابع يديه تخرج عود الثقاب وتضرم النار في ورقة مضرجة بالنبيذ الجاف...

وضع عبد الله الورقة بين الفضلات ،وخرج من العمارة مهرولا فوجد الفجر يستقبله بصياح الديوك...

خطاه تمتد كامتداد ألسنة اللهب في مدرج العمارة التي كان يقوم بتنظيفها من الرجس والأقذار كل صباح..
لم يبال عبد الله بالإيعاز الصادر من قائد الدورية العسكرية:

-  قف... قف.
لاحقه صوت الرصاص ، حتى صار جسمه والدم يتنـزّى منه كأنه حقل أزهار حمراء وبيضاء وخضراء...

لم يتمالك توازن جسمه،تمايل مختالا في مشيته قليلا ،ثم خرّ ساقطا والابتسامة الساخرة تفترش محياه،،،
أرسل بصره في نظرات هادئة إلى سماء المدينة حيث كانت ألسنة اللهب وضياؤه يبددان الظلام..

ابتسم قائلا قبل أن تفارق روحه بدنه:

-  إنهم يحترقون مثلما أحرقوا أخي وشردوا شعبي،
واستشهد وليلة القدر راضية عني....

انتهى القسم الثاني

لقراءة القسم الثالث انقر هنا

ثمن المخاطرة

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى