الأحد ١٦ نيسان (أبريل) ٢٠٠٦
بقلم رابح خدوســي

سباق الحيوانات

فِي إِحـدَى الغَابَـاتِ الكَثّيِفَةِ اجتَمَعتِ الحَيَـوَانَاتُ مَسَاءَ يَومٍ مِنَ الأَيَّامِ لِلاحْتِفَالِ بِعِيدِهَا السَّنَوِي مَعَ بِدَايَةِ فَصْلِ الرَّبِيعِ، حَيْثُ تَخْتَارُ زَعِيمَ الغَابَةِ الجَدِيدِ بِهذِهِ المُنَاسَبَـةِ.

كَانَتِ العَادَةُ أَنْ تَتَسَابَقَ الحَيَوَانَاتُ فِي خِتَامِ الحَفْلِ لِيَتَسَلَّمَ الفَائِزُ الأَولُ فِي السِّبَاقِ رَايَةَ الحُكْمِ.

وبَعْدَ أَن احْتَفَلَ الجَمِيعُ بِالعِيدِ السَّنَوِي لِلْحَيَوَانَاتِ، اخْتَارَتْ كُلُّ فَصِيلَةٍ مِنْهَا مُمَثِّلاً عَنْهَا فِي السِّبَـاقِ.

وَقَـفَ المُتَسَابِقُونَ صَفًّا وَاحِدًا، و بَقِيَّتِ الحَيَوانَاتُ الأُخْـرَى مِـنْ أَرَانِبَ وَذِئَابٍ وَغِزْلاَنٍ وَأُسُودٍ وَقَنَافِذٍ وَثَعَالِبٍ وَقُرُودٍ وغَيْرِهَا تُشَجِّـعُ مَنْ يُمَثِّلُهَا بِالأَهَازِيجِ الغِنَائِيةِ وَالتَصْفِيـقَاتِ الحَـارَّةِ… وَصَمَتَ الجَمِيعُ فَجْـأَةً..!

تَقَدَّمَ كَبِيرُ الذِّئَابِ، وَالْتَفَتَ نَحْوَ الجَمِيعِ ثُمَّ عَوَى بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ مُعْلِناً بِذلِكَ بِدَايَةَ السِّبَـاقِ.

انْطَلَقَ المُتَنَافِسُونَ فِي سِبَاقٍ عَجِيبٍ، وَحَمَاسٍ مُدْهِشٍ، كُلُّ وَاحِدٍ يَجْرِي نَحْوَ خَطِّ الوُصُولِ حَيْثُ كاَنَتْ لَجْنَةُ التَّحْكِيمِ فِي الانْتِظَـارِ قُرْبَ ضِفَّـةِ النَهْرِ الكَبِيرِ الَّذِي يَخْتَرِقُ النَّاحِيَةَ الشَّمَالِيةَ لِلْغَابَـةِ. فِي وَسَطِ الغَابَـةِ قَالَ الذِّئْبُ فِي نَفْسِهِ وهُوَّ يَجْرِي:

- سَأَفْتَـرِسُ الأَرْنَـبَ قَبْلَ الوُصُولِ، وقَالَ الثَّعْلَـبُ كَذَلِكَ.

وقَالَ الأَسَـدُ:

-  سَأَقْضِي عَلَى الجَمِيعِ لأَفُـوزَ بِالسِّبَـاقِ.

وَلَمْ يَقُلِ الأَرْنَبُ شَيْئاً.

اشْتَدَّ السِّبَـاقُ، وتَفَرَّقَ المُتَسَابِقُونَ وَهُمْ يَبْحَثُونَ عَنِ المَخَـارِجِ القَرِيبَـةِ مِنَ النَّهْـرِ فَاصْطَـدَمُوا بِالأَشْجَارِ، وَطَارَتِ العَصَافِـيرُ مِنْ أَعْشَاشِهَا حَائِـرَةً...!

هَا قَدْ وَصَلَ الأَرْنَبُ إِلَى خَطِّ الوُصُولِ يَلْهَثُ وَالعَرَقُ يتَقَاطَـرُ مِنْ أُذُنَيْهِ.

تَعَجَّبَـتْ لَجْنَةُ التَّحْكِيمِ المُتَكَوِنَةُ مِنَ الحَيَوَانَاتِ الأَلِيفَةِ:
القِّـطُ، الكَلْبُ، الخَرُوفُ، لَكِنَّهَا صَفّقَتْ لِلأَرْنَبِ عَلَى فَوْزِهِ ثُمَّ بَقِيَّتْ تَنْتَظِرُ قُدُومَ المُتَسَابِقِينَ الآخَرِيـنَ، بَيْنَمَا بَدَأَ الأَرْنَبُ فِي الاسْتِعْدَادِ لِلاسْتِحْمَامِ بِمَاءِ النَّهْـرِ.

بَعْدَ حِينٍ وَصَلَ الثَّعْلَبُ مُنْتَفِخَ البَطْنِ وَهُوَ يَقُـولُ:

-  لَقَدْ تَأَخَّـرْتُ لانْشِغَالِي بِمُطَارَدَةِ غُرَابٍ كَانَ يُرِيدُ الاعْتِـدَاءَ عَلَى بَيْضِ عصْفُورَةٍ صَغِيَرَةٍ، إِنِّي لاَ أُحِبُ الظُّلْـمَ.

قَالَتْ لَجْنَةُ التَحْكِيمِ:

-  لَكِنَّكَ أَكَلْتَ الغُرَابَ الأَسْودَ، والعُصْفُورَةَ الصَّغِيرَةَ مَعَ بَيْضِهَا، لَقَدْ أَخْبَرَنَا الذِّئْبُ بِذَلِكَ.

قَالَ الثَّعْلَبُ غَاضِباً:

-  وَأَيْنَ الذِّئْبُ المَاكِرُ الآنَ؟

لاَشَكَّ أنَّهُ انْسَحَبَ مِنَ السِّبَاقِ عِنْدَمَا رَأَى قَطِيعَ غَنَمٍ يَرْعَى قُرْبَ الغَابَةِ، سَأَذْهَبُ لأُخْبِرَ الرَاعِي بِمَا يَنْوِيهِ الذِّئْبُ.

بَعْدَ بُرْهَةٍ قَصِيرَةٍ وَصَـلَ الأَسَدُ بِخُطًى مُتَثَاقِلَةٍ لاَهِثاً مِنَ التَّعَـبِ وَالدَّمُ يُلَطِّخُ فَمَهُ الكَبِيرَ ورِجْلَيْهِ الأَمَامِيَتَينِ، انْدَهَشَتْ لَجْنَةُ التَّحْكِيمِ لَمَّا رَأَتْ حَالَ الأَسَدِ وَقَالَتْ:

-  مَا بِكَ أَيُّهَا الأَسَدُ؟ !

تَظَاهَرَ الأَسَدُ بِالأَسَى وَأَجَابَ:

-  لَقَدْ أَصَابَتْ رِجْلِي رَصَاصَةٌ عِنْدَمَا كُنْتُ أُحَاوِلُ الدِّفَاعَ عَن غَزَالَةٍ أَرَادَ صَيَّادٌ قَنْصَهَا بِبُنْدُقِيَّتِهِ.

تَفَطَّنَـتْ لَجْنَةُ التَّحْكِيـمِ لِكِذْبَتِـهِ وَ قَالَتْ:

-  نَحْنُ نَرَى الـدَّمَ فِي أَسْنَانِكَ، وَهُو دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى أَنَّكَ أَكَلْتَ الغَزَالَةَ الجَمِيلَةَ، كَمَا أَنَّنَا لَمْ نَسْمَعْ صَوْتَ البَارُودِ الَّذِي تَحَدَّثْـتَ عَنْـهُ …!

تَرَدَّدَ الأَسَدُ قَلِيلاً ثم تَكَلَّمَ آسِفاً:

-  نَعَمْ لَقَدْ أَكَلْتُ الغَزَالَةَ بَعْـدَمَا رَأَيْتُ جَمِيعَ حَيَوَانَاتِ الغَابَةِ يَأْكُلُ بَعْضُهَا البَعْضَ الآخَرَ.

التَفَتَتْ لَجْنَةُ التَّحْكِيِمِ نَحْوَ الأَرْنَبِ سَائِلَةً إِيَّاهُ:

-  كَيْفَ وَصَلْتَ أَيُّهَا الأَرْنَبُ سَالِماً وَأَحْرَزْتَ عَلَى المَرْتَبَةِ الأُولَى؟

أَجَابَ الأَرْنَبُ:

- لأَنَّنِي لَمْ أَطْمَعْ فِي أَكْلِ أَحَدٍ، بَلْ كَانَ وُصُولِي قَبْلَهُمْ لأَنَّنِي كُنْتُ هَارِباً خَوْفاً مِن أَنْ تَفْتَرِسَنِي الحَيَوَانَاتُ المُتَسَابِقَةُ.

تَحَاوَرَتْ لَجْنَـةُ التَّحْكِيمِ فِيمَا بَيْنَهَا ثُمَّ قَالَتْ:

- هَنِيئاً لَكَ أَيُّهَا الأَرْنَـبُ لقَدْ أَصْبَحْتَ الآنَ زَعِيـماً عَلَى الغَابَـةِ وَمَا فِيهَا.
لَمْ يَرْقُـصِ الأَرْنَبُ طَرَباً لِهَـذَا الخَبَرِ، بَلْ قَالَ لأَعْضَاءِ لَجْنَـةِ التَّحْكِيمِ:

- شُكْراً لَكُمْ، لَكِنِّي لاَ أُرِيدُ كُرْسِيَّ الحُكْمِ بَلْ أُفَضِّلُ العَيْـشَ مَعَكُمْ فِي القَرْيَـةِ مَعَ الحَيَوَانَاتِ الأَلِيفَـةِ بَعِيداً عَنِ الغَابَـةِ… بَعِيـداً عَنِ الحَيَوانَـاتِ المُفْتَرِسَـةِ.

تَشَاوَرَتْ لَجْنَةُ التَّحْكِيمِ، ثُمَّ أَعْلَنَتْ مُوَافَقَتَهَا عَلَى طَلَبِ الأَرنَبِ.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى