الفكر الشيعي وتجلياته في الأدب والشعر العراقي والعربي

، بقلم معصومة بويا

اعداد: الدكتور فرهاد ديوسالار عضو الهيأة العلمية بجامعة آزاد الإسلامية في كرج، قسم اللغة والأدب العربي، كلية الآداب، كرج، إيران. Email:divsalarf@yahoo.com
معصومه بويا طالبة الماجستير في اللغة والأدب العربي، كلية الآداب، كرج، جامعة آزاد الإسلامية، كرج، إيران. Email:masumeh_pouya@yahoo.com

جامعة آزاد الإسلامية في كرج، كرج، ايران.
Islamic Azad University, Karaj branch. Iran

العنوان: الفكر الشيعي وتجلياته في الأدب والشعر العراقي والعربي
Title: An Analysis of Shia Ideology and its Reflection in Arab and Iraqi Poetry

اسم الأستاذ: الدكتور فرهاد ديوسالار
اسم الطالبة: معصومة بويا

إن ظهور وتألق الأغراض الأدبية لاسيما الأغراض الشعرية رهن بكثير من الأمور والظروف التي لها دخل في إيجادها ونموها وتألقها أو ضعفها واندثارها. ومن الأمور ذات التأثير والمهمة هي الحركات الفكرية والدينية، وان التشيع كتيار فكري وديني قوي، له تأثير بالغ في تبلور أغراض الشعر العربي بشكل عام وفي العراق على نحو الخصوص .

تعتبر عقائد الشيعة وأفكارهم بيئة مناسبة لخلق حالة من التغيير في الآداب، وأصبحت عاملاً في صياغة ضروب من الشعر في شتى المجالات تحت مسمى الأدب الشيعي، والمراد من ذلك تلك الآثار الأدبية التي تجسد مشاعر أتباع آل علي (ع) وأحاسيسهم الدينية التي تأسست قواعدها عقب الشورى التي انعقدت في سقيفة بني ساعدة، فالتعاطي الصارم من قبل الشيعة مع الخلفاء الفاسدين أرسى دعائم أدب متجذر حيث ارتكز عمل الشعراء الشيعة على فضح الظلم والظالمين من حكام الجور وخلفاء الباطل، وقد صيغت هذه الوقائع على مر التاريخ الشيعي في أطار شعري من قبيل الغديريات، العلويات، الهاشميات، القصائد السبع العلويات، الشيعيات ..الخ، كما أصبح مدعاة لتبلورأدب المآتم والعزاء بما يختص به من حرارة واستعبار، في بيئة الأدب العربي والأدب العراقي ما أحدث تحولاً في الرثاء والحماسة والمدح والوصف وغيرها من الأغراض الشعرية .
إن مَثَلَ هذه النفحات الشعرية عند الشيعة كنسيم هب على الأدب العربي والأدب العراقي فأنعشه، وغدا شعر التشيع كشجرة راسخة ارتوت من دماء الشيعة . ونحن في هذا المقال نعمل على استعراض أغصانها الزاهية .
إن هذا البحث الذي يأتي على أساس منهج تحليلي توصيفي وبانتهاج منهج تاريخي يدور حول ظهور بعض المسائل من حيث البعد الزماني، يمثل خطوة باتجاه التعرف على شعر التشيع في العراق وتجليات الشعر الشيعي في الأدب العربي .
كلمات أساسية : التشيع ، الأدب الشيعي ، الأغراض الشعرية ، الأدب العربي ، الشعر العراقي .

المقدمة

ان نشأة ونمو وتألق الفنون الأدبية رهن بالبيئة التي غرست فيها ، فكلما كانت البيئة أكثر استعدادا وقوة فان ذلك الفن سيكون أكثر متانة وستكون أغصانه أكثر وأوسع ظلالاً .

من الأمور التي تترك تأثيرها في تنامي ورقي الفنون الأدبية لاسيما الأغراض الشعرية هي الحركات الفكرية والدينية ، وان قاعدة مثل هذه الحركات إنما تكتسب الاستعداد من خلال التطورات السياسية والاجتماعية والدينية لتصبح سبباً في حيوية ونشاط المجتمع ، فهذه التحركات الدينية تصقل الأفكار وتجلو روح المجتمع وتحول دون توقفها وتراخيها .
إن الفكر الشيعي الذي تتلاطم فيه الروح الثورية والإسلامية لأهل البيت ( عليهم السلام ) يمثل مهداً ملائماً لإحداث تغيير في الأدب ، وقد ترك تأثيراً بالغاً في تبلور أغراض الشعر العربي لا سيما الشعر العراقي . لقد نفخ التشيع روحه الثورية في الأدب وخلق شعراً رائعاً زاخراً وغني المحتوى ، أدباً يكون مرآة تعكس العواطف الدينية والمشاعر الطاهرة لأتباع علي وأهل البيت ( سلام الله عليهم أجمعين ) .
إن شعر وأدب كل قوم ودين يمثل مرآة شاملة تعكس أفكارهم وعقائدهم وتوجهاتهم ، وان شعر التشيع تجسيد لفكر ومعتقد صادق ، فلقد تجلى هذا الخط الفكري والثقافي الديني للشيعة في أدب شعراء التشيع وتبلور في قوالب خاصة به .
لقد أدت ولاية أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وغصب الخلافة إلى أن تستقطب واقعة الغدير الكبرى والمصيرية اهتمام الشعراء وتصنع الغديريات في الأدب الشيعي ، حيث جرت فضائل الإمام علي (عليه السلام ) ومدائحه على كل لسان ، واستنكر الشعراء حادثة السقيفة مؤكدين أهليته واستحقاقه (ع) لمقام الولاية والخلافة على المؤمنين وبذلك فقد تبلورت العلويات . فيما جاء الاحتجاج والاستدلال على أهليته (ع) لخلافة المسلمين بالهاشميات ، ودفع الحديث عن الأوضاع الصعبة والأليمة التي يعيشها الشيعة بالشريف الرضي إلى أن ينظم الشيعيات .
إن واقعة عاشوراء من الأحداث المهمة التي خلقت تغييراً ملفتاً للنظر في الأدب العربي لا سيما الشعر الديني وجعلته يدخل مرحة جديدة ، فأحدثت تغييراً في الرثاء والوصف والملحمة وأصبح لأدب المأتم والرثاء باب مستقل في الشعر .
يحاول هذا البحث – متوسلاً بمنهج تحليلي توصيفي وبرؤية تاريخية – بيان تأثير التشيع باعتباره حركة فكرية كبرى على أغراض الشعر العربي لا سيما الشعر في العراق ، وبحث خصائص هذا الأدب الأصيل ، ومن ثم تصوير القدرة الأزلية للشعر الشيعي في شعر شعراء الشيعة وغيرهم .
من الممكن تقسيم التحقيقات المتعددة حول الأدب الشيعي إلى ثلاثة أقسام ، الأول : هو المؤلفات التي تتطرق إلى ترجمة شعراء الشيعة والتعريف بهم . الثاني : هو الذي يبحث الأدب الشيعي وينقده من وجهة نظر أدبية ، سياسية واجتماعية ، والثالث : هو الذي تطرق إلى الحالة التصويرية في الشعر الشيعي والصور الفنية والتمثيلية فيه . بيد انه لم يجر تحقيق لحد الآن فيما يخص تأثير الشيعة في بروز أغراض حديثة بالرغم من بحث كل واحد من هذه الأغراض والفنون على حدة في كتب ومقالات متنوعة ، من قبيل بحث الهاشميات من مختلف الأبعاد في مقال ( الهاشميات جهاد من نوع القلم ) ، أو إيراد أشعار الغدير لمختلف الشعراء في كتاب الغدير النفيس ، غير أنه لم يتم النظر إليها بهذه النظرة في أي من هذه الكتب .
جرى في هذا التحقيق السعي لبحث هذه الحركة الفكرية من حيث تأثيرها في خلق أغراض شعرية جديدة في الأدب ، والبحث فيما إذا كان الأدب الشيعي هو المتأثر دائماً بالأحداث والوقائع المحيطة به أم أنه حركة قوية مؤثرة ولها بصماتها ؟ وفي هذا المقال إجابة لهذا التساؤل .
العوامل السياسية والاجتماعية في نشأة الخط الفكري للشيعة
يعود تاريخ نشوء التشيع إلى عهد نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله) وعلى أيدي جماعة متحررة من العصبية القبلية والعنصرية وكان شغلها الشاغل الإسلام ورفعته فقط. يقول الكاتب والمحقق المعاصر كامل مصطفى الشعيبي : لقد كان هدف أتباع علي (عليه السلام) الحفاظ على الإسلام في أطاره الحقيقي والطبيعي الذي أراده الله ورسوله ، وفي الحقيقة إن التشيع كان حركة تعارض الفئات التي كانت تريد تأطير الإسلام بأطر سياسية واجتماعية تتفق مع مصالحها وتبعده عن جوهره الحقيقي . إن أول ما حاربه الشيعة هي الألاعيب السياسية التي تفشت بقوة في أوساط المجتمع الإسلامي تحت يافطة المصالح الإسلامية بعد رحيل النبي (ص)، من هنا فقد نزلت بهم أشد المحن ومورست بحقهم أقسى الضغوطات في عهد معاوية (الشعيبي 1969 ، ص 21 – 23) .
لقد أدى الظلم والجور الذي مورس بحق الأئمة وأتباعهم عبر التاريخ منذ عهد الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) والأئمة الأطهار (عليهم السلام)، أن يجسد تراثهم الأدبي صرخات الإحتجاج ضد الظلم والظالم في كل زمان ومكان ويكون المنادي للثورة والنهوض في شرق الأرض وغربها (شبّر ، 9 ، 14، ج 1، ص 8) .
لقد تحدث الرسول الأكرم (صلى الله عليه واله وسلم) مراراً في أيام حياته المباركة عن شأن علي (عليه السلام) ووضعه إياه بمنزلة هارون من موسى وإبرامه عقد الأخوة مع علي وتزويجه قرة عينه فاطمة الزهراء (سلام الله عليها)، وفي آخر حجة له قام (صلى الله عليه وآله) في غدير خم رافعاً يد علي أمام الملأ معلناً ولايته، بيد أن فئة اجتمعت في السقيفة بعد رحيل الرسول الأكرم (صلى الله عليه واله) فغرست بذرة الشقاق بين المسلمين وسلبت حق الخلافة من علي (عليه السلام ) وفي المقابل انبرت جماعة من خواص صحابة النبي لمعارضة ما قرره هذا الاجتماع، ومن هنا انطلق الخط الفكري للتشيع .
وفي زمن الخلفاء الراشدين وحكام بني أمية تبلورت خطوط فكرية ودينية متعددة فبرزت أحزاب من قبيل الشيعة ، الأمويين، الخوارج، الزبيريين، الشعوبيين، ولكل منها شعراء رفعوا راياتهم الأدبية ، وكان الخط الفكري للتشيع أقوى هذه الأحزاب بتميزه بعمق المشاعر والعواطف الدينية الطاهرة والعادلة القائمة على الإحساس والمنطق والاحتجاج والمواجهة الصارمة ضد الخلفاء الفاسدين. ولقد أرسى قواعد رصينة للأدب إذ كان جوهر عمل شعراء التشيع هو توضيح المظالم التي يرتكبها حكام الجور والخلفاء الغاصبون، فلقد كانوا يجاهرون في تجسيد معتقداته الدينية وتوجهاتهم السياسية في الشعر (النعمة 1400ق،ص85).
لقد تعرض الشيعة في الحقبة الأموية إلى الظلم أكثر من أي زمن آخر لما مارسوه بحق الأمام الحسين (عليه السلام ) وأبنائه (ضيف 1427ق، ج 2: 315)، وبعد الحكم الأموي آلت السلطة إلى العباسيين، وفي بحبوحة انتقال السلطة انطلق أدباء الشيعة بنشاط ملفت للنظر إذ كانوا يجاهرون بالإفصاح عن معتقداتهم الدينية وتوجهاتهم السياسية من خلال شعرهم (النعمة 1400ق ،102) .
لقد دخل الأدب الشيعي مرحلة جديدة في العصر العباسي، ففي هذا العصر أنكبوا على المجاهرة بمشاعرهم والإعلان عن فكرهم الشيعي وكان من أبرزهم السيد الحميري، دعبل الخزاعي، ديك الجن وأبي تمام ، كما كانوا يركزون بعواطف ملؤها الحرارة والفكر الوضاء والأسلوب المتين على حبهم لأهل البيت (عليهم السلام) (المصدر نفسه : 114) .
ظاهرة التشيع في الأدب
لقد كان للقرآن - المعجزة الكبرى للنبي والزاخر بالبلاغة والإعجاز في الكلام - وبراعة الأمام علي (عليه السلام) وفصاحته بالكلام، والسجالات والنقاشات السياسية والثورية للشيعة في العهدين الأموي والعباسي دور مهم في نشوء أدب التشيع لاسيما في دائرة الشعر والشعراء ، فلقد كان للأدب وخاصة الشعر شأن شامخ في أوساط الشيعة منذ ذلك اليوم الذي أصبح فيه حسان بن ثابت لسان الإسلام البتار، وذلك اللسان الذي اعتبره الرسول (صلى الله عليه واله) مجرى لمنطوق جبرائيل الأمين في تثبيت واقعة الغدير أصبح حاملا لراية الشعر الشيعي وفيما تلا ذلك كانت هنالك مضامين تتمثل في الرد على افتراءات المخالفين وبيان المظالم وذكر المصائب والدفاع عن الحقوق وشرح الأحداث مثل فاجعة الطف وسجن الأئمة الأطهار (عليهم السلام ) وقتلهم .
لدى التحقيق حول الشعراء في تأريخ الإسلام نرى أن الشيعة كانوا في طليعتهم وأبرزهم على مدى القرون حيث أطلقوا العنان لأقلامهم في جميع فنون الشعر وخطفوا قصب السبق من الآخرين , ولقد كان البعض يسمي الأدب الشيعي بالأدب الحديث فهو الأدب الذي سلك مساراً جديدا في الفكر والاستدلال وفهم شتى المسائل ، وكانت مقوماته الحقيقية هي الدفاع الشامل عن مبادئ أهل البيت (عليهم السلام) وحقهم والصدق في المشاعر، وبهذه المقومات قدم مشروعاً كاملاً وحديثاً في الأدب (طه حميده 1409، ص 11)
أن الأدب لغة العاطفة والشعور ومظهر الأمان والآمال وبما أن المعتقد منطلق الكثير من التوجهات والطموحات والأمنيات وهو يفوق أي عامل آخر تأثيراً في خلق هذه الطموحات والرغبات فمن الطبيعي أن ينبعث الأدب من المعتقدات شأنه شأن هذه الرغبات.
أن المعتقدات التي انطلق منها الشيعة كانوا قد ترعرعوا عليها ولقد انعكست في أدبهم، وان الزمان والبيئة باعتبارهما بؤرتين في نشوء ونمو الأدب فان لهما تأثيراً مباشراً لا يمكن إنكاره في تطوره.
لقد كانت لعناصر التطور في شعر التشيع وأدب التشيع باعتباره جزءاً من الأدب العربي الإسلامي مميزاتها العامة، لكن يبقى للروح الدينية والباعث الداخلي الاعتقادي تميزها واختلافها سواء كان منها في الشعر الجدلي أو الاحتجاجي أو شعر القريض أو الرثاء .
من الممكن تحري عناصر التغيير في الأغراض الشعرية وخصائص شعر التشيع في عدة أمور:
حيوية الفكر الشيعي ونفوذه في أعماق شعراء الشيعة .
ثقافة الفلسفة والكلام التي هيمنت على الأجيال المسلمة المتوالية وفتحت أمامهم آفاقاً ذهنية وتوجهات عقائدية مما أدى إلى ترصين الفكر الشيعي ودفعت الشيعة إلى الاستفادة أكثر من ثروتهم العقائدية في آثارهم الأدبية .
الروايات الواردة عن النبي والأئمة الأطهار (عليهم السلام) التي تحث على نشر وبسط الثقافة الشيعية وخط أهل البيت وذكر فضائل النبي (صلى الله عليه وآله)، فلقد تصاعد الاستلهام من هذه الروايات بنحو لم يسبق له نظير وأضفى على الأدب الشيعي شكلا وعمقا ولغة خاصة، وبالإضافة إلى ذلك فإنه شاع بأسلوب بياني سلس وبسيط مما لم يكن متداولاً من قبل .
لقد كان للطبيعة المحزنة التي عمت الآفاق السياسية في تاريخ الشيعة وما مرّ على هذه الطائفة والأحداث التي مرت على الشيعة على مدى فترات مختلفة دخل معها الشيعة ميادين جديدة، تأثير في بلورة الأدب الخاص بالشيعة , فالجوهر الحقيقي للشعر الشيعي هو العاطفة والشعور الأصيل ، ولقد اعتبر البعض الشعر الشيعي وليد العاطفة ، عاطفة الحزن والغم والغضب (طه حميده 1409، ص 315)، ومن المزايا الأخرى للأدب الشيعي هدفيته (إن من أهم أهداف الشعر الشيعي طبيعة الهداية الدينية الموضوعة في إطار أدبي بأسلوب فني ) (ضيائي 1384، ص 144).

أدب ملتزم وشعراء ملتزمون

لقد تنامى الأدب الملتزم وترسخ في ظلال التشيع الوارفة ، ومن الجدير بالذكر – قبل التطرق الى بعض الشعراء الملتزمين – إن الأئمة الأطهار (عليهم السلام) لم يكونوا يؤيدون شعر أيّ كان ، ولإثبات هذا المدعى حري الإشارة إلى قضية شعر عتبة بن أبي لهب كي يُعرف الشاعر الشيعي الملتزم على نحو أفضل :
بعد رحيل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعندما كان الإمام علي (عليه السلام) منهمكاً بغسل نبي الرحمة وتكفينه ، اجتمع جماعة في سقيفة بني ساعدة واخذوا يتباحثون لتنصيب خليفة لرسول الله ، فغضب بعض الهاشميين ليس من اجل الإسلام والأمة الإسلامية بل من اجل مصالحهم القبلية وافتعال الفرقة بين المسلمين فذهبوا عند باب بيت النبي وانشد عتبة هذه الأبيات :
ما كنتُ أحسبُ أن الأمرَ منصرفٌ عن هاشمٍ ثمّ منها عن أبي حسنِ
أليسَ أولَ مَن صلى لقبلته وأعلمُ الناسِ بالقرآنِ والسننِ
وآخرُ الناسِ عهداً بالنبي ومَن جبرئيل عونٌ له في الغسل والكفَنِ
(ابن أبي الحديد 1965 ، ج 5 ، ص 21) .
أي لم أكن أتصور أن الخلافة تصل إلى غير بني هاشم وتُصرف عن أبي الحسن ، ألم يكن علي أول من صلى ، وهو الأعلم بالقرآن؟ ألم يكن آخر شخص عهداً برسول الله وقد أعانه جبرئيل على غسل رسول الله وتكفينه ؟
وفي ضوء ما كان لعلي (عليه السلام) من معرفة عن أسرة أبي لهب ، كان يعلم أن هؤلاء لا يدفعهم الحرص على الإسلام ، فأرسل إليه من يمنعه من إنشاد هذا الشعر. بناء على هذا يجب أن يكون هدف الشاعر مقدساً كي يحظى بالتأييد .
يعد أبو الأسود الدؤلي من أقدم أتباع علي (عليه السلام) وأجلّهم ، وإن أشهر شعره في مدح إمام الرحمة يبدأ بهذا المطلع :
يقول الأرذلون بنو قشيرٍ طوال الدهر ما ننسى علياً (المرزباني 1413 ق ، ص 30)
لقد كان الفرزدق ، همام بن غالب شيعي المذهب ولهذا السبب ذمه الأصمعي ، وبسبب خوفه من بني أمية كان لا يظهر تشيعه ، وقد مدح الإمام السجاد (عليه السلام) مفتتحاً بهذا المطلع :
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحلّ والحرم (المصدر نفسه ،ص 65)
والكميت بن زيد الأسدي ابن اُخت الفرزدق ومن أشهر أدباء التشيع الملتزمين والمشهود لشعره التأثر بالفكر الشيعي :
مَن لقلبٍ متيمٍ مستهامٍ غير ما صبوة ولا أحلام (المصدر نفسه ، ص 74)
وكان السيد الحميري من أبرز شعراء الشيعة وموضع رعاية خاصة من قبل الأئمة لاسيما الإمام الصادق (عليه السلام) وقد كتب شعراً رائعاً في غدير خم ومدح أهل البيت (عليهم السلام) ورثاء سيد الشهداء (عليه السلام) وشهداء كربلاء، وكانت أسرته بعيدة عن محبة أهل البيت لكنه كان مولعاً بآل علي، ولقد أنشأ قصيدة في مناقب أهل بيت الرسالة مطلعها :
بيت الرسالة والنبوة والد ين نعدهم لذنوبنا شفعاء (ابن شهراشوب 1364 ، ص 2)
ورغم تشكيك البعض في تشيع دعبل بن علي الخزاعي صاحب التائية الخالدة، من الممكن اعتباره من شعراء التشيع البارزين، ومطلع قصيدته :
مدارس آيات خلت من تلاوة ومنزل وحي مقفر العرصات (المرزباني 1413 ، ص 100)

واشتهر سفيان بن مصعب العبدي الكوفي بشاعر آل محمد ( عليهم الصلاة والسلام ) ولقد كان متميزا من الناحية الفكرية إلى الحد الذي قال الإمام الصادق (عليه السلام) : علموا أولادكم شعر العبدي فهو على دين الله، وله قصيدة من 78 بيت مطلعها :
هل في سؤالك رسم المنزل الخرب برء لقلبك من داء الهوى الوصب (المصدر نفسه ، ص2)
تأثير خط التشيع على الشعر العربي والعراقي
هنالك الكثير من الأمور التي لها دور في نشوء الأغراض الشعرية ومسارها والتي تؤدي إلى تطور الفنون الشعرية وتناميها وارتقائها أو اندراسها وانقراضها، وان التشيع باعتباره خطاً فكريا ودينياً له تأثير كبير في الشعر العربي وأغراضه على نحو العموم وعلى الشعر العراقي الذي هو منتج شيعي بشكل خاص .
لقد تحدث العالم البارز محمود البستاني في كتابه النفيس (تاريخ الأدب العربي في ضوء المنهج الإسلامي) بالتفصيل عن الصور المتعددة للشعر في زمن كلّ واحد من الأئمة (عليهم السلام) متناولاً الأزمنة الشيعية المختلفة على أساس تأثير الشيعة على الفنون الأدبية .
اتخذ فن الرجز طابعاً خاصاً في عهد الإمام علي (عليه السلام) نتيجة خوضه الحروب ضد المتمردين والخوارج لا سيما في حرب صفين، وبرزت في شعر هذه المرحلة عناصر الدليل والإحتجاج والتمثل بالقرآن، فمثلاً قيل خلال معركة الجمل :
سيروا أبابيل وحثّوا السيرا إذ عزم السير وقولوا خيرا (الطبري ، ج 3 ن ص 495)
لقد اتخذت القصيدة طابعاً سياسياً بيد أن الفكر والمعتقد الشيعي كان مهيمناً عليها ، ولقد تركت شهادة الإمام علي (عليه السلام) تأثيراً عميقاً على الأدب لاسيما الشعر، ولم يقتصر على ذلك العصر بل امتد إلى جميع العصور، وحيثما جرى الحديث عن الإمامة فأنه لم يبق في حدود العاطفة، بل يتم التصريح بأنها حق لا بد أن يسترد، وان عدل علي (عليه السلام) الذي كان احد الأسباب في استشهاده أصبح احد أصول الدين في مذهب التشيع وغدا العدل الإلهي مطمحاً للشيعة. أنشد أبو الأسود الدؤلي في استشهاد قائلاً :
أفي شهر الصيام فجعتمونا بخير الناس طراً اجمعينا
قتلتم خير من ركب المطايا وذللها ومن ركب السفينا (الأمين ، ج 2 ، ص 313)
وفي عهد الإمامين الحسنين (عليهما السلام) أعاد معاوية والأمويون وبدافع تعصبهم الجاهلي، أغراض ما قبل الإسلام إلى الشعر ، ولقد كان الإمام الحسن المجتبى ( عليه السلام) الذي حمل راية العلم النبوي قد حافظ على الشيعة بصلحه مع معاوية ، وبعد استشهاده غريباً روى الإمام الحسين (عليه السلام ) بدمائه ودماء أصحابه شجرة الشيعة وضمن بقاءها، إذ كانت واقعة كربلاء الشرارة التي ألهبت المشاعر الولائية فأدخلت عنصر الحزن والغضب والملحمة والجهاد إلى الأدب الديني فأضفت عليه صبغة جديدة لا نظير لها، ففي ظل واقعة كربلاء الدامية تألق الشعر الملحمي الذي هو من أغراض الشعر العربي .
من الناحية السياسية تنكر معاوية للشيعة بحيث أنه كان يسب علياً (عليه السلام) في خطبه، فتولد خلال هذه الفترة شكل خاص من الشعر السياسي في الأدب الشيعي بنحو أنهم كانوا يحملون تارة بشكل علني وجريء على الأمويين وأعداء أهل البيت (عليهم السلام)، وتارة كانوا يتوسلون بسلاح التقية (السيّاحي 1382 : 308)، وعندما استقر المقام لخلفاء بني العباس ورست لهم الخلافة عمدوا إلى تغيير منحاهم وأوعزوا إلى الشعراء بأن يسبوا أبناء علي (عليه السلام) (مغنية 1343 : 163).
تأثير الشيعة في شعر أهل العراق
إن العراق باعتباره مهد حضارة ما بين النهرين ومنطلق الأنبياء العظام، يتميز بثرائه الثقافي وعمق حضارته التي تضرب في أعماق التاريخ ، وفي ضوء ذلك فان العراق يتميز بعلو كعبه في مجال الشعر والشعراء من بين البلدان العربية ، وان التحري عن الآثار والمصادر التاريخية والأدبية يبرهن على أن شعراء التشيع في العراق تميزوا بتضلعهم في جميع فنون الشعر على مدى التاريخ الإسلامي وفي جميع فتراته، ولقد امتاز شعر الشعراء من الشيعة عن شعر غيرهم لصدق العاطفة ومتانة المعاني لأن عنصر الإلهام لدى شعراء الشيعة لم يكن دنيوياً بل له جذور في ولاية أهل البيت (عليهم السلام) .
إن شعراء الشيعة من أهل العراق ينشدون الشعر بشغف وحماس خاص، ولقد كانت العاطفة والغضب والحزن والعشق تتلألأ في أشعارهم ، فالغضب لما حل بأهل البيت (عليهم السلام) والحزن للمصائب التي نزلت بآل العصمة أضفى القوة على شعر الرثاء، والحب لهذه العترة لما تتميز به من مناقب لا حصر لها أسس لشعر المديح المنزه الخالي من المطامع المادية، فألقت هذه المشاعر الثلاث بظلالها على الأغراض الشعرية لأهل العراق فحلّقت في ديار الشيعة الصادقين العلويات والشيعيات والغديريات .. الخ ليصبح العراق حاملاً لراية الشعر الشيعي في العالم .
إن قيام الشيعة في العراق الواحد تلو الآخر يحمل دلالة على صلابة الشيعة ولقد كان للشعر العربي لاسيما في العراق دور متميز في الحفاظ على آثار هذه الثورات، وفي المقابل كان شعراء بني أمية الذين شدوا حزام الهمة لخدمة الأمويين قد شرعوا ألسنتهم السليطة في هجاء شعراء أهل العراق، ومن بين ذلك ما قاله كعب بن جعيل :
أرى الشام تكره ملك العراق وأهل العراق لهم كارهونا
وقالوا عليٌ لنا إمام فقلنا ابن هند رضينا (شهيدي 1390 ، ص 253) .
لقد كان لشعراء العراق تأثير كبير في الشعر العربي، وان ارض العراق التي رويت بدماء الكثير من الشيعة دفاعاً عن أهل البيت (عليهم السلام) أصبحت مولداً لشعراء نهضوا لجهاد حكام الجور بشعرهم، وقد أرخصوا جماجمهم في هذا السبيل ونالوا الشهادة لقولهم الحق ودفاعاً عن أهل البيت (عليهم السلام) ، فجرى شعرهم جارفاً متلاطماً كنهر الفرات الذي يشهد على مظلومية آل العصمة ليروي شجرة المشاعر والعواطف .
في هذه الأثناء كان للحلة وأهلها الحصة الأكبر في التأثير الأدبي فلقد انبرى من هذه المنطقة شعراء كبار مثل صفي الدين الحلي، علاء الدين الحلي , ابن رشد الحلي، فيما كانت الكوفة محط اهتمام منذ البداية باعتبارها مركزاً للتشيع. لقد تأثرت الأغراض الشعرية في العراق بالتشيع، فإذا ما اُنشد الغزل فإنما يكون في حب أهل البيت (عليهم السلام) إذ أسكرهم خمر ولايتهم، وإذا ما انشدوا شعرهم في المديح فهو خال من كل طلبة أو منة بل ينبع من أعماق وجودهم وتصبغه ملحمة عاشوراء بلون الدم والحماس الذي لا ينفد مشفوعا بالاعتذار عن عدم مرافقتهم قافلة كربلاء العظيمة . إن هذه الأرجوزة المفعمة بالحزن لن تنطفئ بالعراق .
تجليات الشعر الشيعي في الأدب العراقي
لقد أصبح للشعر أغراض مقدسة وخالدة تحت ظلال التشيع , فالشعراء من الشيعة وغير الشيعة ممن تغلي في وجودهم العواطف والضمير الديني ويتمتعون بذاكرة تاريخية جيدة لاستذكار الحقائق في عهد النبي (صلى الله عليه وآله) قد جعلوا لحسهم الديني والوجداني هذا تجليات في الشعر، وصرخوا بذلك التاريخ الذي طواه النسيان وبتلك المظلومية التي طالت الشيعة، في قالب أشعار رائعة بنحو ان تلك الصرخات المنادية بالعدل والمعلنة عن مظلومية الشيعة ما فتئت تطرق الأسماع بعد قرون متمادية فينحني لها المسلمون وغيرهم .
في هذا المقال نظرة سريعة على أشعار عاليها راية التشيع الخضراء ، إنها تحمل هوية التشيع ، إنها أشعار قد تبلورت فيها طموحات التشيع وأفكاره .
الغديريات
إن رؤية الشيعة واستدلالهم الرصين فيما يخص قضية الغدير والولاية يتمثل في أن الله سبحانه وتعالى لم يترك البشرية لحالها ، واستناداً للنص القرآني فان الله عز وجل هو الذي اختار علياً (عليه السلام) للولاية موعزاً لنبيه إبلاغ ذلك في آخر حجة له. لقد دفعت قضية ولاية أمير المؤمنين وغصب الخلافة إلى أن تستقطب حادثة الغدير اهتمام الشعراء .
إن السيد الحميري من الشعراء الكبار وكانت له أشعار كثيرة في حادثة الغدير، هي كصرخة تنزل على رؤوس من غطوا في نومهم عبر التاريخ ، أولئك الذين أغمضوا عيونهم عن ماض ليس ببعيد من اجل ضمان مصالح مادية لأيام معدودات. لقد تبوأت غديريات السيد الحميري مقعدها في مهد الشعر الشيعي، وللسيد الحميري 23غديرية من بينها هذه الغديرية الرائعة :
يا بائع الدين بدنياه ليس بهذا أمرُ اللهِ
من أينَ أبغضتَ على الوصي وأحمدُ قد كان يرضاه
أقامه من بين أصحابه وهم حواليه فسمّاه
هذا علي بن أبي طالب مولى لمن قد كنت مولاه (الحميري 1999، ص22)
وكان حسان بن ثابت من الشعراء المعروفين في القرن الأول الهجري وهو من المخضرمين، وقد حاز لقب (شاعر النبي) (الضيف 1119 ، ص 77)، وحسان بن ثابت أول من أنشد في الغدير، وقد سُجل شعره كسندٍ تاريخي حول الغدير :
يناديهم يوم الغدير نبيهم أنعم وأسمع بالرسول مناديا
فقال مَن مولاكم ونبيكم ؟ فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا
إلهك مولانا وأنت نبينا ولم ترَ منا في الولاية عاصيا
فقال له قم يا علي فإنني رضيتك من بعدي إماما وهاديا
من كنتُ مولاه فهذا وليه فكونوا له أتباع صدق مواليا ( الأميني ، ج 3 ، ص 56 )
العلويات
لقد جرت فضائل ومناقب الإمام علي (عليه السلام )على الألسن. وفي المقابل استنكر الشعراء حادثة السقيفة فكانوا يرون الولاية والخلافة على المؤمنين حقا له (عليه السلام) ، ولقد أدت هذه الفكرة إلى أن تتبلور العلويات، وهي مجموعة أشعار نظمها الشعراء في مدح أمير المؤمنين (عليه السلام ) ووصفه .
لم ينظم السيد الحميري سوى أبيات قليلة في رثاء أخيه أو في مدح خلفاء بني العباس أيام ثورة الناس ضد الأمويين عندما كان العباسيون يصورون أنفسهم مدافعين ومحامين عن أهل البيت (عليهم السلام) , أما باقي شعره فكان يسير من اجل هدف مقدس وهو اثبات حقانية علي وأهل البيت (عليهم السلام) وذاك ما عرف في شعر الشيعة بالعلويات.
علي أمير المؤمنين أخذ الهدى وأفضل ذي نعل ومن كان حافيا
أسّر إليه احمد العلم جملة وكان له دون البرية واعيا (الحميري 1999 ,ص 220)
ونظم النابغة الجعدي في مدح علي (عليه السلام) قائلا :
قد علم المصران والعراق إن علياً فحلها العتاق ( الجعدي 1964)
ولأبي الأسود الدؤلي أشعار من بينها شعره رداً على زياد ابن لبيد احد الولاة المعينين من قبل معاوية في العراق :
يأبى المغيرة رب يوم لم يكن أهل البراءة عندكم كالمجرم
الله يعلم أن حبي صادق لبني النبي وللوصي الأكرم (المرزباني 1413,ص 32)
ونظم كعب ابن زهير الذي يعتبره ابن شهر أشوب من شعراء أهل البيت في وصف علي قائلا :
صهر النبي وخير الناس كلهم فكل من رامه بالفخر مفخور
صلى الصلاة مع الأمي أولهم قبل العباد ورب الناس مكفور ( العاملي , ج 1,ص 236)
الشيعيات
ولد الشريف الرضي في القرن الرابع الهجري في بغداد من أب وأم يصل نسبهما إلى الأئمة ، وللشريف الرضي أشعار في رثاء ذوي القربى لاسيما رثاء سيد الشهداء وهي الفخريات , الحجازيات والشيعيات . ومما يؤسف له إن بعض من كتب التاريخ لم يورد ذكراً لشيعيات الشريف الرضي في تأريخه وهذا بحد ذاته شاهد على مظلومية الشيعة عبر التأريخ ، فشيعيات الشريف الرضي تحكي الحياة الشاقة للعلويين ومراثي الشريف الرضي تضعه في مصاف أفضل من نظم الرثاء من العرب (محي الدين، بي تا، ج 19:1)
بني اُمية ما الأسياف نائمة عن شاهر في أقاصي الأرض موتور
إن السّلو لمحظور على كبدي وما السلو على قطب بمحظور (الشريف الرضي، بيتا ،ج1، ص 367)
الهاشميات
يعد الكميت بن زيد الأسدي من الفقهاء والخطباء والشعراء الضالعين باللغة والأدب العربي والأخبار والأنساب، وكان معاصراً للفرزدق والسيد الحميري (المرزباني 1413: 71)
وأهم قصائده عبارة عن مدائح للنبي (صلوات الله عليه) وبني هاشم وهي التي عرفت بالهاشميات (فروخ 698: 2008)، والهاشميات تقدم نمطاً جديداً من الشعر يدعو قارئه في الوهلة الأولى ليتحدث معه في موضوع سياسي اجتماعي كبير وهذا أسلوب لم يكن موجودا في الشعر العربي سابقا . فلقد كان يُشاهَد في شعر من سبقه مدح أو هجو لشخص ما ، أما الكميت فهو يطرح نظرية بالبداية ثم يقوم بالبيان والبرهان وعبر إسلوب الحوار بإقناع مخاطبه ليخرج بنتيجة لإقامة نظام عادل (زراقط 2006, ص 245) .
طربت وما شوقاً إلى البيض اطرب ولا لعباً مني وذو الشيب يلعب ؟ (المرزباني ص413, ص 71)
ويقول شوقي ضيف في شعر الكميت أيضا (أن أهمية الكميت تكمن في انه لم يتبع الأساليب الموروثة بل اتخذ إسلوباً جديداً لم يكن قد سبقه فيه أحد حتى ذلك اليوم لأنه نقل الشعر من ميدان العاطفة إلى ميدان الفكر واستخدم لغة الشعر في الدفاع عن نظرية بني هاشم في الخلافة (ضيف 1952، ص 272) . إن الإسلوب الجديد للكميت لم يترك أثراً عميقا في شعر الذين تلوه من الشعراء فحسب بل في الخط العام للأدب العرب في تلك الفترة أيضاً فأصبح موضع قبول سائر الشعراء كأسلوب مهم في الشعر العربي .
القصائد العلويات السبع
ابن أبي الحديد عالم متكلم وأديب وشارح نهج البلاغة الشهير له شعر أفضله وأشهره القصائد السبع في مدح أمير المؤمنين (عليه السلام) وقد نظمها في 390 بيت وعُرفت بالقصائد العلويات السبع واصفاً فيها صورة علي (عليه السلام) الوضاءة من خلال تفننه ونظرته الثاقبة بنحو يعجز عنها الوصف ويثير دهشة كل قارئ (علي دواني 1379 ش, ص 20).
هو النبأ المكنون والجوهر الذي تجسد من نور من القدس زاهر
ووارث علم المصطفى وشقيقه أخاً ونظيراً في العلى والأواصر (حكيمي 1358 , ص 258)
أدب المأتم ( العزاء)
لقد كان استشهاد علي (عليه السلام) بمحرابه في شهر الصيام ، وغربة الحسن المجتبى (عليه السلام) وشهادته في بيته ورمي جثمانه الطاهر بالسهام بعد استشهاده، وواقعة عاشوراء الأليمة ومقتل خير الأنام على أيدي شرار الناس، الأشد إيلاماً ووقعاً بالنسبة للشيعة، فشعر رباب زوجة الحسين (عليه السلام) حزنا لفقد طفلها وزوجه، وآهات زينب الكبرى (سلام الله عليها) ونياح أم البنين بشعرها الحزين، وأولئك الذين ندموا لنكوصهم عن مرافقة قافلة كربلاء، والشعراء الذين غلت صدورهم لهذه الواقعة الكبرى، كل ذلك أسس للعزاء أو أدب المأتم .
لقد اتخذ فن الرثاء شكلاً مقبولاً ومساراً هادفاً واختلطت العاطفة والمشاعر بالنشاط الملحمي الذي ألهب روحاً جديدةً عند الشيعة، وهنا نشير إلى نماذج من شعر المأتم لسبايا كربلاء الذين كانوا يعيشون أوج العزاء والبلاء , ومن جملة هؤلاء الشعراء زوجة الحسين (عليه السلام) رباب التي أنشدت :
إن الذي كان نوراً يستضاء به في كربلاء قتيل غير مدفون
والله لا ابتغي صهرا بصهركم حتى اُغيّب بين اللحد والطين (شبر 1409)
وكانت اُم البنين - اُم أبي الفضل العباس عليه السلام - تجلس على قارعة الطريق نائحة نادبة وتنشد شعرها للمارة معولة بمظلومية آل النبي وصارخة :
لا تدعوني ويكِ أم البنين تذكريني بليوث العرين
كانت بنون لي اُدعى بهم واليوم أصبحت ولا من بنين (شبر 1409, ص 71)
إن نظم المأتم ليس دليل ضعفٍ وخوار بل كان ثورة ملحمية يقرنها الشيعة بقبضات يرفعونها بوجه حكام الجور ، وثورات الشيعة فيما بعد خير شاهد على هذه القضية .
الاستنتاج
ان ظهور أية حركة فكرية إنما هو إفراز للظروف التي تهيمن على تلك البيئة ، والحركات الفكرية والدينية التي تتميز بتجذرها في عواطف المجتمع وأفكاره لها من القوة والتأثير بنحو تستطيع معه قولبة البيئة المحيطة بها في القالب الذي تريده وتضفي عليها شكلا جديداً . لقد استطاعت حركة التشيع الكبرى وبفضل الله جل وعلا ورسوله (صلى الله عليه وآله) وفي ظل ألطاف الأئمة الأطهار (سلام الله عليهم أجمعين) أن تترك تأثيراً كبيراً في الأدب لا سيما في العراق باعتباره مهد التشيع والثقافة . لقد تركت حيوية الشيعة ومشاعرهم تأثيراً عميقا في شعر أهل العراق وخلقت إطراً جديدة ليعبر الشعراء من الشيعة وغيرهم بل وحتى من غير المسلمين عن عواطفهم الصافية فكانت النتيجة أن أصبح شعر أهل العراق زاخراً بأشعار قد ترعرعت وتغذت من رحم التشيع الدافئ .

المنابع والمصادر:

الامین،السید محسن،1406ق، اعیان الشیعه، تحقیق الامین، حسن، دار التعارف للمطبوعات، بیروت.
الامین، السید محسن،1992م،المجالس السنیّه فی مناقب و مصائب العتره النبویّه، دار التعارف للمطبوعات، بیروت.
امینی، عبدالحسین، 1386 ش، الغدیر، ترجمه محمد باقر بهبودی، چاپ چهارم، انتشارات بعثت، تهران.
ابن شهر آشوب، محمد بن علی،1427ق،مناقب آل ابی طالب ، به کوشش یوسف البقاعی، قم.
ابن ابی الحدید المعتزلی، شرح نهج البلاغه، تحقیق محمد ابوالفضل ابراهیم،1965م، دارالإحیاء العربیه.قم
جعدی، نابغه،1964م، الدیوان، المکتب الاسلامی،دمشق.
حکیمی، محمد رضا، 1358ش، ادبیات و تعهد در اسلام،چاپ اول، نشر فرهنگ اسلامی، تهران.
خزاعی، دعبل،1977م، الدیوان،مؤسسه الاعلمی للمطبوعات، بیروت.
دوانی،علی،1379ش، علی علیه السلام چهره درخشان اسلام،ترجمه مقدمه شرح نهج البلاغه ابن ابی الحدید، نشر اسلامی، تهران.
دوئلی،ابوالاسود،1954م،الدیوان،النشر والطباعه العراقیّه،بغداد.
سید حمیری،اسماعیل ابن محمد،محقق اعلمی،ضیاءالدین،بی تا،موسه الاعلمی للمطبوعات،بیروت.
شهیدی،سید جعفر،1390ش،تاریخ تحلیلی اسلام، چاپ ششم، نشر دانشگاهی،تهران.
شبّر،جواد،1409ق،ادب الطف او شعراء الحسین، دار المرتضی،بیروت .
شریف رضی، بی تا، الدیوان، ج2، بیروت.
صادق، عبدالرضا،بی تا، فی الادب العراق الحدیث، دار فارابی، بیروت.
ضیف، شوقی،1427ق، تاریخ الادب العربی(لعصر العباسی الاول و العصر الاموی)ذوی القربی،العراق.
طه حمیده، عبدالحسیب،1409ق،ادب الشیعه الی نهایه القرن الثانی الهجری، الزهراءاعلام العربی، القاهره.
غزوان،عناد،2008م، بناءالقصیده فی الشعر الشریف الرضی، دار الشؤون الثقافیه العامه ،الطبعه الاولی، العراق.
کیلانی،محمد،1947م،اثر التشیع فی الادب العربی ،دارالکتاب العربی،قاهره.
کعب بن زهیر،1950م،الدیوان، دار الکتب المصریه،القاهره.
المسعودی، علی بن حسین الشافعی،1346، مروج الذهب و معادن الجوهر، المطبعه الجمعیه المصریه،القاهره.
مغنیه، محمد جواد،1343ش،شیعه و زمامداران خودسر،ترجمه مصطفی زمانی،،چاپ دوم ،حوزه علمیه،قم.
نعمه، عبدالله،1400ق،الادب فی ظل التشیع، بیروت.