أهمیة الاسلوب الفني في الشّعرالدیني عند الممالیك

، بقلم زهرا داود نجاد

الملخص
ظهرت في العصر العباسي بعض منظومات الفقه والأسانید، وکانت قلیلة العدد شدیدة الإیجاز. وهي العصر المملوکي دخل نظم العلوم والفنون مرحلة جدیدة، وصار لکلّ علمٍ جملةً من المتون النثریة والشعریة، وفي العصر المملوکي فقد ظهرت میول متطرفة نحو الجمل القصیرة المسجوعة، وهذاالعصر کان من عصور البدیع، ولم یعد یستحسن الشّعر والنثر إلّا بقدر ما فیهما من فنون بدیعیة.

الکلمات الدلیلیة: الشعر،الشاعر، أسالیب، البدیع، العصر المملوکي .

الشّعر في عصر الممالیک کثیر جداً، مع أنَّ جانباً کبیراً منه یجب أن یکون قد ضاع. فإنَّ الشعراء قد وَلَّدوا عدداً من المعاني أو من الإستعارات والتشابیه من أشعار القدماء من غیرِ أن یخرجَ ذلک بهم إلی إبتکار. وکانت أقوال الشعراء في الخمر تقلیداً للعباسیین ولأبي نؤاس خاصةً. «ولکنَّ الشعراء الذين أدرکوا عصر الممالیک البحریة أو عاشوا في إبانِ ذلک العصر نظموا في الحشیشة أیضاً: یُفَضِّلون تلک علی هذه مرّةً أخری. ولمـّا مَنَعَ الملکُ الظاهرُ بَیبَرسُ الخمرَ والحشیشةَ أخذ نفرٌ من الشعراء یتفکَّهون في التَنَدّرِ علی هذا المنع.» ]الفاخوري،حنا، تاریخ الأدب العربي، ص 863 . [
ولکن یجب أن نعترفَ بانَّ عصر الممالیک وبیئتهُ غیر بیئة العباسی، أعنی البیئة الجغرافیة والإجتماعیة والثقافیة والسیاسیة والفکریة.

وقد أطال الشعراء القصائدَ فکثُرت لهم القصائدُ التي علی مائةِ بیتٍ کما نری في البدیعیات عادةً کالبرأة أو البردة للبوصیري وکعدد من قصائد إبن الوردي وخاصةً صفي الدین الحلي.

إنّ الشواهد القارة والأمثلة تدعم مانذهب إلیه، وهذه بعض ثوابت الأحکام التي توصلنا إلیها وبعض مسوّغاتها:
أ- کثرة المعارضات: إنّ معارضة المتون ومحاکاتها لایشف إلا عن إرجاع بالمتن الأصل، وإعتراف بنماذجه، والإقدام علی ترسم إیقاعه وقوافیه وصوره، وإجترار للتجارب وتقلیدها، وحمل النفس والخیال علی معایشة حالة غیر صادقة ولا نابغة من ذات الفنان، وقد مرّت بنا محاولات معارضة قصیدة البوصیري «البردة» التي ترسم فیها شاعرها قصیدة سابقة لإبن الفارض وإستأنس بإیقاعها. ومن المعارضات الأخری معارضة صفي الدین الحلي لقصیدة المتنبي.
ونماذج المعارضة کثیرة لدی کل شاعر من شعراء هذا العصر فقد عارض کلّ من نجم الدین القمراوي وناصع الدین الإرجاني وولي الدین یکن قصیدة الحصري ت ( 448 ه) المشهورة.

ب- التشطیر والتّخمیس

وهما مظهران آخران من مظاهر تمثل التجارب وتسطیحها وتمطیطها بالإسهاب في تفصیل الجزئیات وسرد الصور بما لایخرج عن محیط القصیدة الأم، ومحاولة قتلها من دون قصد واع بزیادة مفرداتها وتقریب تخریجها للذهن.
وشواهد التشطیر والتخمیس قارة في العصر المملوکي نستشهد علی سبیل المثال بما فعله صلاح الدین الصفدي ت (764 ه) مخاطباً إبن نباتة المصري مشطراً قصیدة إمرئ القیس «قفا نبک» ومنها:

عُتَبٌّ: أنکر إلیه شیء، لامه. جُلْمُود: ج جلامید، الصخر. یقال «رجل جلمد» أي شدید صلب.
وهذه المحاولة صورة من صور التکلف والتقلید بحمل النفس تعسفاً علی مشاکلة المحاولات ومجانستها بالقوة.
وقد أقدم البسطامي ت (960 ه) علی تخمیس «البردة» للبوصیري ومنها:

مَزَجْتُ دَمْعاً جَرَی مِنْ مُقْلَةٍ بِدَمِ» ]رشید، ناظم، في أدب العصور المتأخرة، ص46 . [
سُقْمِ: مرضٌ أوطال مرضه. یَنْسَجِمُ: إنصبَّت الدموع. مَزَجْتُ: إختلط.
ولا تسعفنا مساحة البحث في ذکر المزید من الشواهد والمحاولات فنکتفي بهذا القدر.
ج- الولع بالإقتباس والتضمین والمحسنات البدیعیة:
لایختلف إثنان في تشخیص ولع الشعراء والکتاب بالإقتباس والتضمین والطباق والجناس والتوریه وبقیة المحسنات البدیعیة إلی درجة الإسراف والمبالغة.
و إذا أعجب النّاس بطریقة القاضي الفاضل ت (596 هـ) سید هذه المدرسة وأستاذها فقد کانت لدیه من الملکات والدّربة ما ساعده علی تجاوز العثرات، ولم تکن لغیره ممّن تابعه وحذا حذوه، مثل هذه الملکة ولا الممارسة ولذلک ظهر التعقید واضحاً وکثر التکلّف والتعسّف في محاولات من تابعه في أسلوبه.
ومن الإقتباس في الشّعرقول إبن عبدالظاهر في حبیبته نسیم:

و من أمثلة التوریة ما قاله شهاب الدین بن العفیف:

«ومن أمثلة اللّعب المموج ذوقاً وعقلاً ما صنعه إبن حجة الحموي ت (837 ه) من تصغیر للمفردات علی غیر قیاس ولاسماع وهي صورة من صور الأغراق في التلاعب بالمفردات وتحمیل اللغة مالا تحتمل لاسیّما إذا علمنا أنها قصیدة في الغزل بالمذکر.»]الحموي ، إبن الحجة، خزانة الأدب وغابة الأرب، ص 386. [
ولایقف الأمر عند اللعب باللغة أوالجري وراء المحسّنات، وإنّما یتجاوز ذلک إلی طبیعة الأغراض، فالوصف غرض فني صرف یلجأ إلیه الشاعر بحسنه الفنّي لیکشف عن طبیعة الجمال في الأشیاء ویعطیها من العواطف ما یجعلها تنبض بالحرکة والحیاة فهو غرض إنشائي بحث.
ویجود الوصف فیما عظم فیه الخیال، ودقّة الصنعة، وجلّ الخلق، وحسنت الملاحظة وصدق التمثیل.
ویصف إبن الوردي ت (749ه) سجادة صلاة، أمّا إبن نباتة المصري فیصف قلم حدید، وینظم الألغاز في قلم إعتیادي، ویسرف شهاب الدین الحلبي في وصف سبحة، کما أسف محمد بن سوار ت (677ه) في وصف مروحة یدویة وهي موضوعات لابد أن یتکلّف فیها الشاعر القول، أو یردّ النظم فیها رکیکاً.
ویبدل صفي الدین الحلي العناء الکبیر ویصرف الوقت الطویل في التکفیر بغیة إنجاب شیء لم یسبقه أحد إلی صنیعه فکانت قصائده «درر النحور في مدائح الملک المنصور» عددها تسع وعشرون قصیدة، وکلّ قصیدة في تسعة وعشرین بیتاً عدد حروف الهجاء حیث یختصّ کل حرف بروي قصیدة واحدة، ویکون أول حرف من کل بیتٍ متجانساً مع روي القصیدة وإذا ظهر الشاعر متمکناً من فنه في بعض القوافي فقد تکلّف في حروف معینة کالظاء والضاد والثاء.
د- کثرة المتون التعلیمیة
ظهرت في العصر العباسي بعض منظومات الفقه والأسانید، وکانت قلیلة العدد شدیدة الإیجاز. وهي العصر المملوکي دخل نظم العلوم والفنون مرحلة جدیدة، وصار لکلّ علمٍ جملةً من المتون النثریة والشعریة، فهدا للنحو وذلک للصرف والعروض وآخر للتاریخ والفقه.
کان القصد اوّل الأمر تسهیل الحفظ، وحصر أصول المعرفة في نصوص محکمة الإیجاز والصیاغة.
ثمّ کثرت وتعددت إلی درجة الإشباع وتجاوزت الأصول إلی الفروع، وإبتذل البعض القول حتی رکّت العبارة وإتجه النظم في المتون کلّ مذهب.
«فهذا شهاب الدین الإشبیلي ت (699 ه) ینظم غزلیة یضمنها ألقاب الحدیث وأصوله، وینظم عبدالرحمن بن محمد الأخضر في القرن العاشر الهجري رسالة في علم الحساب»]مجموعة من العلماء، مجموعة مهمات المتون یشتمل علی ستة وستین متناً في مختلف الفنون والعلوم، ص 118، مصر 1949 م. [ «وینظم عبد الرحمن بن محمد علي البیلاوي متناً في التعلیم الرسم، وفي طریق المناظرة نجد لـ طاش کبري زاده ت ( 968 ه) منظومة، واشتهرت ألفیة إبن مالک الأندلسي ت ( 672 ه) في النحو وله منظومة إسمها لامیة الأفعال ثمّ ظهرت منظومات التاریخ والفلک والتصوف والعقائد.» ]
 [1]
و أغلب الظن إنّ الدافع إلی نظم المتون إظهار القدرة والتمکن، بتنویع صور الإنتاج حتی یکون للمتعلم باع في کل لون، ولا تنمو مثل هذه الحوافز لدی الإنسان إلا بعد شعوره بالنقص والقصور عن مجاراة أهل الفنّ فیما وضع له في بابه وسبیله.
وإستفحل الأمر حتّی وجدنا کتباً ضخمة الحجم تجمع فیها المتون، مصنّفة حسب أبوابها وموضوعاتها تمکیناً للدارسین منها، فتکون في متناولهم کلّ حین، وشاهداً قاراً علی ما وصلت إلیه ملامح الصنعة.
ه- تبادل الأسالیب وتداخلها:
عرف العرب فنین: الشّعر وهو الکلام الموزون المقفّی والنثر وهو قطع من الکلام المسجوع، أو کلام مطلق مرسل، ولکلّ منهما مذاهبه وأسالیبه وأغراضه التي تختصّ به.
وتوجّه الشعراء والکتّاب بالمعاني، ولم یهملوا أمر الزینة حتّی ظهرت علوم وفنون حادثة کان منها علم البلاغة وما تفرق عنه من بیان ومعاني وبدیع، فإستخدمت هذه الفنون شعراً ونثراً وإستزاد النّاس منها وأقبلوا علیها.
لقد ظلّت للعفویة والترسل مکانتهما في الصناعة الأدبیة، وکانت قوة التعبیر فهما تنبع من بساطة اللغة وسلاستها وإکتسب الکلام بالمحسنات البدیعیة مابلغ به أرقی المواصل، وظلّ السهل الممتنع مطلب غالبیة القوم، أما النقمة علی سهل مأخذه فکان بدافع التعالي عن رکة الأسلوب.
في العصر المملوکي فقد ظهرت میول متطرفة نحو الجمل القصیرة المسجوعة، ولزوم ما لا یلزم ورکب الکتاب مراکب صعبة في تعمید الجناس والطباق والتوریة، ولازموا تزویق الکلام بما یجلّي مذهب التکلّف ویرسّخه، وفي کتاب «عجائب المقدور في أخبار تیمور» لإبن عربشا مایغلب طابع الصنعة، ونزعة التکلّف وإتّجاه التعقید المفضي إلی الإضطراب والرکاکة، وبما ینافي طابع الإحتذاء والتقلید لمن سبق من أئمة هذه العلوم.
یقول إبن خلدون: «لقد إستعمل المتأخرون أسالیب الشّعر وموازینه في المنثور من کثرة الأسجاع وإلتزام التقفیه وتقدیم النسیب بین یديّ الأغراض وصار هذا المنثور إذا تأمّلته من باب الشّعر وفنّه ولم یفترقا إلّا بالوزن وإستمرّ المتأخرون من الکتّاب علی هذه الطریقة وإستعملوها في المخاطبات السّلطانیة وقصرواً الإستعمال في المنثور کلّه علی هذا الفنّ الذي إرتضوه وخلطوا الأسالیب فیه وهجروا المرسل وتناسوه وخصوصاة أهل المشرق».] إبن خلدون، مقدمه، ص 7، 5 .[
وأما البدیع کان موجوداً في الأدب العرب منذ البدایات الأولی، وإستمر هذا الوجود قروناً طویلةً إستمرار مسیرة الأدب العربي، ولکنّه قد إختلف من عصر إلی عصر، ثمّ تطوّر تدریجاً بحکم التعمّق في الحضارة والثقافات الأجنبیة وبتعرّب الموالي وتمکّنهم في اللغة العربية وآدابها.
«نهض الشعراء بشعرهم موازین موازات کثیرة بین معانیهم ومعاني القدماء، وبین أسالیبهم المولدة والأسالیب المورثة نافذین إلی ماسموه بالبدیع إنّ الأنواع البلاغیة ثمانیة عشر، جعلها في قسمین: قسم سمّاه البدیع، وضم الإستعارة والتجنیس والمطابقة ورد أعجاز الکلام علی ما تقدمها والمذهب الکلامي، وقسم ثانٍ سمّاه محاسن الکلام، وجمع فیه الإلتفات وإعتراض کلام في کلام یتمّ معناه والرجوع والخروج من معنی إلی معنی وتأکید المدح بمایشبه الذم وتجاهل العارف و هزل یراد به الجد وحسن التضمین والتعریض والکنایة والإفراط في الصفة وحسن التشبیه واعنات الشاعر نفسه في القوافي وحسن الإبتداءات،»] إبن المعتز، عبداللّه ، البدیع، شرح محمد عبد المنعم خفاجي، ص19 و 55 و74. [ «وهکذا صار کل خلف یزید علی عدد الفنون البلاغیة التي وصل إلیها سلفه، حتّی وصل العدد في القرن السابع الهجری إلی نحو خمسة وعشر ینومئة، نجد فیها الصور البیانیة والکثیر من فروع علم المعانی بالإضافة إلی فنون علم البدیع، وکان المسألة تحوّلت إلی تکاثر بالأرقام.» ] إبن المعتز، عبداللّه ، البدیع، شرح محمد عبد المنعم خفاجي، ص375 [ «ثمّ إبتدع صفي الدین الحلي أو إبن جابر الأندلسی فن البدیعیات النبویة» ] الجمال، أحمد صادق، الأدب العامي في مصر في العصر المملوکي، ص121-125 [ «فبلغ عدد الفنون في بدیعیة الکافیة البدیعیة لصفي الدین الحلّي - و هو معاصر لإبن الوردی– وإستمر صعوداً لدی إبن حجة الحوي في خزانته وغیره.» ] الحلّي، صفي الدین، شرح الکافیة البدیعیة في علوم البلاغةومحاسن البدیع، تحقیق: نسیب نشاوي، ص 57. [
إنّ العصر المملوکي کان من عصور البدیع، ولم یعد یستحسن الشّعر والنثر إلّا بقدر ما فیهما من فنون بدیعیة، ولأنّ الشاعر والأدیب إنّما یتوجّهان بالشّعر والنثر إلی أبناء عصرهما، ویشار إلیهما بالبنان. ولقد صدق طه حسین عندما قال: «الشاعر لیس شاعراً لأنه یقول فیحسن، وإنّما هو شاعر لأن قوله الحسن هذا یمثل عواطف الذين یسمعونه ویقرؤونه، یرضیهم ویقع من نفوسهم موقع الإعجاب ولم یرضَک البیت من الشعر إلّا لأنّه یؤافق هوی في نفسک، ویلئم عاطفة من عواطف، ویرضي حاجة من حاجاتک إلی الجمال. »] طه حسین، بک، حدیث الأربعاء، ج2، ص52-53[
و من الضروری أیضا أن نضیف دور أهل العصر المملوکی أنفسهم الذين عنوا بجمع آدابهم شعراً و نثراً في دواوین وکتب بلغت المئات، وذلک لأنهم کانوا یضعون أنفسهم علی قدم المساداة مع کبار شعراء العربية وأدبائها علی مدی العصور، وکانوا یفضّلون أحیاناً بعض رجالاتهم علیهم.
أما المدیح فقد کان من أهم أصحاب البدیعات یفعلون إلی النهج البوصیري والنظم علی نمط البردة. وقد إلتزموا أن یضمنّوا کلّ بین من أبیات البدیعیة ضرباً من ضروب البدیع، وزاد عز الدین الموصلي هذا إلتزام بأنّ إلتزام التوریة بکلمة ما عن إسم الضرب البدیعی المضمن.
وقد نظم بعض الأدباء فیما بعد، بدیعیات لم یلتزموا فیها بحر البردة ورویها وغرضها، وهذا في رأینا إنحراف عن الشروط الأولی للبدیعیة، وخروج بها عن جادتها الأصلیة.
ومن أصحاب البدیعیات: صفي الدین الحلي (750 ه)، وإبن الجابر الأندلسی الضریر (780 ه)، وعزّ الدین الموصلي (789 ه)، وتقي الدین بن حجة الحموي (837 ه)، وشرف الدین بن المقري الیمني (837 ه)، وتاج الدین بن عربشاه (901 ه)، والجلال السیوطي (911 ه)، وعائشة الباعونیة ( 930 ه)، وعبدالغنی النابلسي (1143 ه) ومبتکر فن البدیعیات، صفي الدین الحلّي.
وإبن نباته نفسه، و هو أکبر شاعر، وله نفس طویل في الشّعر أصابه تقلید العصر. إنّ شعراء العصر المملوکي قادرون ولا شک علی إنشاء القصائد الطوال لو وجدوا الحافز علی ذلک، ولنا من «البوصیري» ما یؤید ما نقول، فحبه الرسول J دفعه إلی انشاء القصائد الطوال،ومنها: «البردة» و «الهمزیة» و «ذخر المعاد».
ولقیت قصیدة کعب التي شرفت بسماع النبي J لها أکبر العنایة من الروّاة والنّقاد ودارسی الأدب، وما زالت محل العنایة حتی بلغت القرن السابع الهجری، وجدنا شعراء کثیرین یعارضونها، ویسیرون علی نهجها من تصدیر القصائد بالغزل، ثمّ مدح النبي Jوظهر في هذا العصر البوصیري فقال الشعر ونبغ فیه ولزم طریقة الصوفیة وکان أن إتّجه إلی معارضة کعب، أو إتباع مذهبه في مدح النبي J، وله قصیدة سمّاها: «ذخر المعاد وزن بانت سعادـ» وکان أن تسمّی تلک القصیدة «البردة» لأنّها علی وزن «بانت سعاد» لکعب بن زهیر وتتّفق معها في القافیة وحرکة الروی، ولأن بعض الأدباء اُطلق علی قصیدة کعب البردة، لکن البوصیري أو الصوفیة في عهده وبعده أطلقوا علی میمیة البوصیري (البردة).
و هي من نفس الوزن (بحر البسیط) إلا أنّها تختلف عن قصیدة کعب في القافیة، وبردة کعب لیس هنا مجال الحدیث عنها، ولکنّي بصدد القصیدة التي عارض بها البوصیري کعباً، وإتّفق معه في البحر والقافیة وحرکة الروي، وحدد مفهومها ونهجهما فدعاها کما ذکرناها «ذخر المعاد في وزن بانت سعاد» وذکر منها کعب بن زهیر متواضعاً له، متحدّثاً عن ذخر المعاد، وشرفها بمدح خیر العباد.
وفي هذا الوقت أذکر أبیاتاً حول الأقوال کما یلي:
أ- کان صَفِي الدینِ الحِلّيُّ شاعرَ عصره وأشهرَ شعراءِ زمانهِ برُغم تقلیده للشعراء العبّاسیین في المعانی والأعراض والأسلوب. وقد کان حَنَنَ الصِناعة بارعاً فة الصِیاغة مُجیداً في القصائد الطوالِ وفي المُقطّعاتِ. ثمّ إنّه نَظَمَ في مُعظَم أنواع الشّعر من القَصیدِ والمــُشَطَّر والمخمّس والموشّح، وکان أحیاناً یتکلَّفُ في الصِناعة تَکَلّفاً بعیداً. وإذا نحنُ إستَثنَینا البوصیريَّ کانَ صَفيُّ الدینِ أولَ من قصد نَظمَ البدیعیّات أو جَعَلَ منها فَنّاً قائماً بنفسهِ علی الأصح. وله القصائدُ الأُرتقیّاتُ في مدیحِ الملکِ المنصور (من آل أرتُق) جَعلَ أوائلَ حُروفها مثل رَوِیّها، وعدد هذه القصائد تسعٌ و عشرونُ بعَدَدِ حروفِ المــُعجَم». ] الفاخوري، حنا، تاریخ الأدب العربي، ص 866[
«وقعت حروب وفتن فی العراق، حملته علی الرحیل إلی آل الارتق، ملوک دیار بکر بن وائل، فمدح الملک المنصور نجم الدین أبا الفتح غازی بتسع وعشرین قصیدة، کلّ منها تسعة وعشرون بیتاً، علی حرف من حروف المعجم، بدأ کلّ بیت منها به وبه ختمه وسمّاها الأرتقیات. ثمّ إتّصل بالسلطان المؤید عماد الدین إسماعیل بن ملک الإفضل بن أیوب فمدحه،ثمّ بإبنه شمس الدین أبي المکارم. ورحل بعدئذٍ، خوف الفتن، إلی مصر فقرّبه ملک الناصر، فمدحه ودعا مدائحه فیه بالناصریات. وإنّ صفي الدین الحلي، هو الشاعر البدیع التکلف یکثر من وجوه البدیع له دیوان شعر، جمعه هو بنفسه، ورتبه علی إثنی عشر بابا، وهو فیه کثیر».] فرزاد، عبدالحسین، المنهج في تاریخ الأدب العربي : ص 106[کان صفي الدین کثیر التصنّع والتکلّف لأنواع البدیع والتلاعب بالألفاظ. وقد نظم قصیدةً طویلةً سمّاها «الکافیة البدیعیة في المدائح النبویة» جمع فیها أنواع محسنات اللفظیة والمعنویة؛ وفتح بها طریق نظم البدیعیات لمن جاء بعده.
وإستخدم صفي الدین الحلّي أنواع الجناس، نحو:

یَفِي: الوفاء بالوعد. یَقِي: من الوقایة، الحفظ، المحافظة، الدفاع. التَصْحِیف: التبدیل. في أحرف الکلمة: عدل= عذل؛ التحریف: الخطأ في اللفظ: الکلم (بفتح الکاف وکسر اللام:الکلمات) : الکلم(بفتح الکاف وسکون اللام) : الجرح. والتصحیف والتحریف من أنواع الجناس في البلاغة.
ب- «قد نظم إبن الحجة بدیعیة له مطلعها: «لِي فِي إِبْتِدَاءِ مَدْحِکُمْ، یَا عُرْبَ ذِي سَلَمِ» یعارض بها البردة للبوصیري: «أَ مِنْ تَذَکُّرِ جِیرَانٍ بِذِي سَلَمَ» إستجابة لرغبة ناصر الدین البارزي وطوي کلَّ بیتٍ منها علی وجه من أوجح البدیع».] فروخ، عمر، تاریخ الأدب العربی، ج3، ص875 [وقصیدة إبن حجة نازلة عن قصیدة البوصیري في متانة الترکیب وفي البراعة في إستخدام أوجه البلاغة وفي النفس الشعري، فالبوصیري نظم قصیدته في مدح الرسول وجداناً وتقویً.
وإستخدم إبن حجة الحموي البدیع في شعره:

مُحَمَّدُ: رسول اللّه J إبن الذبیحین، من نسل إبراهیم والد إسماعیل وإسحق، وقد إختلف الرواي في أیهما کان الذبیح الذي أراد إبراهیم أن یضحیه. والعرب في الحجاز یزجعون بجانب من نسلهم إلی إسماعیل بن إبراهیم). والذبیح الثاني هو عبداللّه بن عبدالمطلب، فقد کان عبدالمطلب أیضاً یرید ذبح إبنه عبداللّه في نذر له، ثمّ فداه بمأئة بعیر. أبُو الــْــــبَتُولِ: والد فاطمة. فِي إِطَّرَادِهِمِ: في نسق الانبیاء.

البدیع الاولی: البدیع. الثانیة: الجمیل. البدیع الثالثة: نظم الشّعر في مدح الرسول. والبدیع: فن کبیر من فنون البلاغة أشهر أبوابه الجناس، الإتیان بألفاظ متّفقة في اللفظ ومختلفة في المعنی، في الترکیب الواحد.
ج- یمتازُ إبن نُباتةَ المـِصريُّ في شِعره بالرِقّةِ وحسن التَورِیَةِ وبالاقتباسِ من القرآن الکریم والحدیثِ الشریف ثمّ بإتّکاء علی مُصطلَحات أصحابِ النحوِ والعَروضِ والفقهِ والتَصوّف والفلسفة مَعَ نظر إلی مُصطلَحات الشیعة. و هو في ذلک یُکثِرُ من الصِناعة حتّی یُصبحَ جانبٌ مِن شِعره رَمزاً. جانب من مدیح بدیعیّات أي مدائح نبویّة .
قال إبن نُباتةَ المصريُّ من بدیعیة، ونجد في الأبیات التالیة معارضة لقصیدة کعب زهیر: «بانت سعاد فقلبي الیوم متبول».

عَلَی الطَّرِیقِ: الموت. ولکن الصَبَّ: المحب، لایقبل هذه الدلالة.
النَّفْسِ تمیل إلی أن تَسْوِیفُ أي تؤجل، تؤخر، التوبة، ثمّ تَسْوِیلُ لصاحبهاأي تزین له ، تغشه. إنّ الموت بعید.
د- «وقد وُفق إبن الوردي توفیقاً لاینکر حتی إنّ روح الأسی لیشیع في قِطَع عدة من لامیته علی ما في صناعتها من لین. والرّجل قد عاش في عصر غلبت علیه نزعة التصوف و«الدروشة» وکان قصد بلامیته إلی المتفقهة وأضرابهم ممن لا تَهُزُّهم الجزالة والرصانة.» د. عبداللّه ، الطیب، المرشد إلی فهم اشعار العرب وصناعتها، المجلد الأول في الجرس الفظي، ص 132. [
ه- وإستخدم الباعونیةُ الدِمَشقیّة من محسنات الکلام، فمثلایقول:

جَرَّدْتُ حَجِّي لَهُ: جعلت حجي للّه خالصاً من کل غایة إخری. مُفْسِدةٍ: کلّ أمر الذي فسد الحج مثلاً التجارة. الصَّفَا: الصفا والمروة من مناسک الحج، موضعان في مکة یسعی الحاج بینهما سبع مرات، والصفاء: النقاء وسلامة النیة (توریة).
وقد تناول البوصیري فیها - فضلاً عن ذکر الدیار ووصف الشوق والحنین، والنزوع الصوفي والدعوة إلی الزهد والتحذیر من الهوی موضوعات السیرة النبویة وما إمتاز به الرسول الکریم من عظیم الصفات.قال:

«لَا سِرّي بِمُسْتَتِرٍ عَنْ الْوُشَاةِ: مستأنف إستئنافاً بیانیاً؛ لأنّه واقع في الجواب سوال المقدر.» ] الباجوری، الشیخ إبراهیم:شرح البردة، ص18[

أما المقامة فقد تنوّعت أغراضها تنوع أغراض الشعر، ثمّ تحولت صیغهامن الروایة إلی الحکایة، وحلّت المفاخرات محلّ المناظرات الفلسفیة والکلامیة المذهبیة، وإعتمدت المفاخرة علی الجمع بین المتقابلات والمتناظرات، ومنها «المناظرة بین السیف والقلم» لإبن نباتة المصري و «المفاخرة بین السیف والقلم» لإبن الوردی و«المفاخرة بین السیف والقل» للقلقشندي وإلخ.
قال شهاب الدین الهائم المنصوري:

لِثَامِ: قناع، غطاء. دُجیً: إشتداد الظّلام. مَا لَاحَ وَجْهُ صَبَاحٍ: ماطلع الصباح کل یوم. رَنّحَتْ: حرّکت. عَذَبَاتِ: طرف العمامة (بکسر العین) الذي یتدلّی إلی القفا وأعلی الظهر. صَبَا: ریح الشرق. الشطر الاخیر للبوصیري.
النتیجة
إنّ الدین یؤدی دوراً مهماً في حضارة وثقافة الإنسان، والأدب ولاسیّما الشعر أحد العوامل إحیاء الدّین، فالدّین والثقافة علی ارتباط وثیق وقریب دوماً فکما إنّ الدّین یؤدی دوراً مهماً في حضارة وثقافة الإنسان، وإذا نظرنا إلی الدین حالیاً فقد وجدنا جذوراً في العصر المملوکی، الذي یتجلّی في شعر هذا العصر مثل المدیح النبوي مع أسلوبه الخاصة، لقد کان للمدائح النبویة الأثر البلیغ في الأدب، حیث أصبح مدح الرسول فناً صرفاً تقیّد به ضروب الزخرف باسم البدیعیات.
المراجع و المراجع
1- إبن خلدون،مقدمه، المطبعة البهیة، القاهرة.
2- إبن المعتز، عبداللّه ، البدیع، شرح محمد عبد المنعم خفاجي، مکتبة مصطفي البابي الحلبي، بیروت، 1945 م.
3- حلی، صفی الدین عبد العزیز بن مزایا، دیوان صفی الدین حلی، دار صار، بیروت،1962م.
4- د. فروخ، عمر، تاریخ الادب العربي، بیروت، دار العلم للملایین، الطبعة الاولی 1979م.
5- رشید، ناظم، في أدب العصور المتأخرة، مکتبة بسام، الموصل، 1985 م .
6- فرزاد، عبدالحسین، المنهج في تاریخ الأدب العربي ، تهران، 1385 ش.
7- طه حسین، بک، حدیث الأربعاء، الناشرالکتاب، 1364.
8- الباجوری، الشیخ إبراهیم، شرح البردة، مکتبة الآداب، ملتزم الطبع والنشر القاهرة، 1267م.
9- الجمال، أحمد صادق، الأدب العامي في مصر في العصر المملوکي، الدار القومیة، القاهرة، 1966 م .
10- الحلّي، صفي الدین، شرح الکافیة البدیعیة في علوم البلاغة ومحاسن البدیع، تحقیق: نسیب نشاوي، مجمع اللغة العربية، دمشق 1982 م.
11- الحموي ، إبن الحجة، خزانة الأدب وغایة الأرب، دار القاموس الحدیث، بیروت، بلا تاریخ.
12- الطیب، عبداللّه ، المرشد إلی فهم اشعار العرب وصناعتها، دار الفکر، الطبعة الأولی،بیروت، 1421 ه .
13- الفاخوري، حناّ، الموجز في الأدب العربي وتاریخه، الأدب في الأندلس والمغرب أدب الإنحطاط، دار الجیل، بیروت، 1411ه.
14- مجموعة من العلماء، مجموعة مهمات المتون یشتمل علی ستة وستین متناً في مختلف الفنون والعلوم، مصر 1949 م.
Islamic Azad University Karaj Branch,
Department of Arabic literature,
Title: The Importance of Technical Methods in Religious Poetry.
العنوان المقال: أهمیة الاسلوب الفني في الشّعرالدیني عند الممالیک

ملاحظة

جامعة آزاد الإسلامیة في کرج
کلیة الأداب واللغات الأجنبیة قسم اللغة العربیة وآدابها
رسالة لنیل درجة الماجستیر في اللغة العربیة وآدابها
العنوان:
( الشعر الدیني ومظاهر تشکله في العصر المملوکي)
الأستاذ المشرف:
الدکتور فرهاد دیوسالار
Email: divsalarf @yahoo.com
الأستاذ المشرف المساعد:
الدکتورمحمد رضا گلچوبی
الطالبة:
زهرا داود نژاد
سنة:1393 هـ.ش
1435 هـ. ق

حواشي

[1مجموعة من العلماء، مجموعة مهمات المتون یشتمل علی ستة وستین متناً في مختلف الفنون والعلوم، ص 249، مصر 1949 م.


زهرا داود نجاد

كاتبة إيرانية

من نفس المؤلف