الخميس ١٩ آذار (مارس) ٢٠١٥
بقلم وديع العبيدي

صلاح نيازي.. «صورة في الثمانين»

فقولي لسكّانك العاطفيين: لا تهرموا في غيابي،

وقولي لولْدِكِ: لا تولعوا بالسيوفِ كما في العشائر.

- (صلاح نيازي/ الهجرة إلى الداخل)

في رأيه حول الترجمة، يقول الدكتور نيازي أنه لا يقوم بترجمة النص، وانما يترجم ثقافته في النص. والعملية النقدية هنا مثل الترجمة، تجربة ملاقحة ومحاكاة ثقافية للقارئ أمام النص، قبل أي شيء آخر. والخطورة هنا تتمثل، بتحول الكتابة النقدية إلى صورة انطباعية، تحتكم إلى اللحظة أكثر من احتكامها للقيم الفكرية والنقدية. وهو ما لا أعتقده سهلاً أو ممكناً هنا، لسبب بسيط، هو صعوبة نصوص صلاح نيازي، ووعورة الأرض التي ينثر فيها بذاره. ناهيك عن ما تتميز به شخصيته الأدبية والفكرية من ثبات ومسؤولية، في حياته الأدبية أو الاجتماعية عامة.

أما الأمر الآخر، فهو أن هذه القراءة لا تتجه نحو جانب محدد في النشاط الابداعي لنيازي، المتعدد الجوانب والانشغالات، والمتنوع المعارف والأصول التي يمتح منها ملامح رؤيته للكلمة والنص والعالم. وهذا ما يسم نصوصه بسمات تتجاوز النوع الأدبي إلى ما عداه، وتخرج عن النص إلى الواقع والمادة الحياتية. أمران يدخلان تحت جنحي هذه العبارة..
ان كلّ كتابات صلاح نيازي المعروف شاعرا وناقدا وباحثا في مجالات متعددة، ليست غير أقنعة متعددة للتعبير عن شخصيته وسيرته والتخفي فيها في نفس الوقت.

ان كتابات صلاح نيازي هي وليدة تجربته اللقاحية المميزة في التربة الانجليزية عبر أبرز مؤسسيها وروادها وليم شيكسبير وجيمس جويس. ناهيك عن تجاوزه العقلية التقليدية والذائقة المتعارفة إلى شخصية حضارية تتجاوز حدود الثقافة البلدانية إلى عولمة المثقف الحضاري في رؤيته للزمن والانسان.

ان قصائد صلاح نيازي تتجاوز مفهوم القصيدة الحسية إلى خطاب العقل الواعي وأسئلة الفكر المنغلقة على الوجود. قصيدته تتضمن من الأسئلة أكثر مما يتوقعه القارئ من لحظات نشوة واسترخاء. ألغاز مبطنة ورسائل مشفرة مكتوبة بحنكة وحذر. لكن نصوصه الشعرية والنقدية لا تخلو من محطات سيرية وإشارات تظهر وتختفي بين السطور مثل قوس قزح بعيد.. صلاح نيازي شاعر في نقده، وناقد في شعره، مفكر في سيرته، وسيروي في فكره، مسؤول في ثقافته، ومثقف في مسؤوليته.

شغله سؤال الانسانية، واستغرقته نزعات البشر، وحاصرته القضية الوطنية، فوجد نفسه في عزلة عن المجتمع، يعيش في العالم وهو خارج عنه، خارج عن وطنه وهو مهاجر فيه. عرف صلاح نيازي الشعر منذ نعومة أظفاره، ربما كان اول من أدخل الشعر إلى المسجد، وجعل من القصيدة برنامجا يعقب خطبة الجمعة. كان خجولاً انطوائيا، فجعل من الشعر نافذته على المجتمع، ومن القصيدة جواز سفر يدخل به في ضمير المجتمع. لكن القارئ الذي يلتقي به في أول اصداراته (1962)، بالكاد يقع على تجاربه المبكرة قبلئذ.

صلاح نيازي شاعر الضرورة، مشدود بلحظة التوتر لا الاسترخاء.. المرأة غائبة عن شعره، غيابها عن مشهد القبيلة، رغم علاقته الخاصة مع الأم. وصورتها الواردة دالة اجتماعية تحمل غبن الواقع ولا تتصل بتجربة حسية أو عاطفية، فنية أو جمالية. قصيدته الأولى اقترنت بالموت، موت حافل بالتعقيد والتشابك في مستويات واتجاهات عدة.. وهجرته الأولى –عقب ذاك- ارتبطت بالموت، دون أن يخلو من التعقيد والتشابك، الشخصي والوطني، الاجتماعي والسياسي.

وفي أبحاثه ونقداته وتساؤلاته، يبقى الموت سؤاله الدائم ولغزه المحيّر، بل قلقه الجميل الذي ما يفتا يتنقل به في سوح الابداع، دافعاً به من أرض الواقع، إلى حافة الوجود، ليكون في مثابة الحقيقة المطلقة، التي تتحول الحياة إزاءها إلى "وهم". هذا اليوم كان يتحدث عن مشروع أشهر المراثي، فذكرت له قصيدة لأحد الشعراء الشباب، فقال بهدوئه المعهود..
أتعرف يا عزيزي ما أبحث عنه في القصيدة.. لقد ناح جلجامش على انكيدو ثلاثة أيام.. وكان ينتظر منه أن يقوم من الموت.. ان الموت هنا لا يشكل نهاية ولا يقتل الأمل..!

وفي قراءته المدهشة لعينية مويلك ابن مزموم -في رثاء زوجته- ترد هذه الانتباهة: " على الرغم من أنّ : (أمّ العلاء) مجرد أسم أو كنية، إلاّ أنها هنا عنصرُ تباينٍ: بين حفرة أرضية موصودةٍ، وبين –العلاء- الشاهق المفتوح. راوية القصيدة ينظر إلى السماء وكأن روح زوجته تصعد عالياً. أو أنّه ترك أمره إلى السماء. لذا يكون فعل الأمر : فحيّها، منسجماً، لأنها لا تزال حيّة ولو إلى حين."!.

وكثيرا ما كان يقول، بعد (صفنة) ملحوظة..

عندي طلب واحد عند الربّ، أن يبقيني في الحياة حتى أنتهي من ترجمة يوليسيس. يوليسيس هي مشروع كلّ حياتي. شيء ستذكره الأجيال.

يقولها وابتسامة تتألق في عينيه. يتحدث بانتشاء عن عمله المضني والطويل ذلك، وما يزال بعد أربعة عقود من حياته اللندنية يعمل في ترجمة (يوليسيس) رائعة جيمس جويس التي تصدرها دار المدى في أجزاء. أحمل كلماته معي، أهصرها بين مشاعري، أتصالب وأبتسم وننتقل إلى موضوع آخر، أو أفاجئه بسؤال بعيد.. يزيح عنا بعض الظلال..

خطر لي مشروع هذه القراءة في سنوات التسعينيات، -وكنت يومها أقيم في النمسا-، استغرقتني مجموعته (وهم الأسماء) بشكل غير عادي. عشت مع بعض قصائده، ولمست بعض اجتراحاته.. الكتابة نزيف.. الكتابة عملية تعري على الورقة كما تقول أحلام مستغانمي. حين تبالغ اللحظة الشعرية في صدقها، تتحول القصيدة إلى ألم جارف، نزيف حارق.. ورغم ان (الآخر) هو موضوع قصيدة صلاح نيازي، فأن هذا الآخر، يتحول في درجة من درجات اللا وعي، إلى (أنا) الشاعر - بالاستعارة-، ويتماهى الشاعر والموضوع، الراوي والرواية، ولكنا، رغم رؤيتنا الشاعر في مناطق الظل تلك، يبقى هو في منجى تام، باعتبار أن الذي في المشهد شخص آخر.

هذا الاسلوب في الكتابة، يكشف هيمنة السرد على لغة الشعر في القصيدة. والقصيدة السردية حالة من نمو مشتعل ومتعدد، يقتضي وجود شخصية مركزية أو محور دائم الدوران، يحمل لحمة النص ويتجه به إلى مغزاه الفكري. في كتابه النقدي، الصادر تحت عنوان (البطل والصراع القومي)، ما ينأى به إلى صميم السياسة، لكنه يتناول تجارب شعرية عديدة، من منظور عقدة البطولة القومية ومفهومها عند العرب. فلا غرو.. أن تحمل قصائد نيازي مسميات (شخصية)،.. منها: محمد، مريم، حميد، أم حكيم، هاشم وحصان أبيه، حديث أم صابر، فراق السهروردي، في رثاء البريكان، محنة شفيق الكمالي، ابن زريق البغدادي*، مينوس، بيكت. جاعلاً من الشخص هو الموضوع. وهو يختلف بذلك عن مادة النسيج الشعري المتعارف، المرتبط بظروف أو أجواء معينة، نادرا ما يظهر شخص في هامشها. وهذا يقتضي، أو يبرّر، ميل كثير من قصائده للطول. وكنت أتساءل أحيانا، لماذا لم يلجأ نيازي للرواية، الأكثر انسجاما مع روح السّرد، وديناميكية النمو والعقدة والجدل الفكري. ولكن.. ماذا كان سيضيف ذلك!. ان صلاح نيازي، الذي بدأ من القريض والتفعيلة، ما زال مواظباً على الشعر، منتقلاً به انتقالات، اختزلت نصف قرن من دوامة الشعر. تحدّث ذات مرّة عن كلمة سجّلها معروف الرصافي إعجاباً بنص نثري لأحد الشباب في عشرينيات القرن العشرين، معقباً،..

ليت الرصافي مارس بنفسه كتابة تلك النصوص المركزة.. لكان انتقل بالشعر نقله كبيرة للأمام، واختصر نصف قرن من التردد. لقد مضت عقود كثيرة حتى ظهور السيّاب وبدء حركة شعر التفعيلة، ولم يظهر النثر المركز أو ما يسمى قصيدة النثر إلا في وقت متأخر.

يستدلّ من هذا، إلى أي حدّ، من الوعي والمسؤولية يتعامل نيازي مع قراءة النص. القصيدة باعتبارها منجزا حضاريا، يشكل لبنة متقدمة، تنقل بناء الشعرية العراقية مسافات متقدمة. لو...... لكنا... . كم من الشعراء والكتاب، ما زالوا يجترّون نصوصهم سنوات وعقود، دون أن يغادروا مواضع أقدامهم. لقد تعورف الشعر في ثقافتنا كونه وليد انفعال لحظوي، أو حماس قبلي. لكنه لم يتحول إلى مشروع حضاري تنتقل به العقلية المحلية من حال إلى حال. كان للشعر الاغريقي دور فاعل في مزج الموسيقى بروح الملحمة ورفع الواقع إلى مستوى الدراما. وكان للشعر الانجليزي دور مؤثر في منح جملة النثر سماتها المميزة. فنيازي ينظر إلى القصيدة العربية من منظور تاريخي شامل، لكنه ينظر إلى التاريخ نفسه بمنظور حضاري عصري، فيكشف عيوب القصيدة العربية مؤشرة في تشوهات العقلية وأنماط التفكير، ويتناول عيوب التاريخ في عيون الحاضر وتردي الراهن. ماذا لو كان الشعر في قصيدة الجواهري تجاوز إلى مجال الفكر، والفكر المباشر في قصيدة السيّاب تجاوز إلى مجال الفلسفة. ان غياب الفكر والفلسفة من ميدان الحيوة/ الأدب، هو آفة تكرار المأساة، والتراجع المستمر. لكن منظار نيازي الشعري بالمقابل، ليس سلبياً، وهو إذ يؤشر عيوب القصيدة، لا يتوقف، وانما يمضي لتقديم نص جديد. ويمكن استشفاف هذا من جانبين..

يقول نيازي أنه في غير مناسبة ودعوة شعرية، كان يقترح على جهة الدعوة ، الاستعاضة عن تقديم الشعر بتقديم محاضرة تتناول ظاهرة اجتماعية أو ثقافية.

في مقابلة أجريت معه في بروكسل*، سئل عن نصيحة يقدّمها للشعراء الشباب.. فقال أن لديه نصيحة للشعراء الأكبر سنا تدعوهم لقراءة أدب الشباب. فالتلاقح الجيلي هنا، يحرّر نصوص الأجيال السابقة من كهوفها الحجرية وينفخ فيها من روح الحداثة.

كتابه السّيري (غصن مطعم في شجرة غريبة) محمّل بإرهاصات قصصية، لكنها تجتزئ نفسها في باب النثر، أكثر من مجازفة فن القص الذي لا يفصله عنها غير شعرة.

مارس صلاح نيازي مختلف الفنون القولية وأبدع فيها فكرا وفنا، من شعر ونقد ومسرح ومذكرات وترجمات روائية وأدبية. ولكن القصة والرواية بقيت خارج عالمه.
يجيب صلاح نيازي، ببساطته المعهودة وعفويته، أنا لست روائيا ولا قاصا. أنا شاعر. ومسؤوليتي كشاعر تلزمني أن ألزم حدودي!..

ولكنك مارست النقد والترجمة وكتبت مذكرات؟..

كلّ ما فعلته لا يخرج عن مجال علاقتي بالشعر. وكتاباتي النقدية هي دراسات أدبية لعدد من الشعراء، وهي جانب من محاضرات ألقيتها في الجامعة، وكتاب (فن الشعر في ملحمة جلجامش) هو جزء من حبي الشخصي لهذه الملحمة التي تؤرخ لأول نص شعري معروف حتى الآن، يرتبط بالأرض والبلدة التي ولدت فيها [أور- الناصرية]، وسدّ لفراغ ثقافي في المكتبة العربية. ولدت فكرته، إذ فوجئت بالكم الهائل من الدراسات والترجمات الغربية والعالمية لهذه الملحمة، وليس بينها مؤلف عربي واحد، فأخذتني الغيرة لتقديم هذه الدراسة.
بنفس الإطار، اهتماماتي المسرحية انصبّت على شيكسبير الذي هو شاعر أصلا، ولا تخرج مسرحياته عن هذا الجانب. أما المذكرات، فقد كانت استجابة لطلب صديق صحفي، وتحولت إلى كتاب أدبي، لم تكن الغاية منه كتابة قصة ذاتية، أو الإشادة بنفسي!.

و(يوليسيس)؟..

أعرف أنك ستقول ذلك.. يوليسيس رواية ممتعة وعميقة، ولكنها لم تحظَ بترجمة لائقة بها.. وأنا معجب جدا بلغتها، وهي لغة شعرية مذهلة. وقد جازفت بنقل تلك اللغة الشعرية العالية إلى اللغة العربية رغم ما في ذلك من جهد وعنت، أتحداه بعناد وجلد.

تعود علاقة صلاح نيازي بالشعر إلى عهد يفاعته، مقترنة بالمناسبات الدينية والمواعظ والقراءات الحسينية في عاشوراء [العاشر من شهر محرم، يوم مقتل الامام الحسين بن علي عام 61هـ الذي يحتفل به المجتمع الشيعي سنويا.] ولكن الشاعر لم ينشر من ذلك شيئا قبل (كوابيس في فضة الشمس) عام 1962 وهي القصيدة الطويلة التي تؤرخ لمرحلة الصراع السياسي الدموي [قومي- شيوعي] عقب الجمهورية في العراق، والتي كان من ضحاياها شقيق الشاعر.
فالاصدار الأول للشاعر ارتبط بحدث، وهو حدث درامي مفجع كأفضل ما تكون عليه الدراما. لكن صلاح نيازي، لم يكتب قصة أو رواية أو حتى مسرحية، على نمط مسرحيات شيكسبير، بل كتب قصائد ملحمية، تقطر بالألم والفجيعة..
ولكن لماذا الشعر؟.. وماذا عن القصة؟؟..

لنعترف مبدئيا، أن الهواجس الأولى لصلاح نيازي نابعة من أحداث صميمة في طين الواقع النازف حدّ الموت، الموت في الشارع. ولكن تعبيرات الشاعر وترجماته انحصرت بالشعر ولم تخرج عنه ابدا.
لكلّ قصيدة أو مقطع شعري تاريخ سري من الألم، وشفرة دامية من الفجيعة. هل تكفي هذه الفجائعية العميقة في حياة الشاعر وذاكرته، أن تكون مبررا لعلاقته شبه أموية بمسرح شيكسبير، أم أن حيرته أمام سؤال الحياة ولعبة الموت، مبرر كافٍ لعلاقة غير منفصمة مع الجدّ الطوطم للعبث الوجودي؟..

قراءة صلاح نيازي ليست سهلة.. وسرّ عدم سهولتها، أنها مشاركة مع الشاعر في تحمّل مسؤولية النص. وكلمة "المسؤولية" ما وردت هنا عفواً.. وانما هي تجسّد صميم علاقة الشاعر بالكلمة، أي الشعر. فالكتابة لدى صلاح نيازي "نير"، وقراءته، هي عهد (مشاركة) في حمل نير الكلمة، التي هي الحيوة. وسوف نكتشف بعد الدخول تحت هذا النير، أن ما كتبه الشاعر ليس حياته فحسب، وانما هي حياتنا نحن أيضا، التي لم نكتشف من قبل مبلغ صعوبة الدخول في دهاليزها.
ومن حق القارئ أن يتساءل، عن معنى هذه الصعوبة.. ولم لا يختار الشاعر كتابة سهلة، يتيسّر للقارئ المرور خلالها، وهو يحتسي قهوته على قارعة الطريق، دون أن تعلق بذهنه تلك الأسئلة، التي تجتهد وسائل التكنولوجيا والاختراعات التي تملأ أسواق اليوم على تسهيل هروب الانسان منها؟.. فلا أحد يفكر اليوم في (سرن كيركجورد) الذي تساءل ذات يوم، وهو جالس في مقهى "كوبنهاجن" عن وظيفة الفيلسوف، فجاوبته نفسه، أنها تبسيط صورة الكون أمام الناس، فدقّ على الطاولة وقال: وظيفتي أنا هي تعقيد صورة الكون أمام الانسان!. ليس كلّ أحد، مثل سرن كيركجورد، يعرف مبلغ الضرر التي تلحقه السهولة بالمعنى، ومقدار التشوّه التي يترتب على عمليات "الفهم" جرّاءها.

صلاح نيازي ليس ابن قرية مثل "السيّاب"*.. لذلك اختلفت أدواته ووسائله الأدبية والفكرية عنه. فالطبيعة الزراعية ليست واضحة عند نيازي كما هي لدى السيّاب. وتقنية الصورة الشعرية مختلفة كثيرا بينهما. وما يظهر لدى الأخير من "بساطة" تعبيرية، يقابلها ما يتكشف من " تعقيد" لدى نيازي. ورغم اتفاق الأثنين في مفردات: اليتم والأرملة وشظف العيش والتشرّد، وصولا إلى التشبث بالوظيفة المبكرة ثم الدراسة الجامعية في بغداد، والبروز في العمل الاعلامي والحياة الاجتماعية في العاصمة؛ إلا أن التركيب الكيمياوي لمعادلات الحياة والكتابة، لدى كلّ منهما، تبقى مختلفة تماما.

خروج السيّاب من البصرة، كان هربا من الجوع وسعيا إلى الحريّة، التي استنزفت جسده، لأنها تجاوزت بنيته البدنية الضعيفة. فقد كان في سباق مع الزمن، ولم يعرف أن طائل هذا السباق واللهاث سيكون على حسابه. فأحلام السياب وطموحاته بقيت أحلام وطموحات فتى قروي، لم تتجاوز جسده. وهو ما يتضح في رموزه الشعرية كالمسيح عند الصلب وآلام أيوب. فجاءت شاعريته ولغته سلسة ومباشرة وبريئة إلى حدّ ما –إذا كان كلمة البراءة (مناسبة) هنا تماما -. وتعريف البساطة هنا، هو أن تعامله مع المفردة والصورة والرمز كان الغرض منه، لا يتعدى المفردة والصورة والرمز في ذاته!.
يختلف الأمر لدى صلاح نيازي، الشخصية المركّبة، عندما يتعامل مع المفردة والصورة والرمز و(المثل) الشعبي، ليس مجرد وسيلة للتعبير عن/ أو الوصول إلى المعنى وراءها. فصلاح نيازي شاعر صوري كبير، ولكن ليس بالمعنى الدارج للصورية – بقدر ما هو الانتقال بالشعر إلى الملحمة. وشعره [قصيدة- المفكر- مثلا] حافل بالصور المتراكمة والمتداخلة، التي تعطي للقصيدة عنده بناء - تموّجيا- متسلسلا، في انقباض وانبساط، بينما تتناثر معاني ودلالات الصور باتجاهات، تقتضي من القارئ تركيزا عاليا لملاحقتها أو الامساك بطرف منها. وكان لهذا التعقيد في بنائه الشعري أثر في قلة المتوقفين عند تجربته، التي تتجاوز الأفق الاستهلاكي للاعلام، إلى التأملات الفكرية، والنبش تحت تربة الواقع الرثّ والوجود الملغز.

فَلِمَ كُتِبَ الموتُ
فوقَ الجَناحِ الذي لم يطِرْ بَعْدُ، فوقَ المناقيرِ
لم تلتقِطْ غيرَ مضْغِ المحبّةِ ثغراً لثغرِ
ربِّ عفوكَ أنّي ضللْتُ صوابي فَقُدْني
إلى حيثُ لا يدخلُ الشكُّ رأسي، ولا

يُسْتباحُ اليقينُ. مج/ الهجرة إلى الداخل- ص95

ففي هذا المقطع -الذي يستعيد ارهاصات وليم بليك-، المزدحم بصور (فراخ) الطيور في أعشاشها وهي تواجه ريح الوجود واحتمالات الابتلاع، تتداخل (لِمَ) التي هي اختزال أداة السؤال (لماذا)، مع تكرار أدوات النفي [لم، لا]، وهو يرفعها مباشرة على طاولة السيد الأعلى، في نشدان اليقين.

فالربط بين معاناة الواقع وإرهاصات أسئلة الوجود، ليس تجربة كيمياوية أو معادلة رياضية من النوع البسيط، وانما هي تجربة نفسية/ فكرية معقدة ومن النوع المركبّ. ويعود تكنيك التركيب إلى معامل نفسي، فنيازي لا يكتب عن اللحظة في راهنها، وانما يعتصرها في ذهنه، ثم يعود لاستحضارها من الذاكراتية. فالمركب الفني في قصيدة نيازي يستند إلى مركب نفسي، تدخلت فيه عوامل مساعدة كثيرة وتأكسج عبر (ذاكرة تواصلية حضارية) حسب تعبير الشاعر حسن النصار. وباستنثناء ان الصورة غير مقصودة بذاتها، فان تراكب الصور مع بعضها، أي تركيب أكثر من صورة في مشهد واحد، يحتاج وقفة وتأملا.

مع ذلك يبقى صلاح نيازي شاعرا مقلّا. عدد اصدارته الشعرية، لا يتناسب مع رحلة حياته وتشعباتها ومع عمق ارهاصات تجربته الفكرية بين الشرق والغرب. وكان هذا أحد الأسئلة التي راودتني منذ أول تعارفي به، في السبعينيات. (مقلّ) تعبير أدبي شائع في التراث النقدي العربي، قد يقصد منه الملاحظة (الكمّية) في سياق الانتاج؛ ولكن مغزاه -هنا- الاقتصاد في اللفظ والتكثيف في التعبير الذي منه الابتسار في المعاني.

ليس كثير من الشعراء، يحتملون إعادة قراءة ما كتبوه سابقا، قبل أن يتوقفوا عن الكتابة. وبين هذا القليل، من يفضل -شطب- كثير من سابق شعره وكتاباته لدى المراجعة، بعد مرور عقد أو مراحل من الزمن والتجربة عليها. فالشعر العربي –تحديدا/ محكوم بالتكرار ، ومتهم بالعفوية والتلقائية. وهما من الأحكام الانطباعية القاتلة في النقد الأدبي. فبقدر ما تعني العفوية والتلقائية امتلاك ناصية القول والعبارة، فهي تتضمن الانفعال والسطحية بين السطور. ولم تتورع المستشرقة الفرنسية – أوديت بتي- أن تردف احد التعبيرين بالريفية. فالمعروف ان الثقافة الأوربية هي خلاصة حضارة –مدينية- متكاملة، متمثلة في لغة التعبير والتواصل. ومنها اللغة الأدبية أو لغة النقد الأدبي التي ليست مجرد أداة نقد أدبي فحسب، وانما هي تتضمن التاريخ والاقتصاد والفلسفة والسياسة، والدين والحرب والجنس والفن وكل ما يدخل في باب الفكر ومنتجات العقل البشري المتراكم. فهي في ذلك تختلف عن الحالة العربية، التي تفتقد خاصة التكامل القطاعي والانسجام الحضاري. ولا تتجاوز كونها تجارب فردية وجزر مرجانية منفردة بذاتها، تحكمها القطيعة والانعزال، وعدم الاتساق والانسجام مع الهيكل العام، أو المنظور الاجتماعي العام للحضارة.

فضعف المضمون الاجتماعي لمدلول استخدام كلمة "حضارة" في المثال العربي، يعود لاانعدام الأطر الهيكلية المتكاملة والمتداخلة بانسجام لتحقيق بناء متكامل شامل يجمع القاعدة مع القمة، والأطراف مع المراكز، والمراكز مع الهوية، والرافد مع المنبع الأصيل. اللغة العربية المتقدمة نسبيا لا تنسجم مع القاعدة الاجتماعية التي ما زالت بعد عشرات القرون تفتقد القدرة على مضاهاة تطور اللغة أو الارتقاء للوعي المطلوب لتداولها. لذلك تراجع المجتمع وتراجع استخدام اللغة إلى تبني لهجات ولغات أكثر استسهالا وتداولا على صعيد اليومي والتفكير المباشر والرائج.

إنّ سرَّ الخلودِ وراء آياتِ بابلَ،
لا فارقتْك السلامةُ يا أرضَ بابلَ، لكْ وداعاً،
وهل "حيلةُ المضطرّ" إلاّ السِفار،
فقولي لسكّانك العاطفيين: لا تهرموا في غيابي،
وقولي لولْدِكِ: لا تولعوا بالسيوفِ كما في العشائر،
إني سأقطعُ كلَّ الشدائدِ من أجل أن تسعدي
حلمي أن أرى وجهكِ الحلوَ يبسمُ، قد جفَّ مثل الذي
يأرق الليلَ خوفاً، وعند الصباح ينامُ، وهل
تشبعُ العينُ، إمّا تقطَّع فيها الرقادُ.

/ مج الهجرة إلى الداخل- ص15

فقراءة صلاح نيازي، الانسان والتجربة، قراءة ثقافية وجدل حضاري فكري تتعدد مستوياته وتقود في متاهات المجتمع والسياسة والتاريخ، ولكنه لا يخرج عن أزمة الانسان، وأسئلة الوجود المستمرة، جدل الحقيقة والوهم.

صلاح نيازي (الناصرية/ العراق- 1935م)، له في الشعر: كابوس في فضة الشمس/ 1962؛ المفكر/ 1973؛ الهجرة إلى الداخل/ 1977؛ نحن/ 1979؛ الصهيل المعلب/ 1988؛ وهم الأسماء/ 1996؛ أربع قصائد/ 2003؛ ابن زريق وما شابه/2004.

يوم الثلاثاء المصادف السابع عشر من ديسمبر 2008 في كافيه ومطعم آرتسناك في لندن- بادنغتون.
صلاح نيازي- البطل والصراع القومي- منشورات دار الانتشار العربي-

عناوين قصائد مستقاة من مجموعات شعرية عدة للشاعر، الهجرة إلى الداخل، نحن، أربع قصائد، ابن زريق وما شابه، المفكر.

خلال مشاركة الدكتور صلاح نيازي في مهرجان بروكسل (2008) .
وكانت المقابلة مع جماعة بيت الشعر الفلسطيني في رام الله، الراديو العربي.


مشاركة منتدى

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى