الجمعة ١ آب (أغسطس) ٢٠٠٣
بقلم عايدة نصرالله

من مذكـرات سجـين

في داخل زنزانة صغيرة، مد رجليه "ليتجبد "، لم تتسع المساحة، رفع يديه إلى أعلى ثم أنزلها على شكل تمرين رياضي عل ذلك يساعده في الاسترخاء بعد أن تعبت يداه من كتابه مذكراته خلال أسبوع من الكد والعمل. خلال أسبوع كانت حياته بسنينها، أيامها، دقائقها سطورا في كتاب.

نظر إلى الكتاب، لم يصدق أنه أنجز كل ذلك. وفكر "كل هذا خلال أسبوع، ماذا افعل الآن ؟ آه.. سأسجل من الآن فصاعدا مذكرات كل يوم بيومه، بل وسأكتب أكثر تفصيلا من ساعة نهوضي من نومي وابتدائي بالتمارين الرياضية، حتى سأسجل عددها وطرقها الجديدة، وأصف شكل التمارين التي غالبا ما تكون وقوفا أو قرفصة، فقد ابتكرت تمارين تتماشى ومساحة الزنزانة، أصبحت مكتشفا أيضا، وسأسجل نوع فطوري، وإذا كان شاي مع شاي أو دون شاي، مع سكر أو دون سكر، وكم حبة زيتون، لونها وشكلها، وكم نقرة معفنة في كل حبة، كما سأصف شكل وجبة الغداء، وأصف الشوربة ؟ كم سيكون ذلك لذيذا؟

لكن لا، هذا لن يأخذ وقتا طويلا لأنني سأفرغ من عدها بسرعة. لا يهم سأسجل كل شيء، كم ملعقة سأشرب من الشوربة، وهل هي باردة أم ساخنة، حتى إذا وجدت ذبابة أو صرصور سأصفه بالتفصيل، وآه كم سيكون ممتعا الكتابة عن ذلك، لكن كل ذلك لا يمكن أن يملأ الفراغ بقدر ما يملأه قتل البراغيث، سأسجل كم برغوثة لسعتني وكم بقة اغتلت، فأنا هنا بطل. سأذكر كل شيء بالتفصيل. تبا لي، لو أنني كنت أفعل ذلك من قبل، لماذا أسرعت بكتابة المذكرات؟ كان من الممكن أن أكتبها خلال سنة، تبا للسرعة"
نفخ، زفر، تمتم ببعض المسبات. فتح الكتاب ليرى نتاجه، في رأس الصفحة الأولى كتب "التاريخ - يوم أن اعتقلت، لا أذكر بالضبط في أي يوم ، ولا في أي سنة ". واكمل القراءة حيث وقع نظره عفويا في وسط الصفحة وقرأ:

"كل ما أذكره أن سيارة شرطة وقفت أمام بيتنا، طوق رجالها البيت، أرهبوا، زعقوا، وخرج كل من في البيت "فارع دارع"، وأما أنا فكنت في الحمام ولا أعرف كيف سكبت على رأسي دلو الماء ولبست ملابسي دون وعي وخرجت فقال السمين فيهم:

- أنت، تعال معنا.

- أنا، ما الأمر؟

- إخرس.

خرست. جروني إلى السيارة، رفشوا في بطني فكدت أتقيأ ولطمني أحدهم على وجهي، فخجلت من اللطمة أكثر مما خجلت من "الرفشة" وأنا مذهول إلى درجة الجنون، ولا أكاد أفقه من الأمر شيئا، فأنا إنسان في حالي، لا أوذي أحدا، كل ما أعرفه البيت والعمل، أخرج من الصباح وأبدأ عملي بالبناء حتى ينهد حيلي وأرجع البيت في المساء، وبالكثير الكثير أسمع "مواويل وعتابا وميجانا" وأعشق أغنية "بين الدوالي" أما السينما والمقاهي فلا أعرفها. وما إن أضع رأسي على الوسادة حتى أروح في شخير، حتى الأحلام الليلية لا أتقنها. وحين يصحو إخوتي من نومهم ويبدؤون الحديث عن أحلامهم أكاد أحسدهم لأني لا أحلم بشيء.

كدت أسألهم لماذا يعتقلونني، إلا أنني آثرت السكوت لئلا تلحقني كلمة أخرى فإنني شاب لم أعتد الضرب من أحد لأني لا أوذي أحدا، وأنا حبيب أمي ولا أسمع منها إلا الرضا لأني العاقل الوحيد في العائلة كما تقول. مسكينة يا أمي ماذا ستفعلين؟

أحسست بأن السيارة تقف وأوقفت بدورها أفكاري، وصرخ أحدهم في وجهي :

- انهض يا جبان.

نهضت، وبدأت رجلاي تسيران رغما عنهما، فقد ساعدني شرطيان بالسير دفعا بعصيهم حتى وصلت وأنا أكاد أرتمي أرضا .."

"آخ " لسعته برغوثة، داسها بقدمه.

زفر، نفخ وتمتم ببعض المسبات . قلب صفحات الكتاب وتوقف عند بعض الكلمات حيث يقول:
"في ذلك اليوم كانت المحاكمة، أما أنا فوقفت كالأبله، لا أعرف ما هي تهمتي. فجأة صرخ في وجهي أحدهم وقال:"لماذا سرقت الأرض؟"

- أرض؟ أية أرض؟ فأنا منذ خلقت لا أعرف ملكا إلا البيت الذي أعيش فيه "وحاكورة " البيت
الصغيرة، زرعنا بها شجرة عنب"دوالي" وحوض نعنع وشجرة ليمون وهذا البيت مع الحاكورة ملكنا، وعلى حد علمي، والله شاهد على ما أقول أن جدي رحمه الله ورثه عن أبيه.

- أيها المغفل عن أية حاكورة تتكلم؟ لقد سرقت أرض الحكومة.

- أرض الحكومة؟ وأين أضعها، كل ما أملكه حدثتكم عنه.

- أيها المغفل إذا كنت تفكر نفسك بطلا، فنحن أدرى بك، أنت سرقتها وخبأتها.

- أين يمكن أن أخبئها؟ لقد فتشتموني جيدا حتى ملابسي خلعتموها عني بحثا عن الأرض. وأنا والله، أصدقكم القول بأنني لم أفقه شيئا مما قيل.أية أرض هذه؟ كيف شكلها وهل لها لون آخر وشكل آخر. وما هذه الأرض التي يمكن أن تفتش الجيوب عنها؟ وسرحت يومها والدنياا " قايمة قاعدة" في المحكمة وأنا أحاول أن أفهم التهمة الموجهة إلي. ولم أفق من أحلامي التي بدأت أتقنها في اليقظة إلا على صوت الحاكم وهو يقول:

- حكمت الحكمة على المتهم بالسجن ثلاث مؤبدات.

فوجئت ولم أفقه ما معنى الثلاثة مؤبدات. ولم أستطع تحديد مدتها الزمنية، هل أنا نوح عليه السلام حتى أقضي ثلاثة مؤبدات، ويبقى من عمري بقية؟ زاغت يومها عيناي وأنا أرى أمي تحمل حطتها وتصرخ " يا وردي يا ابن غزالة ،هذه آخرتها، والله يا ربي يا حبيبي النملة بتوكل عشاه " ولكن حتى النملة التي كانت تأكل عشائي أصبحت الآن أشتهي رؤيتها والتمتع بمرآها وها أنا في هذه الزنزانة منذ ذلك التاريخ الذي لا أعرف كم مر عليه من الأيام والسنين.

نفخ، زفر وتمتم ببعض المسبات، قلب الصفحة. وفي رأس الصفحة سجل:

"كان اليوم حارا جدا، يبدو أنها منتصف الصيف، رائحة الزنزانة تقتل الجمل من البول. لا يهم إنه بولي وليس بول أحد غريب. كم أشعر بالملل بعد أن فرغت من رسم نفسي على الحائط، فقد خطر في بالي مرة أن أرسم شيئا فلم أجد إلا نفسي ولهذا الغرض احتفظت بعلبة "سردين" فارغة، حددت غطاءها وبدأت أحفر صورتي على الحائط، وكثيرا ما كنت أموه ما بين ذلك المرسوم على الحائط وما بيني أنا، فأحس أنني لست أنا أنا، وإنما المرسوم على الحائط هو أنا. والآن فرغت، وبدأ الملل يزحف إلى داخلي، كرة سوداء صغيرة تمر من أمامي ولم أتبين ذاك الشكل في البداية، وفي الليل سمعت "قرقضة" وأيقنت أن هناك ساكنا آخر معي في هذه الزنزانة، فتحت عيني ورأيته بجانب فراشي يتلمظ بفتات لا أعرف كيف تنازلت عنه في ذلك اليوم. وهكذا ومن ذلك الوقت أصبح مسلاتي وأنيسي وأنا أترنم على صوته، وأسعد بأن هنالك حيا آخر يعيش معي، وأصبحت أبقي له كل يوم " فته" صغيرة في انتظار قدومه المسائي، وأصبح شغلي الشاغل مراقبة عينيه وهي تبرق من جحر الزنزانة وكيف يتسلل بذكاء خوفا من الطرد. ويبدو أنه لم يكن يدرك أنني أراه وأراقبه. ولكني كنت أحبس أنفاسي خوفا من أن يهرب ويتركني وحيدا، ومع الأيام توطدت علاقاتنا حتى أحس بأنني أوده وأريده، فبدأ يأتي في جرأة دون ذاك التسلل بل وأخاله كان ينظر إلي ويبتسم، وهكذا أصبح موعد المساء جميلا جدا. وكنت أتخيل كيف كنا نقتل الفار في بيتنا، وكيف أصبحت له قيمة عندي عندما أصبح يؤنس وحدتي، تبا له لهذه الحياة كل شيء يصبح له قيمة عندما يعطي"

ابتسم عندما وصل للكلمات الأخيرة، واتسعت ابتسامة خاصة وأنها كانت تشبه الجمل التي كان يسمعها من أناس لهم وزنهم ولم يكن يفهمها. عندها أدرك بأنه كاتب جيد ولم يندم. شعر أنه بحاجة للراحة، فأغمض عينيه ليس بقصد الإغفاء وإنما تعود أن يستمتع بالتفكير "غريب كيف يقول الناس أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش في العتمة؟ كم أتمتع بالعتمة صاحيا، هذه النعمة عرفتها هنا، أما قبل فما كنت أغلق عيني حتى أروح في "شخير" واليوم أصبحت أرى الصور الصغيرة التي تختزنها الذاكرة ".

زفر، نفخ، وتمتم ببعض المسبات، لكنه فجأة بدأ يدندن بأغنيته المحبوبة " بين الدوالي " لكنه علق عند اللازمة وبدأ يكرر" بين الدوالي …، بين الدوالي…، بين الدوالي " وبدأت الكلمة الأخيرة تلح على ذاكرته ، خاصة وهو يغوص داخل العتمة ، ومن داخل العتمة تسللت خضرة طبيعية، خضرة غريبة "ما هذا الأخضر" تمعن بالخضرة ، وأصبحت الصورة تقترب وتوضح وإذا بها شجرة العنب المزروعة أمام بيتهم تقف شامخة أما فروعها فتنحني حانية عاطفة على مواليدها التي تدلت قطوفا جميلة. كانت أمام عينيه. رافقت نظراته شجرة العنب ونزلت إلى أسفلها فبدل اللون وأصبح بنيا، ورائحة غريبة عبقت في أنفه ."ما هذا؟ إنها التربة. إنها الأرض"، ارتعب! " أعوذ بالله ، إنها الأرض، كيف دخلت إلى عيني وعبقت رائحتها في أنفي". فتح عينيه، خرج من العتمة خوفا من أن يكتشف أمره ولكن الصورة بقيت عالقة ما وراء العتمة وما وراء الضوء.


مشاركة منتدى

  • لم تتركي المجال للتعقيب من كثر جمال ما تكتبين
    الاخت عايدة اناكاتب فلسطيني للعديد من المقالات السياسية الفلسطينية والعربية
    اسمي معتز ناصيف من فلسطين
    ارجوا المراسلة والتواصل على العنوان التالي fat_0979@hotmail.com

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى