لماذا يزعج فن الراب السلطة في المغرب

، بقلم فؤاد وجاني

منذ ظهوره في بداية السبعينات بأحياء برونكس الفقيرة بنيويورك أصبح الراب صوت الأغلبية التي تعيش خلف واجهات المحلات الراقية وناطحات السحاب. من رحم العفوية ومعاناة الشوارع والحياة الحارقة صنعه شباب يملكون الكثير من الخيال والقليل من المال، فجعلوا يمزجون ألحانا وإيقاعات من شرائط موجودة سابقا بشعر لاذع شديد اللهجة، يؤرخ لنمط العيش على أرصفة الأزقة في أحياء الغيتو المهمشة.

أولئك المراهقون من جنوب أحياء البرونكس والهارلم لم يملكوا ثمن تذكرة الولوج إلى الملاهي الليلية وسط نيويورك ، فأنشأوا حفلاتهم الخاصة.

انطلق الراب من دروب البرونكس إلى أنفاق المترو وقاعات الرقص والنوادي والمسارح والفنادق ثم هاجر إلى الساحل الغربي من الولايات المتحدة ليستقر بلوس أنجلس مكتسيا بها صبغة خاصة.

ومن خلال البرامج التلفزية وسلسلة من أفلام هيوليود اكتسب الراب الملايين من المحبين لينتشر في سائر الولايات المتحدة وأوروبا وأفريقيا وآسيا وأصبح من أنجح الأشكال الموسيقية.

إنه صوت كل جيل جديد يرفض ملهما بالعاطفة الجياشة لزوم الصمت إزاء الفقر الحضري، وله رواده الذين يقومون بصياغته وتطويره ليتخذ حللا متعددة.

ولفهم تاريخ الراب، نحتاج إلى معرفة أمرين، أولهما أن الراب حديث مقفى على إيقاع موسيقي. وثانيا، ينتمي الراب إلى ثقافة الهيب هوب، وهي أسلوب حياة للأشخاص الذين يعتزون ويهوون الراب ورقص البريك والديجي والكتابة على الجدران أو مايسمى بالجرافيتي.

انتقلت ثقافة الهيب هوب إلى المغرب في منتصف الثمانينات، حيث قام الشباب المغربي المهاجر في أوروبا بنقل النمط الموسيقي الجديد إلى المدن الكبرى .

فلماذا يخشى النظام المغربي من موسيقى الراب التي اتخذت منحى مغايرا لما تقرره السلطة القائمة ولما ترضى عن بثه في القنوات الرسمية:

أولا، لأنه يخاطب أقوى شريحة مجتمعية قادرة على إحداث التغيير وهي الشباب على اختلاف مشاربهم السياسية وطبقاتهم الاجتماعية ومستواهم المعرفي، فالراب قادر على استقطاب هذه الفئة العمرية الحية من المجتمع دون تمييز.
ثانيا، لأن الراب يتطرق إلى مشاكل الشعب ومعاناته اليومية بسبب سياسة التفقير التي تنتهجها الدولة كرفع اسعار المود الأساسية ، وإلى معضلات البطالة وضمور المستوى التعليمي وشبه غياب خدمات الصحة العمومية بسبب تبني الدولة للخصخصة لأجل حل أزمة الديون الخارجية إذعانا لوصايا المصارف الدولية القارضة.

ثالثا، حثه الشعب على عدم الصمت وعدم الرضوخ لإملاء سياسات المخزن التي أدت إلى شساعة البين بين طبقة البرجوازية والطبقات الشعبية ونتج عنها سحق الطبقة الوسطى.

رابعا، إنتقاده اللاذع لاحتكار السلطات والثروات من طرف القصر والمحيطين به، وفضحه للفساد المستشري في أجهزة المخزن والشرطة وتبعية القضاء، وفضحه للدور الشكلي لأعضاء مجلس النواب ولعدم جدوى العملية السياسية برمتها في ظل مناخ يسوده الاستبداد.

خامسا، دعوته إلى إعادة النظر في المقدس والثابت وتجريد الملك من الهالة التي يتدثر بها، ونبذه للطقوس المخزنية الجاهلية المكرِّسة للعبودية في حلة البيعة، وتفنيده للتاريخ الرسمي المبني على إخفاء الحقائق.

سادسا، دفاعه عن حقوق الإنسان وعلى رأسها حقه في العيش الكريم كلبنة أساسية لبلوغ الحرية، وتنديده بالتدخلات القمعية لأجهزة وزارة الداخلية واعتقالها التسعفي للمناضلين والمحتجين ، وفضحه لممارسات التعذيب على سجناء الرأي.
لقد ساهمت مواقع الشبكات الاجتماعية بالإضافة إلى الطبيعة العفوية لفن الراب وقلة تكلفة الإنتاج في انتشاره بين الشباب دون الحاجة إلى طرق أبواب القنوات المخزنية الرسمية، فاكتسب بذلك مصداقية كبيرة لعدم مداهنته السلطة ولقوة كلماته النابعة من صميم الواقع المعاش بعيدا عن فانتازيا وأدبيات الخطاب الرسمي المزيف .

ويعتبر الفنان الحاقد أحد أكبر رموز الراب الهادف اليوم بالمغرب ، وما اعتقال السلطة له لمرات متكررة تحت طائل حجج واهية إلا دليل شاف على أن هذا الفن أصبح يشكل تهديدا مرعبا لنظام قائم على ثوابت وطقوس نائية عن الشعب. كما أبان الفنان عثمان عتيق الملقب ب"مستر كريزي" رغم سنه الصغير وبذاءة لغته أحيانا عن وعي وتحد كبيرين في أغانيه مما أدى إلى سجنه أيضا.

لقد نجح الراب المغربي في نسج حلة خاصة به قد جعلت منه أداة واعية للتحريض والتنديد ضد الطغيان، فأضحى شكلا نضاليا حضاريا بينما انحرف نظيره الأمريكي عن مساره الجدي نحو سياقات اللهو والفرجة والعنف والمخدرات.