في ديوان «هذا العالم ليس بريئا»

بقايا فرح

، بقلم رياض كامل

-1-

لم يكن اختيارنا هذا العنوان وليد صدفة بل هو نابع من حجم الحزن الذي يبثه حسين مهنا في ديوانه "هذا العالم ليس بريئا" (2014). فقد لفت نظرنا هذا الكم الكبير من القصائد التي تطرقت لإشكالية الصراع بين حب الحياة الذي يسعى إليه الشاعر حسين مهنا وبين الغم الذي يلاحقه، فرأيناه يبحث عن بقايا الفرح في زوايا القلب والروح لعله يتمكن من تجذيره وتأصيله في خضم هذا الكم الهائل من الأسى والحزن.

ونحن حين نقيد أنفسنا بعنوان كعنوان مقالتنا هذه فإنا على علم تام أن هناك مواضيع أخرى تشغل بال الشاعر، وهي مواضيع قد لا تقل أهمية عن الموضوع الذي نتعرض له هنا، لكن ذلك يتطلب منا مجموعة من المقالات والدراسات التي ترضي غرور الشعراء والمبدعين. من ناحية أخرى هذه هي حال الدراسات التي تأخذ على عاتقها معالجة زاوية معينة في أي إنتاج لأي مبدع.

إننا نعي تماما أننا لن نقوم ببحث الفكرة والموضوع إلا بقدر ما سنولي اهتماما للنواحي الفنية التي وظفها الشاعر في كتابته، بالأحرى سنبحث عن "الأدبية" في النص، مستعيرين هذا المصطلح من الشكلانيين الروس الذين طرحوا تساؤلا عميقا ما انفك يتكرر: ما الذي يجعل هذا النص أو ذاك أدبيا؟ هذا المصطلح الذي تعمق في دراسته وتطويره المنظر الروسي الكبير رومان ياكوبسون. نحن نؤمن، كغيرنا، أن الشعر فن القول، وفن صياغة الفكرة، فلا يمكن أن تكتمل الفكرة إلا إذا عرضت بصورة فنية لها فرادتها. كما لا يمكن للفن أن يكون فنا إلا إذا توهج بالفكر الحر العميق والمتفرد في إبداعه، وهناك دائما تفاوت بين شاعر وآخر، وهذا ليس مدار بحثنا. وهناك، لا شك، تفاوت بين قصيدة وأخرى في نفس الديوان.
هذا لا يعني أننا سنقوم بتطبيق أية نظرية بشكل منهجي، بل سنولي أهمية لهوية الشاعر الخاصة مزودين بذخيرة تدمج بين أكثر من توجه، لنرى إلى أي مدى تمكن حسين مهنا من التواصل مع المتلقين، على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم، وعلى اختلاف مستويات تعاطيهم مع الشعر، وذلك انطلاقا من النص نفسه. هناك مدارس نقدية عديدة، ومدارس أدبية متنوعة، حاولت كل منها أن تضع مقاييس ومعايير لفهم الإبداع وتقييمه، وقد تضاربت الآراء والرؤى فيما بينها. لكنا نعلم أن النظريات الأدبية قد تلاقحت وتثاقفت واغتنت ببعضها البعض، وأن كل نظرية تبحث عما هو جديد ومتميز ومتفرد. وكما أن الرواية "ما تزال في صيرورة"، كما يقول تودوروف وباختين وغيرهما، فإن الشعر لا يزال في صيرورة هو الآخر، يتبدل ويتغير ويتجدد، وفقا للظروف والأحوال. وكما أن للشعر العربي، عامة، خصوصيات ومميزات، كذلك نستطيع أن نقول، إن للشعر الفلسطيني، بالذات، خصوصياته نظرا للظروف التي ما زال الشعب الفلسطيني يمر بها ويئن تحت وطأتها. يمكننا القول إن الحزن والغضب والتشرد والضياع هي مواضيع متكررة، لكن هناك، دائما، أساليب شعرية متنوعة ومتجددة توظف في خدمة الموضوع مهما كان نوعه. ونحن نؤكد أن هناك نكهة خاصة بهذا الشعر يتفرد بها ويتميز بها عن غيره، تماما كما هو حال الطبيعة في تنوعها، وكما هو حال البشر في تنوع أشكالهم وألوانهم وانتماءاتهم. إن وسائل الخطاب، بقدر ما تتشابه بين شعوب الأرض، بقدر ما تختلف في ميزاتها في الخطاب الشعري والروائي بين شعب وآخر، كما هي حال بصماتنا. فأي بصمة هي بصمة الشاعر حسين مهنا؟ وبأي لون صبغت؟

-2-

يعتبر الشاعر حسين مهنا، برأينا، أحد الشعراء الذين ساهموا في ترسيخ وتطوير حركة الشعر في بلادنا، بدأ كتابة الشعر في مرحلة كان الرواد خلالها قد تمكنوا من وضع بصمات قوية على خريطة الشعر العربي، وكان شعرنا بحاجة إلى من يصون هذا الرصيد ويضيف إليه، فكان حسين مهنا أحد حراس حركتنا الشعرية، من خلال ما أبدع ومن خلال ما أضاف، فعُرف بحرصه على كتابة الشعر الموسيقي، محافظا على قواعد وأصول الشعر الكلاسيكي من وزن وقافية، مرورا بشعر التفعيلة، كما رسخ قواعده بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي وغيرهم في كل أقطار العالم العربي الواسع. كما نرى من الضروري أن نؤكد أننا نقف أمام شاعر يجيد طرح مواضيعه بأسلوب خاص يحمل ختمه وهُويته، وبالذات من خلال حرصه على جماليات اللغة، ومن خلال إثراء النص وانفتاحه على التراث العربي والعالمي.
يعالج شاعرنا في الكثير من نصوص دواوينه السابقة، وفي هذا الديوان "العالم ليس بريئا" وجعين يؤلمان جسده ونفسه، وهما همان يرافقانه ويؤرقانه، الهم العام والهم الخاص. يعرض في كثير من قصائده قضايا الهم الإنساني وهي كثيرة ومتنوعة، يبحث عن العدالة البشرية فيراها قد نفدت وتلاشت. حروب واحتلالات وقهر وظلم، قوي يأكل خبز الضعيف، ومتجبر يلوك لحم الفقير. يتمنى لو كان ممكنا أن تتوزع خيرات الأرض على ساكنيها فلا يقع لذلك على أثر. من ناحية ثانية يطارده مرض يفتك بجسده وفرحه فيلاحقه سرير المريض ويلازمه لفترة ليست بقصيرة، فيخاطب شبح الموت أن يغرب عن وجهه، لكن ما أن يفارقه لمدة وجيزة حتى يعوده من جديد لينغص عليه فرحه وحياته. وحتى يخفف عنه وطأة الموت الوشيك يرجو من كانت حريصة على شحنه بالدفء أن تضع قرنفلة من رياض جليله الجبلي فوق نعشه، وأن تودعه بابتسامة:

"كأني أرى ملك الموت يفتح إضبارتي،
كي يعبئ بعض التفاصيل قبل اللقاء
وقبل حلول الظلام ثقيلا"
...
فبالله يا من جعلت حياتي أقل صقيعا
وأكثر دفئا..
ضعي فوق نعشي قرنفلة من رياض الجليل
وخلي الوداع ابتساما
فوجهك حين ابتسامك
يجعل موتي جميلا" (الديوان ص80-81)

حزن غامر يعتمل في قلب الشاعر وهو يرى الموت يلامس شغاف القلب فيقترح موتا أقل حزنا وأكثر فرحا. فكيف يمكن تحقيق ذلك؟ وكيف يمكن أن يكون الموت جميلا!؟ الشاعر شأنه شأن جميع الشعراء الذين لا يتصالحون في كثير من الحالات مع المألوف والمتبع، فيتكئ على عاطفته وعقله ليجد منفذا للفرح وكوة يدخل من خلالها، فإذا بقايا الفرح قابل للحضور حين يتدخل من نحب من بشر وطبيعة. هذان العنصران يندمجان ويتآلفان في كل كلمة يقولها، تفرح الطبيعة في عين حسين مهنا انعكاسا لفرح الشاعر وتحزن لحزنه. تزهر الورود وتثمر الأشجار وتشرق الشمس تجاوبا مع روحه، وتتهدل أوراق الأشجار وتعبس الشمس ويتساقط الثمر حين يحزن الشاعر.

ترانا نسارع في الإعلان أننا نقف في حضرة شاعر يصر على التواصل مع القراء على اختلاف مستويات ثقافاتهم، لكنه يأبى كليا أن تلقى المعاني على قارعة الطريق دون أن يلمها شاعر يجيد طرحها من خلال إغنائها وإثرائها بما يتوجب. إن توظيف التراث العالمي والعربي في التعبير عن مشاعر الحزن والأسى سواء من خلال "كتاب الموتى" الذي يتزود به فرعون وأهل مصر القدامى ليعرض يوم الآخرة أمام الآلهة، أو توظيف طقس الآخرة كما هو في الكتب السماوية، فضلا عن ثراء النص من خلال توظيف أفكار شعراء ومفكرين نظروا إلى الحياة نظرة الفيلسوف المفكر فتح باب النص على مصراعيه مما يساهم في إضاءته وانفتاحه على عوالم أكثر رحابة من مجرد انتظار الموت.
لا يحتاج القارئ إلى كثير من الوقت كي يبحث عن معالم الحزن في شعر حسين مهنا، ولكنه بحاجة إلى دراسة مسببات الحزن وأنوعه، وكأن للحزن صورا شتى يتميز بها الواحد منا عن الآخر. فما لون حزن شاعرنا؟ وكيف يتعامل معه؟ هل يقف حائرا مستسلما؟ أم ما زال هناك متسع من الفرح على وجه البسيطة؟ وأي فرح هذا الذي ينشده؟

-3-

لقد وجدنا من الضروري أن نتوقف عند عنوان الكتاب كي نلج من خلاله إلى الداخل، فنرى إلى التهمة التي يوجهها نحو هذا العالم كونه "ليس بريئا". إنها تهمة كبيرة تحمل معنى الشمولية وتتضمن عتبا وغضبا تجاه ما يجري في هذا الكون، والعنوان كما نعرف، وكما يقول الكثير من الدارسين والمنظرين، بوابة النص الإبداعي، ولها دلالتها التي نراها هنا منتصبة أمامنا بوضوح. وهذا ما جعلني، كمتلق، أبحث عن مسببات هذه التهمة فحثثت الخطى نحو القصيدة التي وسم الكاتب ديوانه بها، فوجدت الشاعر يفتتح قصيدته بالنص التالي:

"فرحي جزر
ترحي مد
وحياتي ما زالت بحرا عاتي الموج
يقلقلني
ويعاند في صلف مرساتي." (ص62)

يصور الشاعر في هذه القصيدة حالة من التناقض بين ما يرى على أرض الواقع وبين ما يحلم به وما يرغب به. يروح منقبا عن حلم يراوده، فيه ورد جوري يتفتح في موعده، وحقول قمح تنتظر حاصدها شوقا، ومقاثي شمام بطوفي يزعجها و"يهاجمها" عصفور الزرعي. لكن ما أن يصحو الشاعر من حلمه حتى يقف في وجه الموج العاتي و"صمت البحارة"، فيحاول مرة أخرى أن يعود من التيه لعله يجد جزرا آمنة يحط فيها مرساته فيتوصل إلى النتيجة التالية:

"هذا العالم ليس بريئا كي أحلم بصباح وردي
لكني أطلب دفقة ضوء واحدة
تثنيني عن درب الأحزان،
فقد أجد نديما يسقيني كأس سعادته
أو يشرب كأس عذاباتي" (ص65)

يوظف الشاعر قصصا قديمة منذ نوح وسفينته أملا بالحمامة تعود حاملة غصن زيتونة، معرجا على هوميروس وقيثارته وعلى أساطير اليونانيين الإغريق أملا بعودة التائه عوليس عودة تسعد قلب العاشقة بنلوب، مرورا بالصاعدين على جبل "الجلجثة" لعل قصيدة فرح تمسح جراح الصاعدين إليه مشيا. فهذا العالم ليس بريئا منذ قديم الزمان، كان ولا يزال هناك ظلم، وكان ولا يزال هناك من يبحث عن بقايا فرح. وظف الشاعر الميثولوجيا اليونانية والمعتقدات الدينية من خلال عملية "إسقاط" فربط بين ما "حدث" في قديم الزمان مع ما يجري في عالم اليوم، وبالتحديد مع ما يدور في محيط الشاعر وفي عالمه الخاص، فمزج ما بين الأسطورة والحلم والواقع. فإن كنا نؤمن أن الأديب ينهل من واقعه فلنا أن نقول إن ما طرح أعلاه نابع من تأثر الشاعر بما يرى وبما يسمع وبما يحس، وهو واقع يعيشه كل المقهورين والمظلومين. لكنا نضيف أن الأخذ من الواقع والتأثر به لم يجعل الشاعر يصور العالم من حوله صورة فوتوغرافية، فالإبداع ليس نسخة طبق الأصل عن الواقع المعيش. هذا العالم مصبوغ بالقتل وبالدم وبالظلم وبالقهر، ولكن هناك بقايا فرح يحاول الشاعر أن يحافظ عليها وأن يساهم في الدفاع عنها، وفي خلق واقع بعيد كل البعد عن كل ما هو محبط وفتاك:

"ودعيني أتخيل ذاك النصر الغامر
يأتينا لا بحصان خشبي أثقله الغدر
ولا بدماء تتململ كل صباح
تلعن في صمت من أهرقها ثمنا بخسا
لإعادة هيلانة عن نزوتها.
لكن..
يأتينا بصباح يشرق وطنا
لا فوق الغيم
ولا فوق الماء...
سئمت الجزر
سئمت المد
وبحرا عالي الموج يقلقلني
ويعاند في صلف مرساتي" (الديوان ص66-67)

بعد متابعة القصيدة وقراءتها قراءة متأنية نعثر على عالم أدبي واسع في مكانه وزمانه، من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب. وبذلك لم تعد فكرة القصيدة تصويرا لواقع أليم، كما قد تبدو في فورتها الأولى، ولا هي مجرد انعكاس الخارج على الداخل، إنما هي على النقيض من ذلك، إنها انعكاس الداخل على الخارج. لقد بات العالم الشعري هو السابق والعالم الخارجي هو التابع واللاحق. نحن هنا لا نتحدث عن مشهد مرئي ملموس ومحسوس ولا نبحث عن الأساليب البلاغية التقليدية من تشبيه واستعارة وكناية وغيرها من الوسائل - رغم توفرها - التي من شأنها أن تجمل النص وتجعله "أدبيا"، بل إنه أوسع من ذلك إنها حالة نفسية داخلية. فهذا الداخل بات مجمعا غنيا للأفكار والأحاسيس والرؤى، فتفجرت بلغة مميزة هي لغة حسين مهنا. هذه اللغة في عرف كبار المنظرين "كلام" وليس "لغة" تقليدية رهينة محبسين أو ثلاثة محابيس، إنما هي كلام انفلت من عقاله.

-4-

لقد تفجر الحزن بركانا هائجا ما انفك يثور بين الحين والآخر، فيعفر الوجوه بلهيبه وناره، ويخلق واقعا مشوبا بعلامات الحزن والأسى والمرارة. بيت تأتي عليه النيران فيحاول ساكنوه إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وذئب يتربص بخشف فيحرمه متعة القفز في ظل أمه، وطفلة تبحث بين الأنقاض عن بقايا أهل. يحمل شاعرنا حسين مهنا ربابته يجوب من مشرق بلادنا حتى مغربها عله يتعثر ببقايا عرس وبقايا ولادة جديدة لبيت شعر صاغه شاعر أدمن البحث هو الآخر عن تجدد الحياة فيجده عند الشاعر الفلسطيني محمود درويش في قولته: "لم يمت أحد تماما، تلك أرواح تغير شكلها ومُقامها"، وينتقل من محمود درويش إلى من يعي ما ينتظره معلنا موقفه واضحا: "أموت وعيناي شاخصتان إلى شارع الرفض"، ومن الأممي نمر مرقس يروح ينبش في الذاكرة يوم كان طالبا فيخاطب أستاذه الشاعر شكيب جهشان: "صعاليك كنا- وأنت تحب الصعاليك-، كنا جياعا، وكنت المعري تنثر فينا بذور التمرد".

يتوقف حسين مهنا في ديوانه مع أشخاص أحبهم كابروا وثابروا وصبروا ولم يغادرونا إلا بعد أن تركوا ظلهم يمشي على روابي هذي البلاد، ولم ينل منهم غدر الزمان في قسوته عليهم ولم يفقدوا البوصلة. ورغم أنه خصص للمغادرين إلى الدار الأخرى ست قصائد في ديوان واحد، إلا أن القارئ لا يتوقف عند الأسماء، مع أنها أسماء لامعة، بقدر ما يتوقف عند المعاني التي باتت موقفا وفكرا لا يتقيد بهذا الزمان وذاك المكان. وبذلك تتحرر القصيدة من عقال الخصوصية وقيودها إلى رحاب الشمولية وفضاءاتها.

لم يتقيد حسين مهنا ب"أصول" شعر الرثاء كما عهدناه في تراثنا، ولم يتوقف عند تعداد مناقب المتوفين المألوفة، بل تعدى ذلك فجعل من قضية الموت ورحيل الأحبة موضوعا إنسانيا لتحريك مشاعر الآخرين وتجنيدهم للوقوف إلى جانب المقهورين والمظلومين والصابرين الذين صارعوا وصمدوا في سبيل كلمة الحق، ولم يدعنا للبكاء والترحم عليهم، كما عهدنا ذلك في شعرنا "التقليدي". على العكس تماما لقد أخذ فكرهم الإنساني داعيا إلى تعميمه ونشره:

"لكُم كان يخبو لهيب الفؤاد
ليبعث نارا
تحرك صمت الجموع
وليس أمامي سوى ثَقب إبرة ذاك الزمان البخيل
لأعبر من سفسطات الكلام
إلى ثورة العقل..
والفعل" ( الديوان ص4)

لا ينتظر الشاعر في هذه القصيدة ما سيقوم به غيره فنراه ينتقل مباشرة إلى ضمير المتكلم (الأنا) معلنا بذلك عن تماهيه مع صاحب هذا الفكر فيصبحان اثنين في واحد، وبذلك فهو يتبنى هذا الموقف ويعلن عما هو أبعد من ذلك، إلى تطوير الرؤيا والانتقال من طور الكلام إلى طور الفعل والعقل.

لو أخذنا القصائد الست التي أشرنا إليها لوجدنا أن الفكر الذي كان يحمله هؤلاء هو الدافع الأساسي الذي حرك أحاسيس الشاعر، فتراه يحن إلى صديق أديب دأب على متابعة ما يصدر من مؤلفات ينقب عنها في معارض الكتب، وحين يجدها ينبه أصدقاءه الشعراء والأدباء إليها كي تكون "خير جليس":

"لماذا إذا يا صديقي فتحت كتابا
أراك تطل علي
وتبسم..
ثم قليلا تغيب بياضا
مع الصفحة التالية!؟
لماذا إذا زرت معرض كتب-
إذا زرت مكتبة ذات يوم
أراك تهش بوجه صبيح
وتهمس لي: ههنا يا صديقي يطيب اللقاء
فإن طحنتك الحياة
وشح الصديق الوفي
تجد ههنا العيشة الراضية" (الديوان ص89-90)

تراني أتساءل أين المعاني التقليدية التي اعتدنا عليها في شعرنا العربي؟ إن ما يشغل بال الشاعر حسين مهنا هو تلك الخسارة الفكرية المتنورة لا خسارة الجسد والروح فقط. وهذا ما يميز جميع قصائده في هذا المجال، وكأني بالشاعر يدعو قراءه ومتلقي شعره إلى تخليد فكر هؤلاء. وهو فكر يدعو إلى التسامح والمحبة والتضحية والعطاء والعدالة الاجتماعية، وإلى ضرورة اكتساب الثقافة الحرة الكريمة. تراه يحزن على فراق صديق أدمن القراءة وعلى شاعر أدمن حب بلاده وعلى مرب أدمن العطاء وعلى صديق أدمن حب الجار.

-5-

قال العلماء إن الإنسان مخلوق اجتماعي، ونحن من أولئك الذين يؤمنون أن الإبداع على اختلاف أنواعه وطرقه وأشكاله هو وليد محيطه الاجتماعي، وليس صورة طبق الأصل عنه، إذ هناك الذات المبدعة. فما بالك حين يكون شاعرنا إنسانا مؤدلجا ذا إيمان بمبدأ سياسي واجتماعي أممي؟ الشاعر يكتب من أجل إيصال أفكاره للآخرين من خلال "وجهة نظر" معينة مستعيرين هذا الاصطلاح من عالم الرواية وبالتحديد من المنظر بيرسي لوبوك، رغم الاختلاف الكبير بين الرواية والشعر. فهو المرسل الذي يبحث عن المتلقي، لكنْ هناك دائما دور للقارئ السوبر، كما يسميه ريفاتير، وهو وسيط بين المبدع والمتلقي. فهل يبحث حسين مهنا عن
القارئ السوبر، أم عن القارئ العادي، أم عن كليهما؟

حسين مهنا، كما قلنا، شاعر مؤدلج يبحث في كتاباته عن العدالة الاجتماعية والسياسية على الصعيد الأممي وعلى الصعيد المحلي وعلى الصعيد الخاص، وهو يرى دائما أن هناك ظالما ومظلوما وأن هناك جانيا ومجنيا عليه. أما هو فينتمي إلى المجموعة الثانية عقلا وعاطفة، فيحتج عاتبا وغاضبا ومتألما:

"كأنا ولدنا وقودا رخيصا لهذي الحروب
سألت..!
لماذا يعيشون حتى يملوا الحياة
ونحن نموت وفينا اشتهاء لعمر
يزيد قليلا عن الأربعين،
وليس كثيرا -!! لنعرف طعم الكهولة
كيف يكون" (الديوان ص20)

من هنا جاء عنوان ديوانه "هذا العالم ليس بريئا"، ونحن نضيف أن هذا العنوان "ليس بريئا" ففيه رسالة تحمل "وجهة نظر" خاصة تجاه ما يحدث في هذا العالم الرحب والواسع، وسنرى بعد اطلاعنا على ما جاء في الديوان أن هناك فلسفة خاصة بالشاعر، أو عقيدة معينة يحاول إيصالها للقارئ.

يستطيع القارئ العادي أن يعثر داخل نص حسين مهنا على ما يدغدغ مشاعره ويخاطب عقله وكيانه وضميره، أما القارئ المتمعن فقادر أيضا على تناول وجبة لغوية وفكرية دسمة حين يبحث بين خبايا التعابير والكلمات. شاعرنا يبحث عن بقايا فرح فلا يتعثر به هنا، فيرمي "كلامه الفوضوي" في اتجاهات غير محددة، دون اللجوء إلى أسلوب الخطابة التحريضية المعتادة ضد محتل ما أو ظالم ما. لكنه، مع ذلك، يرسل شعرا يتقصد الحث والتحريض بهمسة صارخة شاكية قادرة على اختراق الكل اختراقا يصل حد الشغاف وأكثر. إنها "اللغة" على حد تعبير المنظرين الذين ميزوا بين "اللغة" و"الكلام". وبما أن "اللغة" نظام ثابت للجماعة فإن "الكلام" خاصية الفردي الذي يبحث عن حرية القول بعيدا عن مؤسسة "اللغة".
يبدو لنا جليا بعد متابعتنا للخطاب الشعري لدى حسين مهنا أنه اختار النبرة الهامسة المدججة برمزية شفافة، وصورا مبنية بالأساس على خلق حالات من التناقض تُبرز الفرق بين واقع مر أليم وبين أمل بحياة أفضل، وتُبرز التباين بين وضعيات مختلفة تتجلى فيها الفوارق الاجتماعية والسياسية والإنسانية من موقع لآخر ومن واقع معين لواقع آخر لمجتمعات مختلفة، فانعكس ذلك بوضوح في خطابه الشعري المميز الذي يتكئ على الصور الشعرية، وأسلوب الاستفهام الاستنكاري الذي يوظفه الشاعر في الكثير من قصائده.

لقد عرض الشاعر حالة إنسانية خاصة لشعب مقهور يبحث عن حق طبيعي يتجلى في مطلب عادل، وهو المساواة في حق الحياة، وفي طول العمر، شأنه شأن بقية البشرية على وجه الكون! فبقايا فرحه قد يجدها إذا ما تمكن شعبه من الحصول على طعم الكهولة لا أكثر. فإذا به يطالب بأقل مما يحق له ولشعبه: أن يجرب "عمر الكهولة كيف يكون"، لا عمر الشيخوخة. إنها الإيرونيا بكل تجلياتها المرة الساخرة، وكي تكتمل الإيرونيا نراه يضيف "وليس كثيرا" وهي، برأينا، ترجمة عن اللغة العامية، وليس ذلك وليد الصدفة لأنه يبحث هنا عن حق عادل لعامة الناس، لا للنخبة التي تتمتع بالحياة المرفهة، والتي اعتادت على تذوق طعم الكهولة وطعم الشيخوخة وطعم الحياة الحلوة المرفهة.

-6-

شاعرنا ذو نظرة إنسانية شمولية، سريع التأثر بما يدور حوله، وليس ضروريا أن يتأثر بحدث سياسي كبير كي يكتب. إن رؤية سوسنة ذابلة أو وردة تلوح عند سفح جبل أو منحدر تحرك كل مشاعره. يمر بجوار جزار يقوم بتهيئة ثور للذبح، وهو مشهد عادي في نظر معظم بني البشر. تتحرك لديه كل مشاعر الحزن والألم فيدير حوارا مونولوجيا، ويطرح أسئلة استنكارية عن سبب القتل والذبح منذ قايين وهابيل:

"كنت أمر،
وكان وحيدا ينظر نحو اللامرئي
وكان المرئي يشد خطاي،
بعيدا عن ذاك الواقف ينظر نحو الأفق الوردي
ويحلم بسهوب خضراء
وأنثى...
وأنا العبد المفتقر لرحمة ربي
أتعثر بالحزن
وبالضعف البشري
سألت: لماذا المدية سيدة الموقف
مذ قايين وهابيل...؟!" ( الديوان ص93)

بعد قراءة النص أعلاه تراني أطرح على الآخرين وعلى ذاتي "سر" المباشرة التي يتحدث عنها النقاد والدارسون! وأراني أعود إلى تلك "التهمة" التي توجه بين الحين والآخر لأولئك الشعراء الذين يرغبون بأن يفهمهم الآخرون ويتفاعلوا معهم ومع ما رأوا بأم العين، ومع ما شعروا وأحسوا حين عرض أمامهم مشهد هز مشاعرهم! لقد قال أحدهم إن أجمل الشعر هو ما يجعل جلدة رأسي تقشعر، فهل الصورة أعلاه قادرة على تحريك مشاعرنا؟ وهل عرضها بهذا الأسلوب من شأنه أن يثير انفعالنا؟

لقد وظف الشاعر المونولوج والاستفهام الاستنكاري واللغة التصويرية في المقطع أعلاه وفي القصيدة ككل، وتمكن بكل سلاسة أن يخترق فكر مخلوق غير عاقل يحلم بأنثى وبسهول خضراء. وكان للفكرة وطرحها بعد إنساني وأخلاقي، خاصة من خلال عملية "الإسقاط" على ما يدور من تقتيل وتدمير وانتهاك للأرواح، فاتسعت الفكرة وتشظّت لتصل آفاقا واسعة. إن ما يسعف الشاعر في جعل الفكرة تميل إلى الانفتاح لا الانغلاق على فكرة مباشرة هو لغة الخطاب العام. فاللغة تبدو في عين القارئ العادي مباشرة ومقيدة بموضوع مشهدي واحد، لكن حين نقف وقفة متأنية أمام الصورة العامة فسنرى أننا إزاء فكرة تتميز بشموليتها الإنسانية، فالرسالة قادرة على مخاطبة متلقين عديدين مختلفي الأجناس والمشارب. وهي في أسلوبها القصصي المكثف تمكنت من اختراق الذات والآخر، فتمكن شاعرنا أن ينقل وجهة نظره من زاوية رؤياه الخاصة وذلك من خلال ضمير المتكلم (الأنا) لتصبح وجهة نظره وجهة نظرنا نحن المتلقين أيضا. لقد تمكن الشاعر أن يأسرنا من خلال المقارنة "المباشرة" بين عاقل هو الشاعر وبين غير العاقل وهو الثور، فإذا المذبوح غافل والناظر يعذبه المشهد والقارئ المتلقي جزء من هذا المشهد.

لقد طرحنا أعلاه تساؤلا يبدو بسيطا في تكراره: لمن يكتب الشاعر ومتى. وبما أننا نتحدث عن المرسل والمتلقي فإنا نرى أن هناك نقطتين هامتين علينا الإشارة إليهما:

شمولية التلقي: شاعرنا تمكن من توسيع رقعة المخاطَب (بفتح الطاء) باختياره حدثا يصور أحاسيس إنسانية عامة إزاء مشهد هز مشاعره.

زمن التلقي ومكانه: إن الحدث أعلاه يمكننا قراءته والتأثر به اليوم وغدا، وفي أي مكان على وجه الكرة الأرضية.
يسعى شاعرنا دائما إلى توسيع رقعة المتلقين والمخاطبين، ليتماشى مع لا محدودية المكان والزمان. وهذا ما فعله في معظم قصائد هذا الديوان، حتى حين يكون الموضوع ذاتيا.

-7-

ما دمنا نتحدث عن هوية الشاعر حسين مهنا الشعرية، فحري بنا أن نشير في هذا المقام إلى ما ألمحنا إليه في مقدمة هذه المقالة ألا وهو حرصه على الشعر المموسق، لنعلن أنه يوظف الموسيقا والنبر والتوزيع الخارجي والداخلي فكريا ولفظيا ليكمل أحدهما الآخر. فكيف يفعل حسين مهنا ذلك وإلى أي مدى وفق في الدمج بين هذين العنصرين: الفكر والموسيقا؟
إن الموسيقا والانزياح من أهم مقومات الشعر، وهما ميزتان بارزتان للتمييز بين الشعر والنثر، لدرجة جعلت بعض الباحثين والدارسين يبحثون عن موسيقا الشعر المنثور. لقد لفت نظرنا مدى التجاوب ما بين النبرة الموسيقية والمشهد الشعري ومضمونه في قصائد حسين مهنا، ولنا على ذلك أمثلة عدة لعل من أبرزها قصيدة "مشهد تلفزيوني" (ص27). وبرأينا إن مدى التواؤم بين "المشهد" والمبنى الموسيقي من لفظ ونبر وتقطيع خارجي وداخلي قد ساعد النص الشعري في هذه القصيدة في الوصول إلى المتلقي .

تصور القصيدة مشهدا تلفزيونيا لذئب جائع ينهض من نومه للتو، تتحرك غريزته العدائية القاتلة، ويبدأ بالبحث عن طريدة حية تسد سغبه، فيعثر على قطيع من الظباء جاءت من بعيد تبحث عن ماء في الصحراء تسد به رمقها. يتربص بها الذئب ويختار خشفا هو الأضعف من بين أفراد المجموعة، ينقض عليه ويغرز في عنقه نابا قاتلة. تتابع عين الكاميرا تصوير المشهد المأساوي فإذا بنا كمتلقين ننظر إلى الحدث من خلال عيني الراوي/الشاعر الذي ينقل الحدث من خلال المقارنة ما بين صورة قطيع الظباء في بحثها عن الماء وبين صورة الذئب في بحثه عن طريدة، ومن ثم ما بين صورة الخشف في خرخرته ولهاثه واقعا بين أنياب الذئب، وبين فم الذئب "المنتصر يلطخه الدم". فيختم الشاعر هذا المشهد بالتعليق التالي:
"وأنا....

تحملني الدمعة نحو مصير الضعفاء
ويقتلني الغم" (الديوان، ص31)

قسم الشاعر قصيدته إلى سبع مقطوعات تنتهي كل منها بنقطة، وبذلك يمكننا النظر إلى سبع صور شعرية تتكئ بعضها على بعض من حيث تماسك الفكرة. وجدنا أن أول خمسة مقاطع تشترك فيما بينها بنفس النبرة الموسيقية (القافية): "غريزتها"، "عداوتها"، "مرارتها"، "قساوتها"، "طريدتها". أما المقطوعة السادسة والسابعة فلا تجمعهما قافية مشتركة.
كما يلفت النظر أن المقاطع الخمس الأولى تتشارك فيما بينها لا من حيث القافية أو النبرة الموسيقية فحسب، بل تتشارك من حيث المشهد الشعري المترابط في فكرته، حتى نصل إلى المقطع السادس الذي يصور بداية النهاية لمصير الخشف، فالمقطع السابع الذي يختتم عملية الافتراس وتعليق الراوي/ الشاعر على المشهد. وبهذا نرى أن التوزيع الموسيقي جاء ليخدم الحدث فكان جزءا منه، بالذات، حين نتابع الموسيقى الداخلية للقصيدة. قبل الانتقال إلى توضيح هذا الجانب يجب أن نشير إلى التوزيع المتوازي في الطول بين المقاطع الخمس الأولى، وإلى قصر المقطع السادس، نسبيا، لأن فيه "صمت" و "خرخرة"، ثم يأتي المقطع الأخير معادلا للمقاطع الخمس الأولى لأنه يشمل تعليق الشاعر.

لو نظرنا إلى القافية لوجدنا أنها لا تتشارك فيما بينها من حيث التقطيع النبري والإيقاع فحسب، بل في المعنى والدلالة أيضا، إذ يكمل أحدهما الآخر، ف"غريزتها" و"عداوتها" و"قساوتها" تتشارك في الدلالة الصارخة للجانب الجاني الشرس، أما "مرارتها" و"طريدتها" فهما الدلالة الواضحة للضعيف المجني عليه. وهذا ما أشرنا إليه سابقا حين تحدثنا عن أسلوب الشاعر المتكرر في خلق حالة من التناقض بين صورتين أو واقعين بهدف التحريض والتجنيد.

تحدث النقاد والدارسون، ومن قديم الزمان، عن التكرار اللفظي ودوره الموسيقي والمعنوي، ولو عدنا إلى القصيدة مرة أخرى لوجدنا أن الحركة المشهدية والصور التي يعكسها النص، في معناه ودلالاته، قد وجدت لها صدى وتجاوبا في الإيقاع اللفظي، ليس فقط في تكرار بعضها لفظا إنما في توظيف علامات الوقف الطويلة وتكثيف الأفعال، فاستجاب النص في إيقاعه للمعنى وانتقلت الصورة للمتلقي في هولها وحدتها وقسوتها وفي بطئها وتوجسها. لم يقتصر الأمر على القافية التي أتينا على ذكرها بل في تكرار الحروف والموسيقا الداخلية، والأهم من هذا وذاك هو الإيقاع المشهدي كما ينعكس في النص التالي:

"كانت عين الكاميرا
تتنقل ما بين الذئب المسكون بطيف فريسته
سغبي الناب -
وبين قطيع ظباء يصعدُ..
يهبُطُ ..
يصعدُ..
يهبط ..
يطوي الكثبان إلى ماء
قد يشفع للصحراء خداع الآلِ
وهول قساوتها.
سغبٌ .. عطشُ
عطشٌ .. سغبُ
تلك سماء الله بهاءٌ عجبُ
وعلى الأرض رمال لهبُ
والذئب الجائع يعدو .. يعدو ..
يقف قليلا .. يتجسسُ .. يتربصُ .. (الديوان، ص 28-30)

ليس عفوا ان اخترنا هذا المقطع الطويل وذلك كي نتمكن من توضيح ما نرمي إليه، وكم تمنينا لو كان بالإمكان اقتباس القصيدة كلها. هناك موسيقى في القافية وفي النبر وفي التقطيع، كما أشرنا أعلاه، كل ذلك جعل المشهد مرئيا ومحسوسا في تموجاته. فالقطيع في جريه وبحثه عن الماء "يصعد" و "يهبط"، والذئب في جريه وفي بحثه عن الفريسة: "يعدو"، "يعدو"، "يقف"، "يتجسس"، يتربص"، يعطي صورة حية ونابضة للمشهد فتناغمت الألفاظ في دلالاتها مع النبرة الموسيقية تناغما كليا. ففي الجانب الأول بحث عن الحياة وفي الجانب الآخر بحث عن الموت. إن التقطيع الذي نتحدث عنه هنا لا نحسه وندركه في النبرة الموسيقية فحسب، وفي توظيف النقاط، بل في توظيف الأفعال وتكثيفها، وفي المفردات ذات المعاني المتناقضة المتنافرة، في معناها ودلالتها أيضا، فإذا بنا في مواجهة الصراع الدامي بين الحياة والموت من خلال "سغب" "عطش". هناك حدث متحرك وصورتان متناقضتان، فيحصل الصدام القاتل بين النقيضين، يخسر الضعيف ويربح القوي، لأن "هذا العالم ليس بريئا".

-8-

تطرقنا أعلاه بإيجاز شديد إلى "اللغة" و"الكلام" وهو موضوع يستحق منا وقفة مطولة نرجو أن نجد الوقت الكافي، في مناسبة أخرى، للتوقف عندها بإسهاب لأن هذا الموضوع لم يأخذ حقه بعد في دراساتنا على صعيد الأبحاث وعلى صعيد النقد. ولكنا نصر على القول إن لكل الشعراء المبدعين كلاما خاصا متفردا ومتميزا. ونحن حين نقول ذلك نعني ما لهذه الكلمة من معنى كما هي في مفهوم المنظرين لا في المفهوم العام والمطلق. إنها هوية الشاعر الخاصة، وهي مفرداته وتعابيره وصوره وإيحاءاته. فقد اختط شاعرنا له مسلكا فنيا مميزا يبني بواسطته قوله الشعري، بعيدا عن التقليد قريبا من الإبداع المتفرد الخاص. إنه يبحث عن بقايا الفرح في هذا العالم الجائر: يحزن، يتأوه، يئن، ثم يغضب، ثم يصرخ. وهو في صراخه لا يسمع له صوت، لكنا نحسه أكثر مما نسمعه.

يلفت النظر ذاك التكرار الممنهج في العديد من قصائده لموضوعة توظيف الطبيعة، بشكل بارز مما يتجاوب مع الفكرة المركزية التي عالجها الشاعر، وكأنا به يصرح: أنا حزين لأني أفتقد المكان كما تخيلته وكما عشته. فلو عدنا إلى نصوص دواوينه كلها فسنجد ملامح بيئته في صورتها الخارجية من سهل وجبل وواد ونبت وشجر وحجر، وسنعثر على البيئة الاجتماعية الداخلية في عاداتها وتقاليدها، ولربما كانت قصيدة "لم يزل لي بيت" (ص68) خير مثال على ذلك.
شاعرنا، كما ذكرنا، حريص على "أصول" كتابة الشعر من موسيقى ولغة سليمة، فرأيناه يوظف الموسيقا من وزن وقافية، فضلا عن موسيقا الألفاظ والمعاني فيما تخلقه من إيحاءات. والأدب، كما ذكرنا، شعرا، رواية وقصة يعتمد في أساسه على اللغة، كأداة للتعبير. إن رصيد هذا الشاعر اللغوي عميق في جذوره، واسع وشامل وعريض في مداه، دقيق وسليم في أصوله.

شاعرنا كغيره من الأدباء الذين مروا في تجربتين قاسيتين: تجربة المرض على الصعيد الشخصي، والتجربة الجمعية التي مر بها شعبنا في هذه البلاد. فإذا به يقع بين فكي الصراع بين الحياة والموت، وبين الظلم والعدالة. فلم يجد فكاكا من الوقوع تحت طائلة الأدب المؤدلج الذي أخذ على عاتقه أن يبحث عن "عيوب" هذا الكون، أملا في خلق عالم أحلى وأفضل تسود فيه قيم العدالة، لكنه لم يغرق في مثاليات الرومانسيين، فصرخ على طريقته الهامسة.

وهو حريص على طرح قضايا اجتماعية تهم مجتمعه الصغير والكبير. لأنه ابن لشعب يبحث عن هويته في خضم ظروف قاسية، خشنة وحادة. وهو يكتب متأثرا أولا ومؤثّرا ثانيا. إلى أي مدى يتقصد الكاتب التأثير هو تساؤل مشروع، لمن يكتب وكيف ومتى هي أيضا تساؤلات شرعية وجب طرحها، بالذات حين نرى بعد المتابعة الدقيقة أن هناك رسالة وهناك مواضيع تلح على صاحبها ويلح عليها. فوجدنا أن المرسَلة لديه تنطلق في أكثر من اتجاه، تسير على رسلها لتخترق القاصي والداني، وتخترق الزمان كما تخترق المكان.

لقد وجدنا بعد اطلاعنا ومتابعتنا لكل ما كتب الشاعر حسين مهنا أن نبرة الحزن غالبة على معظم دواوينه، ولكنا مع ذلك نراه يتشبث بالحياة وبقايا الفرح. وهذا ما تفصح عنه القصيدة الأولى التي افتتح بها الديوان "لا..لست حزينا...ولكن..!؟"، وهي قصيدة مكتوبة "إلى روح الرائد نمر مرقص" يختمها بالعبارة التالية:
"أموت...!؟
دعوا بسمتي فوق وجهي" (ص6)
في شعره حزن وحنين وعشق، حزن على ما مر به على الصعيد الخاص والعام، وحنين إلى أيام جميلة مرت وانقضت، وعشق في أكثر من اتجاه، لكن الأهم أنه عشق للحياة الحرة الكريمة التي تفوح فيها رائحة الأرض الحبلى بالورد والزهر والثمر.

وترانا نعلن في خاتمة هذه المقالة أن محيط الشاعر حافل بالأحداث المرة والمؤلمة والساخنة، التي تستوجب الوقوف بقوة وإصرار كي لا يخمد لهيب الشعر "فإن الكلام الجميل يجر الكلام الجميل ويفتح بابا لشدو البلابل" (الديوان، ص24). فهل يطرح الشاعر بدائل لهذا الواقع المر؟ وهل هذا هو دور الشعراء؟
يبدو أن حسين مهنا كمن نذر شعره لتبقى الشمس مشرقة ويبقى صوته نايا شجيا يمجد هذي الحياة، فنثر قصائده بذورا تشق تراب الشجن والأسى لتبعث من جديد حرة قوية عاشقة للحب والحياة كارهة للموت والوهن. إنه صوت شعري يؤمن بمبدأ التواصل مع متلقين مختلفي الثقافات، يخاطب القريب كما يخاطب البعيد. إنه صوت شعري مدجج بثقافة واسعة تمتد إلى جذور الشرق وتمتح من حضارات الغرب.


رياض كامل

الدكتور رياض كامل، ناقد وكاتب فلسطيني

من نفس المؤلف