أحلام الشّيــخ مسعود «العزّام»

، بقلم حياة الرايس

عندما بات القمر في منزلة الثريا، استقبل الشيخ مسعود العزّام" القبلة، جاثيا على ركبتيه، كالجالس إلى الصلاة، فوق سجاّدته الصغيرة،المفروشة على حصير، بال، أخضر، لابسا لباسا ابيض، لا سواد فيه، خاضع الرأس، مرهق الوجه، حادّ العين، يحرق الجاوي و الدّاد و الندّ، في مجمرة نحاسيّة قديمة أمامه , تتصاعد منها سحب كأنها أشباح. يحاورها، يتوسّلها، يتسوّلها، يتوعّدها، يتقرّب إليها،يهدّدها. و هي تملأ المكان رهبة غامضة...

تحيط به كتب صفراء قديمة مكدّسة على الأرض، متآكلة الأطراف . بجانبه دواة وريشة من قصب يغرق رأسها المذنب في زجاجة الحبر المكوّرة.

في ركن وراءه، بعض الحيوانات المحنّطة أو المذبوحة تبدو من بينها: البومة،بعينيها المحفورتين، شمطاء بجلدها المتيّبس الجاف... معها أعضاء حيوانات أخرى متفرقة: ساق دجاجة بيضاء، رأس ضفدع، دماغ ضبع، كبد شاة سوداء، كبد تيس، مرارة الضان، جلد حنش اصفر... يتموّج فوقها البخور على ضوء مصباح ضئيل....فكأنّما يحركها لتتحفّز وتتجمّع كلها لتُبعث حيوانا أسطوريا قادرا على مداواتك من كلّ شرورك...

غير بعيد عن مجلس الشيخ مسعود جرّة ماء مشقّقة الفم،فوقها مشرب من فخار، رطب الحافة،لا تقترب منه الشفاه إلا بالبسملة و التمتمة... جنبها إناء نحاسيّ قديم.

بالحائط المتكلس المشقّق فلقة معلّقة، تحتها أكوام ألواح صغيرة،مستطيلة،مرصوفة فوق بعضها، مخطوطة بحروف حبر اسود غليظة أو باهتة حسب حفظ السّور ومحوها.... متشقّقة من بعض أواسطها أو متآكلة من أطرافها. تمسكها بالنهار أيدي صغيرة، مرتجفة، ينزلق قلم القصب على سطحها الأملس، يفتح أبواب الغيب و السماوات و الأرض: " نون و القلم و ما يسطرون " يردّدون في شبه غيبوبة:" نعم أسيدي نون و القلم و ما يسطرون "... يكرّرون أساطير الأوّلين مأخوذين بسحر إيقاعها: "...الم ترى كيف فعل ربك بعاد، إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد و ثمود الذين جابوا الصخر بالوادي و فرعون ذي الأوتاد... " ثمّ ينطلق الصّبية آخر العشيّ مطلقين أرجلهم للريح:" نعم أسيدي سرّحنا الله يمدّ عظامك في الجنّة."

أما الشيخ مسعود فأنّه يتنفس الصعداء أيضا و يتحرّر من عناء الصبية و صخبهم... فيقوم لإبريق الماء، يملؤه و ينتبذ به حائط الكتّاب الخلفي . للوضوء ليخف و ينشط و ينشرح صدره لاستقبال مرضاه....
ما بين المغرب و العشاء تكون زيارات النسوة المتعبات، قليلات الحظ،المقهورات من غبن الزمان و لا عدالة الأقدار. ينشدن حجابا، رُقية أو تعويذة ترد عنهن شرور الحسد و العين و البغضاء وغدر الرجال الذين لا يؤتمن جانبهم تماما مثل الزمان.....

هذه الليلة بعد صلاة العشاء طوي الشيخ سجادته أمامه، تخفّف من بعض ملابسه و استوي في جلسته. على يمينه رفّ، به صفّ زجاجات، بها دهون و عطور، تحتها فتائل زرقاء... قراطيس بخور نصف مفتوحة...و أوراق أعشاب متنوعة... يقابله الباب الخشبي، العتيق، مواربا، تتسرّب منه بهرة ضوء قمر خافتة....

امتدت يده إلى صحن الطعام الذي يأتيه دائما من جاراته: نسوة الحي. تمنى لو أن إحداهن تشاركه طعامه....و ليله و سهره و قيامه... و لكن من يعبأ بأحلامه ؟؟؟ الكل يأتي متعبا ينشد فرجا لآلامه...أو ربما يتصورن أن الشيخ العزّام لا يحلم،لا يتمنى،لا يعشق، لا يشتهي....و هناك من يتحدث عن معاشرته لجنيّة متلبّسة به تلبّي له كل رغباته و شهواته...و هناك من يقول إنه متزوج من حورية من حوريات الجان لا تظهرأبدا في النهار... و هناك من اقسم انه رأى طيفها ليلا و هو يدخل غفلة على الشيخ العزّام.....

كان الشيخ مسعود " العزّام " منهمكا في كتابة سورة الزلزلة، متفرقة الحروف، في صحيفة من رقّ الغزال ألف مرّة..... و قد بخرّها بالحنتيت و الكبريت... ثمّ قام فمحاها و احتفظ بمائها في إناء النحاس.عاد بعد ذلك فأخذ شقفة طاجين قديم، كتب عليها أسماء القمر معكوسة، تسع مرّات،بقطران أسود من الدفلى المُرّة ثمّ أوقد فتيلة زرقاء و أخذ يتكلم بتلك الأسماء معكوسة و يبخر بالجاوي....بعدها كتب اسم مصطفى " ولد زكيّة " و زينب بنت محبوبة و أيضا: " كلما أوقدوا نارا أطفأها الله أشعلها الشيطان....بين فلان و فلانة..." ينادي " دردانيل" و " دهنش" و "ميمون الأحمر": " انفروا خفافا ثقالا. يومئذ يصدر الناس أشتاتا... اللهم فرق بين فلان و فلانة كما فرّقت بين السّماء و الأرض ... افعلوا ما أمرتكم بحق الذي قال للسماوات و الأرض أأتينا طوعا أو كرها فقالتا أتينا طائعين...."

يأخذ الحفنة من البخور، من قرطاس بجانبه و يرميها بالمجمرة... يتضرّع و يتوسّل حتّى تتبدّل سحنته:" أيّتها الملوك الأربعة ابعثوا لي خادما من عفاريت الجن يفرق بين فلان و فلانة. يهتك سترهما و يشتت شملهما..."
ثمّ محا تلك الكتابة و احتفظ بمائها في قارورة لترشّ بها امرأة مصطفى الجزّار عتبة بيت المرأة التي يتردد عليها زوجها.

من جوف الليل دخلت عليه " ساسيّة القابسيّة " و القابسيّة امرأة في ربيع عمرها، طويلة، مستقيمة القامة، بدينة، لكن صلبة العود، دون ترهل،مستديرة الوجه،مقوّسة الحواجب السوداء المدبّغة، سمراء سمرة قاتمة، يتمطّى اللّبان تحت أضراسها دائما، يكشف عن أسنان تلمع من اثر السواك، تكشف ضحكتها عن ضرس مذهبة و أخرى وراءها سوداء منخورة. لا يفارق الكحل عينيها الواسعتين اللوزيتين. شعرها ضفائر غليظة سوداء سوادا فاحما. تنزل على صدرها الممتلئ و أحيانا تديرها حول رأسها. لا تمحي الحناء من يديها و رجليها.

قدمت "ساسيّة القابسيّة "إلى العاصمة مع زوجها من مدينة " قابس " (بالجنوب التونسي ) بعد أن باعت حليها و نصيبها في أعواد الزيتون، للتداوي. و قد استأجرا غرفة،مع الجيران،بالمدينة العتيقة، بتكيّة "دار بالخوجة " الذين باعوا بيتهم القديم و انتقلوا للسكن في ضاحية المرسى كما فعلت جل عائلات "البلدية "من سكان المدينة العتيقة .
عندما كانت "ساسيّة القابسيّة "، تنقل أغراضها و تعمّر بيتها الجديد،همست إحدى جاراتها لكوكبة النساء المجتمعات بإحدى سقيفات الزقاق ( يتبعثر بين أرجلهن أطفال حفاة عراة ) و قد أطلقت زفرة فيها رائحة حرقة و شماتة:
" يا ما أحسني و يا ما أجملني لكن السّعد موش مني "....

بعد أيام دلّتها لَلاّ شريفة على " الشيخ مسعود العزّام " الذي ـ يده تجمّد الماء.و يعمّر أرحام النساء ـ . بعدما روت لها قصّة لَلاًّ صوفية امرأة سي العربي التي بقيت عاقرا عشر سنوات إلى أن قصدت الشيخ العزّام و أخلصت النيّة و أوفت بالوعود و النذور و أشعلت الشموع....و كانت قد قامت على خدمة أولياء الله الصالحين سنينا طويلة... حتّى ملأ الله رحمها و عمّر بيتها بصبيّ ثم أنجبت البنين و البنات وقرّت عينها و عين زوجها. و قصّة للاّ عربيّة و للّا دوجة و غيرهن كثيرات... المهّم النيّة الصافية و الوفاء بالوعود.

عندما زارت "ساسيّة القابسيّه " " الشيخ العزّام " أوّل مرّة. همست له و الدمع ينفر من عينيها و الغصّة تخنق صوتها:" راجلي يحّب يطلّقني خاطر ربّي ما أعطانيش أولاد ".و ظلّت تتردّد عليه من يومها. تأتمر بأوامره و تلبّي كل ّطلباته، في خضوع مشفق حتّى عندما يأمرها بأن تأتي في عزّ الليل فإنّها تطعم أو تسقي زوجها بعض الحشائش التي يعطيها إياها لتخدره طوال الليل...و تخرج مرتجفة،مرعوبة، يدفعها خوفها من الطلاق قبل حلمها بالأولاد.

تلك الليلة لم تصدّق أنها وصلت كتّاب " الشيخ مسعود العزّام" دون أن يراها أحد.دفعت الباب و ارتمت على الأرض خائرة هاجعة في ملاءتها الحمراء... أسندت رأسها للحائط شبه غائبة عن الوجود. واقعة تحت سيطرة مجتمع نبذها لمّا خذلها رحمها متوسّلة الشيخ مسعود آخر أملها.

من خلال أشباح البخور التي تتراقص أمامها. تراءى لها طيف سلفتها يوم عيّرتها بعقمها.عندما أصبحت مريضة و لم تقوى على القيام بدورها في الطبخ.قالت لها يومها:" الحمد لله أن لم يرزقك أولادا و إلا كنت قتلتهم من الجوع ". و قد كانت تحرّض عليها زوجها سرّا و علانية أن يطلّقها و يتزوّج غيرها ليتمتع بالأولاد مثل بقية خلق الله.

استردّت " ساسيّه " أنفاسها ثمّ اقتربت من الشيخ مسعود و همست له: " نحّب نعرف معاشر امرأة أخرى و إلاّ لا ؟".
قام "العزّام" إلى الكانون فرمى به حفنة مخلوطة من لباّن الذكر و الجاوي الأبيض و المصطكي و الحنتيت....فعجعج البخور في جوّ الكتّاب المعتم، كالأشباح المستنفرة و فرقع فكأنما أصاب روح الشيخ: تغيّرت سحنته، لمعت عيناه،حادّتين، حمراوين.اعوّجت شفتاه و انعرجت زاوية شفته السفلى إلى اليمين و سال منها زبد اصفر.امتدّت يده اليمنى فكأنّما يقبض على شيء... تحرك لسانه بأسماء الملوك الروحانية يناديهم و يستنجد بهم... ثمّ أومأ إلى " ساسيّه " فقامت إلى الكانون. فحجّت عليه سبع مرّات و قد تحوّلت إلى ضراعة مطلقة.... حينها قام الشيخ الوصيف إلى زجاجة فصبّ منها مخلوطا في كأس. أضاف إليه سائلا آخر أعطاها إيّاه. أفرغته في جوفها بيد مرتعشة فوقعت غائبة، خائرة وسط غيمات البخور.... فقام الشيخ "العزّام "إلى الباب الموارب فأغلقه و أطفأ السّراج و غابا في غياهب الحلم...