قراءة في رواية «كابوس الأرض اليباب»

، بقلم محمد هيبي

الكاتب والمخرج المسرحي، رياض مصاروة، أصدر مؤخّرا روايته الأولى، "كابوس الأرض اليباب". من يقرأ الرواية قد يشعر أنّ هذا الكاتب ينتمي أكثر إلى عالم المسرح. يظهر ذلك في الافتتاحية الميتاقصّية التي بدأ بها الرواية، والتي فيها، فضلا عن تساؤلاته: "كيف لي أن أجسد الأرض اليباب العربية مسرحيا؟" (ص 11)، يظهر وكأنّه يعيش إرهاصات الإعداد لعرض مسرحي صعب. ويظهر ذلك أيضا في أسلوب المشاهد الدرامية القاسية الذي اعتمده في الرواية كلّها. من هنا، يُحسّ القارئ أن رياض مصاروة أقحم نفسه في عالم الرواية قسرا، ربما لأنّ تجسيد اليباب العربي مسرحيا أمر ليس بالسهل، كما تساءل في الرواية، وربما لأنّه أدرك أنّ الرواية تعطيه حرية أكثر ومساحة أوسع للسرد والبوح والتّحكّم أكثر بشخصياته وبالمشاهد الدرامية التي يعرضها ويتدخّل فيها ويُعلّق عليها. هذا عدا عن أنّ الرواية كلّها هي عبارة عن كابوس يتناصّ مع كوابيس مسرحية وغير مسرحية سابقة، فرضته ظروف مختلفة لا يُدرك الراوي، وهو صوت الكاتب، أيّها أثّر عليه أكثر: هل هو الإجهاد الفكري، أم الإجهاد ممّا يُشاهده عبر شاشات الفضائيات من دمار وخراب ونشيج أمهات وأطفال، أم هو الإجهاد بعد قراءاته المتعدّدة لقصيدة "الأرض اليباب"، التي كتبها ت. س. إليوت، بعد الحرب العالمية الثانية وما جرّتْه على العالم من خراب ودمار. فبعد كل قراءة كان الراوي يرتعد ويرتجف ثم يعيد قراءتها مرّة أخرى. هذه الرجفة تعني أنّ اليباب ما زال ماثلا في عالم الراوي. وذلك الإجهاد، جعل الكاتب يتقوقع في التفكير والتبئير بالأرض العربية اليباب، وفي الوقت نفسه، يفضح انتماءه المسرحي، من خلال هذيانه المذكور. وتُؤكّد ذلك أيضا تساؤلاتُ الكاتب الفلسفية، والوجودية والعبثية مثل: "ما معنى الوجود؟ وهل للوجود معنى آخر يُغاير ما نشهده من دمار، وذبح، ومن تشويه يُكرّس فكرة: أنّ الحرية تحيا في البلاد الأخرى وما المنفى إلّا في مشرقنا" (ص 11). وكلّها أفكار استقاها من كتّاب المسرح العالمي وشخصياته، وغيرهم من الكتّاب والمفكرين الغربيين الذين تعرّف عليهم من خلال ثقافته، المسرحية والعامة، وربطها بواقعه. فقد جاءت تلك التساؤلات بعد تساؤلات سبقتها حول الإنسان العربي: "هل العربي لا سبيل له ولهذا السبب لا حاجة له إلى أعين لأنّه تعثّر عندما كان يرى؟ هل سنتوصّل إلى هذا الموقف العبثي ونؤدلجه، ونكون بذلك أسقطنا كل الحيل الإنسانية لكي نبقى؟" (ص 11).
في الافتتاحية الميتاقصّية أيضا، لا يفهم القارئ بالضبط، ما هي دوافع الكتابة؟ هل هو "اليباب العربي"؟ هل هو قراءة "الأرض اليباب"؟ هل هو الهذيان المسرحي المذكور؟ أم هو بحث الكاتب عن الراحة التي افتقدها هو وشخصياته، بسبب الكوابيس التي اجتاحته بسبب إجهاده من كلّ ما سبق؟ ربما ترك الكاتب هذا الأمر مفتوحا أمام القارئ ليتركه يُقرّر بنفسه ويُشاركه في الهمّ الواحد، إنسانيا وعربيا، لأنّ كلّ ما تقدّم يُجسّد اغتراب الكاتب والإنسان العربي عامة، وضياعهما العاطفي والفكري في محيط عربيّ أصبح الكاتب يشكّ في انتمائه إليه. كما أنّ الخراب والضياع يبرزان أيضا في التداخل البارز في الرواية بين الوصف والسرد والحوار، حيث يأتي الحوار بشكل خاص متداخلا مع السرد بشكل يجعل القارئ يتساءل في أحيان كثيرة: من الذي يسرد أو يتكلّم الآن؟ هل هو الراوي أم شخصية أخرى من شخصيات الرواية؟

وفي هذا العالم المحكوم بالخراب، لا تتأخّر عبثية الكاتب لتأتي، حيث يُحاول إخضاع الكابوس للعقل، أو للإرادة والوعي. يظهر ذلك جليّا في الفقرتين الأخيرتين من الافتتاحية الميتاقصّية: "اليوم سأستريح، سأتبع صوري بدلا من ملاحقتها، أتحوّل إلى متسكّع في تصوّراتي الداخلية ... الصور تطوّر ديناميّتها، أرسم حالات، أكتشف حكايا وأدخل فيها واحدة تلو الأخرى ... هل سأكتشف حقّا شيئا جديدا أم أنّ ما يدور هو تشابك ما في أرشيفي من تصوّرات؟ ... من يُرتّب هذه التشابكات؟ إرادتي أم وعيي الذي يتبع منطق الرغبة والأمنيات؟ قرّرت أن أرتاح كي أتمتّع بحالة التسكّع التي احتلّت وعيي، ولكي أكون جاهزا للكابوس الآتي" (ص 14). هل هناك عبث أكثر من التسكّع والاستعداد الواعي للمشاهد التي يعتبرها كابوسا، ويعرضها علينا عرضا مسرحيا هو بطله ومخرجه والمعلّق عليه، بل محرّكه بالاتجاه الذي يُريد؟ وأقول بطله مجازا، لأنّ الرواية لا أبطال فيها. وإذا كان لا بدّ من الإشارة إلى بطل، فهو "اليباب" فقط، الخراب العربي الخاص المرتبط بالإنساني العام. ويتجسّد العبث كذلك في بحث الراوي "عن جماليات أرض اليباب، عن جماليات الخراب والبؤس، عن جماليات المأساة، عن جماليات القبح، عن جماليات الفارعة وفتاة الزنابق، والبؤس الإنساني ككل، وعن جماليات المأزق الإنساني" (ص 23). بالتأكيد لا يريد الكاتب أو الراوي، تجسيد هذه الجماليات، وإنما هي اللامبالة التي قد تُشكّل مسربا للهروب من هذا الواقع المأساوي الذي خرج عن سيطرة الإنسان عامة، وليس عن سيطرة الكاتب أو الراوي، أو الإنسان العربي فقط.

المشاهد التالية هي الكابوس، وهي جسد الرواية الذي يمتدّ بين الدخول في الكابوس والنهوض منه في الخاتمة. وهي مشاهد مسرحية يتحكّم بها الراوي، وقد أخضعها الكاتب عن وعي للسرد الروائي. فعلى ما يظهر، استفاد رياض مصاروة من إمكانات التجريب الواعي المتاحة له، وقد وظّفها بشكل جيّد في روايته. فهو قد شدّ القارئ بذلك وجعله يشعر بأنّه يُشاهد عرضا مسرحيا أكثر مما يقرأ رواية حيث تظلّ عينا القارئ مشدودتين إلى الراوي وشخصياته التي يتحكّم بها، أحيانا يتكلّم ويُفكّر عنها، وأحيانا يتركها تتكلّم بحرية، وأحيانا أخرى يتداخل صوته بأصواتها. ويظلّ فكر القارئ كذلك مشتّتا بين الراوي الجالس بين شخصياته، يُحاول ربطها بالأزمنة (أو اللاأزمنة)، وبالأمكنة (أو اللاأمكنة) التي تتحرّك فيها. وهي أزمنة وأمكنة غريبة، فقد سبق لنا أن رأينا ماء الفرات ملوّنا باللون الأزرق والأحمر، والسبب معروف، ولكن، لأول مرّة نراه وقد أصابه الجفاف وغزته الجرذان تقضم ما تكدّس فيه من عظام الموتى/ القتلى.

وما يزيد من غرابة المشهد، أنّ تلك الأمكنة والشخصيات، منقطعة عن زمن معين، أو ضائعة في زمن لا يستطيع الكاتب تحديده، قد يكون الحاضر الأبدي، وقد يكون ماضيا يخشى الكاتب أن يتحوّل إلى مستقبل، لذلك يذهب إلى مستقبل لم يأتِ بعد، يستبق به حاضر الماضي، ذلك المستقبل الذي يراه، "آتٍ بصحبة شخصيات تلاحقه في منامه المتقطّع" (ص 16). إنّه الخراب والضياع الراهن، بل اليباب العربي الذي يقضّ مضجع الكاتب والراوي، خوفا، بل رعبا، من أن يصبح اليباب راهنا أبديا.

اليباب والكابوس

رغم أهميّة ما يطرحه على مستوى المضمون، لم يُقدّم رياض مصاروة جديدا للقارئ الذي يواكب الأحداث ويتفاعل معها، إلّا في مستوى الشكل الفنيّ الذي قدّم فيه الكابوس. فالمتتبّع لأخبار العالم العربي في كل أقطاره، وما يُرافقها من مشاهد القتل والدمار واللامبالاة التي تصنع اليباب العربي وتُجسّده، قد أصبح لديه إشباع من تلك المشاهد. وعليه، فقد يطرح أيّ إنسان عربي تساؤلات رياض مصاروة نفسه. ولذلك، ليس غريبا أنّ ينقاد المتتبّع، المُشاهدُ أو القارئ، لتلك العبثية التي انقاد إليها الكاتب. ولكنّ، الشكل الفنيّ بحدّ ذاته، هو إنجاز يُحسب للكاتب، فقد جسّد فيه فكرة اليباب التي تُقلقه وتقلق الإنسان العربي عامة. فذلك التتابع اللامنطقي للمشاهد المسرحية، المحكوم بالذات القلقة التي تسكن الكاتب وتجعله يستبق الماضي من المستقبل، ويرسم الأمكنة والأزمنة والشخصيات بشكلها الغرائبي، في كل ذلك ما يشدّ القارئ، فضلا عن أنّه يجعله يعيش ضياع الكاتب والراوي، إن لم يكن ضياعه هو نفسه.

قبل دخول الراوي في كابوسه، يُؤكّد مرة أخرى أنّه يُشاهد "التقارير الآتية من اليمن، من ريف حلب، ريف حماة، ريف حمص وريف دمشق ... مدن العراق وغيرها" (ص 15). وهي مشاهد توقعه في الخلط بين كونها مشاهد واقعية أو مشاهد سريالية أو ماورائية فواقعية (فوق واقعية) على حدّ تعبيره، ينتج عنها الخوف، بل الرعب من أن تكون مستقبلا، أو حاضرا أبديا. فهو ينظر إليها من مستقبل، ما يجعل كابوسه كما عبّر عنه، "كابوسي هو استباقي الماضي من مستقبل لم يأتِ بعد، ولكنّه آتٍ، بصحبة شخصيات تُلاحقني في منامي المتقطّع" (ص 16).

الشخصيات التي تلاحق الراوي ليست كثيرة، ولكنّها كافية لتُجسّد رحلة خرابه وضياعه. "فتاة الزنابق" و"الفارعة" و"سلمى الحلبية" وغيرها، شخصيات يُحرّكها الراوي كدمى في مسرح الأراجوز (القراقوز). ولا بدّ أنّ الكاتب يُدرك سوداوية الحياة التي يعنيها هذا المسرح، استنادا إلى معنى عبارة "قره قوز" التركية (ذو العين السوداء)، فالرواية تعجّ بالسوداوية والرعب من استمراريّة الخراب. وتفتقر كثيرا إلى التفاؤل الذي يظهر خجولا أكثر من الشمس في الرواية. فالشخصيات المذكورة وغيرها، تُجسّد الراهن العربي بكل ما فيه من سواد، وبكل ما يحمله من أزمنة، لا يرى الكاتب فيها إلّا اليباب.

"فتاة الزنابق":

شخصية ينقلها رياض مصاروة من الخراب إلى الخراب. من إليوت و"الأرض اليباب"، إلى اليباب العربي، حيث نراها "على ضفة نهر الفرات تمشي الهوينا، تتذكر نشيدها وابتهالها له: "أيها الفرات الحبيب، اجر الهوينا، حتى أتم أغنيتي". ولكن أي أغنية ستنشدها الآن بعد أن جفت مياهه ولا ترى غير الجرذان الزاحفة على بطونها تتجول بين عظام الموتى" (ص 16). إذن، شتّان ما بين الفرات الذي كان وبين ما هو الآن. الآن، "لا شيء غير رائحة الموت. فقد "قالوا لها: حبيبك سقط على ضفة النهر، وأتت لتبحث عن زنبقة حمراء، ربما نبتت أو ستنبت على بقعة دمه" (ص 16). وهي الآن، تقف في مواجهة الجموع المنغلقة التي تُؤمن بالخرافات والأساطير، تريد أن تقدّمها قربانا بعد أن اكتشفت وجودها. وهي لا ترفض، وإنّما تريد التأجيل حتى تحقّق ما تريد. "باستطاعتكم قتلي فقط بعد أن تنبت الزنابق الحمراء على هذه الأرض، اقتلوني بعد ظهور أول زنبقة، بل أنا هي التي سترضى بتقديم نفسها قربانا، ولكن هل تضمنون هذا الخلاص الوهمي؟ هل ستتخلصون من أساطيركم الموغلة في القدم؟ هل ستكفّون عن انتاج خرافات جديدة؟" (ص 42). وهذه الأسئلة الإنكارية تزيد من سوداوية المشهد. فهي تُظهر شكّ "فتاة الزنابق"، ومن ورائها، خوف الكاتب وشكّه في خلاص تلك الجموع من خرافاتها!
هل تُمثّل "فتاة الزنابق" محنة العراق، أم محنة سوريا، أم محنة العالم العربي بأسره؟ ربما أراد الكاتب ذلك جميعا، ليّبين من جهة خصوصية محنة قطر عربي بعينه، ومن جهة أخرى، تداخلها في الوقت نفسه، مع محنة الأقطار الأخرى، لتّشكّل في النهاية محنة واحدة كبيرة، أو خرابا عربيا واحدا موحّدا ومخيفا.

"الفارعة":

شخصية انتزعها الكاتب من الضباب العربي، وربط مصيرها بشادر طُرّزت عليه عظام وجماجم، يُمثّل نكبة فلسطين. نرى "الفارعة" بعد أن يتداخل صوت الراوي مع صوت "فتاة الزنابق" في تلك اللحظة الكابوسية، في مشهد ضبابي حيث الشمس تخجل من الشروق، ليظهر له شبح يتكشف له عن امرأة "تظهر فارعة، شعرها مسدل على كتفيها وظهرها المنتصب ... قامتها تدل على ما يبدو على قامة حكايتها، سأسميها "الفارعة"، تجرّ وراءها بحبلين لفّا كتفيها قطعة من القماش المقوَّى، شادرا طرّزت عليه عظام وجماجم، هياكل عظمية تخلعت مفاصلها، مثلما تخلعت مفاصل هذا الزمن الذي ينتظر من يعيد له نصابه" (ص 17-18). من الطبيعي أن تخجل الشمس، فكل ما في التاريخ العربي الراهن مخجل، خاصة ما يتعلّق بقضية فلسطين ومحنتها التي تجرّها "الفارعة" ويحملها كل فلسطيني على كاهله جيلا بعد جيل، تداخلت بالمحنة العربية الكبرى، وأصبحت جزءا لا يتجزّأ من اليباب العربي. يظهر ذلك جليّا حين تصرخ "فتاة الزنابق" (بالفارعة)، تحذرها من الجرذ المقترب من العظام (المطرّزة على الشادر) ... عظام أحبائها الذين قتلوا غدرا على أرض سموها آنذاك بالأرض المقدسة، أرض الأنبياء" (ص 20).

هنا ولاحقا، نرى أن هذه الشخصيات تُجسد الضياع والخراب، من خلال تراكم الأسئلة الوجودية والواقعية التي يطرحها الراوي: "ماذا يعني "آنذاك" بلغة الماضي، بلغة الانقضاء، انقضاء الأشياء، انقضاء الأمر، انقضاء التمني، انقضاء الشهوة، انقضاء الحياة؟ وهل كتب علينا أن نشتهي الحياة ونحن أحياء؟ هل سيكتب علينا أن نجرّ عظام من أحببنا على شادر كي نحميها من قضم الجرذان لها؟ وهل ستتراكم العظام في أرشيف صورنا؟ ... لا شيء يخدع أكثر من السعادة ... هل كنا فعلا سعداء كي ننخدع؟ ... ماذا سيحل بنا؟ ... هل تبحث شخصياتي عن وجود في السكون الأبدي؟" (ص 25). وتتواصل الأسئلة وكذلك القصص والمشاهد الكابوسية حتى آخر الرواية.

ربما يكون الأهمّ في بعض الشخصيات، مثل "فتاة الزنابق" و"سلمى الحلبية"، هو أنّ الكاتب يُماهي بينها وبين شخصيات مسرحية أو أسطورية سابقة، حيث "فتاة الزنابق" تُصبح (إفيجينيا) أو العكس، افيجينيا بنت أجاممنون القائلة: "لا تذبحوني قبل موعدي". و"سلمى الحلبية" ذات الوجه البرونزي، تُصبح (ميديا) أو العكس، "ميديا التي قتلت أطفالها انتقاما من خيانة زوجها". وقد فعل الكاتب ذلك ربما ليشير إلى امتداد الخراب الإنساني، أو ليربط بين الخراب الغربي والخراب العربي، فللغرب دور أساسي في هذا الخراب.

الزمان والمكان:

يعبّر الكاتب عن رعبه من اليباب العربي واستمراره، من خلال رسمه لزمان الرواية ومكانها. لا نعرف بالضبط أين يجلس الراوي؟ هل هو هناك مع "فتاة الزنابق" والجموع على ضفة الفرات الذي جفّ ماؤه؟ أم هو يجلس في مكان ما يُشرف منه ويُوجّه نظر المشاهدين أو القراء إلى حيث يُريد من الوطن العربي الذي اجتاحه اليباب؟ "فتاة الزنابق" تمشي في العراق، على ضفة الفرات، ولكنّه فرات غريب، لم نعهده يوما كما يرسمه الكاتب وقد جفّ ماؤه واجتاحته الجرذان تقضم عظام الجثث التي روت دماؤها تربته. ولكنّ المكان لا يتوقّف عند الفرات، بل يمتدّ إلى فضاءات أخرى مثل: فلسطين، سوريا، لبنان، مصر، ليبيا وغيرها. وفيها يُحدّد أماكن معينة أحيانا، مثل: بغداد، القاهرة، حلب، القدس، دمشق، ناصرة المسيح، مكة، صنعاء، عدن، الاسكندرية، تونس، طرابلس، بيروت، الجزائر وغيرها. والرابط القوي بين أماكن الرواية، هو كونها أصبحت جزءا من يباب عربي لا مكان فيه ليلجأ إليه شخصيات الرواية أو الإنسان العربي الذي أصبح يعيش ويتحرّك في لا مكان، غريبا عن كل تلك الأماكن. "حتى الآن لا يوجد "أين" نذهب إليه يا فتاتي، الأين يحتاج الى صوت رعد تنتجه غيوم سوداء كثيفة، الأين يحتاج الى شمس ليست خجولة، تنير الأين هذا ... الأين يحتاج الى تبدد صوت المأساة، لا أين لك، لا أين لي في هذا الآن الأبدي" (ص 33). إذن، العالم العربي مأساة يباب مستمرّة لا شيء يُبدّدها. شمس خجولة ورعد عقيم لا يُمطر، وجموع تُؤمن بالخرافات والأساطير، تّقدّم القرابين وتنتظر المعجزات.

الشمس والغيوم تُحيلان إلى الزمن أيضا، وإذا كانت الشخصيات تتعثّر في المكان (أو اللامكان)، فمن الطبيعي أن يعجز الكاتب عن تحديد الزمان، (أو اللازمان) الذي تتحرّك فيه شخصياته. هل هو الزمن حيث "الغيوم السوداء كفت عن الحركة، وكأنّ الزمن هو ما قبل الزمن الكوني" (ص 58)؟ هل هو الماضي، المستقبل، أم هو الماضي الذي يستبقه الراوي من المستقبل؟ أم هو الحاضر الأبدي؟ وهذا الأخير قد يكون أخطرها؛ بذلك يُصبح العالم العربي يبابا سرمديّا، كل ما فيه خراب مخجل. الشمس فيه تخجل من الشروق. "أيتها الشمس الشاهدة على حماقتنا، ما الذي يخجلك؟ هل هي غيمة تحجبك عن أرض الموات؟ غيمة تائهة ضلّت طريقها في سماء هذه الأرض؟ لا بأس، ابقي مكانك، أعرف أنّك تشرقين عادة على أرض رطبة بالماء، وليست رطبة بالدماء" (ص 17). والغيوم فيه عقيمة، "الغيوم السوداء المتجمّعة لن تسقط مطرا وصوت الرعد الذي ينطلق من تصادمها العقيم، عقيم هو الآخر" (ص 60). وهكذا يلتقي الزمان والمكان لقاء غريبا لا يُوحي إلّا بالخراب. تقول "سلمى الحلبية": "أنا درة الشام، سمحت لملاك مقطوع الرأس أن يجد ملجأ للكراهية في مساحتي، في حيّزي الذي امتلأ زيزفونا وعطرا وياسمينا، سمحت للغيوم السوداء أن تحتلّ سمائي، تلك الغيوم التي أمطرت شهبا سوداء مرصعة باسم الله والرسل ومرصعة بسيوف الدين والشريعة وبالسيوف السوداء في تاريخ هذه الأمّة التي اهتمت بالسيوف الحديدية بدلا من سيوف الجمال والجمالية. هل تفهمون ما أقول؟ وهل يفهم ما أقوله المفكرون بينكم الذين حوروا كل جميل الى قبيح في تاريخكم؟" (ص 47). هنا يظهر أولئك الذين استغلّوا الدين والتاريخ لنشر الكراهية والخراب، وهي تُحمّلهم مسؤولية كراهيّتها وانتقامها، حيث تتماهى "سلمى الحلبية" مع "ميديا يوريبيديس" التي قتلت أطفالها. وكلامها هنا أيضا، يلتقي مع كلام "فتاة الزنابق" التي اشترطت لتقديمها قربانا، خلاص الجموع من الوهم وكفّها عن إنتاج الخرافات. وهكذا تتوالى عبر الأزمنة والأمكنة الغرائبية المذكورة، الحكايات التي تنسج اليباب وتجسّده، ولا تترك للكاتب وشخصياته إلّا بصيصا ضئيلا من الأمل. فالرواية تتّسم بالتشاؤم من بدايتها حتى نهايتها.

توظيف الثقافة

أثرى الكاتب روايته بتوظيف ثقافته الواسعة. يُلاحظ ذلك منذ العنوان، ويظهر أيضا في اقتباساته المختلفة وفي التناصّ مع أفكار استقاها من المسرح الغربي وشخصياته، ومن الكتّاب والمفكرين الغربيين الذين تعرّف عليهم من خلال ثقافته المسرحية أو العامة.

عنوان الرواية يُذكّرنا بإليوت وأرضه اليباب. وهذا تأكيد لتاريخية الخراب. ولا يتوقّف الأمر عند العنوان، فروح "الأرض اليباب"، ترافق القارئ على امتداد الرواية، لأنّ الخراب ممتدّ من الماضي إلى الحاضر. وهذا ربما يكون أعظم مصادر قلق الكاتب وشخصياته. وهو لا يُخفي تأثّره بإليوت، فهو يقول بوضوح إنّه توقّف عن كل أنواع الكتابة: "وقررت الدخول بعزلة اختيارية تبعدني عن كل نقاش فكري مع الآخر عن هزيمتي وتقوقعت أفكر بالأرض اليباب العربية، متأثرا بقصيدة الشاعر ت. س. إليوت" (ص 10). أو حين يُهيِّئ نفسه للكابوس ويُكرّر "كلمات إليوت في بداية قصيدته المشهورة: "نيسان أقسى الشهور/ يخرج الليلك من الأرض اليباب/ يمزج الذكرى بالرغبة/ يحرّك خامل الجذور بغيث الربيع" (ص 13). من هنا استعار "فتاة الزنابق".

ويُجسد الكاتب عبثيّته حين يعترف أنّ كابوسه قد تطوّر نتيجة هذيانه المسرحي وسعة ثقافته وبحثه في طيّات الكتب عن وسيلة يُجسّد بها الأرض اليباب العربية مسرحيا. يقول: "أجلس في مقهى بيات وأدوّن الملاحظات، أمكث في مكتبة "أبو سلمى" لساعات أبحث عن مصادر: "الكوميديا الالهية" لدانتي، افيجينيا، نساء طروادة، اعترافات القديس أغسطين وابتهالاته للرب كي يفهم اشكالية الزمن، ميديا التي قتلت أطفالها ... رسالة الغفران للمعري، أعود الى البيت محبطا، عاجزا عن إمساك طرف خيط للبدء بالكتابة" (11-12). وهذا ربط واضح بين الحاضر والماضي وامتداد الخراب والضياع بينهما. فمكتبة "أبو سلمى" في الناصرة، تُمثل خراب الحاضر وضياع الكاتب، فهو يبحث فيها عن الماضي و"يعود الى البيت محبطا، عاجزا عن إمساك طرف خيط للبدء بالكتابة" (ص 12).

كل المصادر التي يبحث عنها الكاتب، لها دلالات واضحة على ثقافته وقدرته على توظيف التناصّ من خلال اقتباسه أقوال الشخصيات من مصادرها الأصلية، العربية أو الغربية التي تعجّ بالشخصيات الشيطانية الشرّيرة التي تُجسد الخراب وامتداده. وقد تكون أسوأ تلك الشخصيات، شخصية "ميديا يوريبيدس وكريستا وولف"، التي أمعنت في انتقامها من زوجها فقتلت أطفالها. ولكنّها بالتالي، ضحية السلطة وخضوعها للآلهة التي تصبّ غضبها على البشر. وهذا ما يظهر واضحا في شخصية افجينيا ابنة آجاممنون (أخت إلكترا)، التي يضحّي بها والدها إرضاء للإلهة أرتيميس التي اشترطت عليه أن يُضحّي بابنته الكبرى العزيزة على قلبه، قبل أن تصبّ عليه (أريتميس) غضب الرياح مرة ثانية.
بقي أن أذكر هنا أنّ رسم الشخصيات النسائية كضحايا خضعت لقسوة السلطة وشيطان الغريزة والانتقام، هو نقد وفضح لمجتمع متخلّف يأبى أن يخرج من سيطرة الخرافات والغيبيّات. ويشكّ الكاتب، ليس بقدرة المجتمع على الخروج من تلك السيطرة، وإنّما يشكّ بأنّه يُريد أن يخرج. فقد اعتاد عجزه وخرافاته فلا يستطيع العيش بدونها. في تساؤلات "فتاة الزنابق" وشكوكها ما يُؤكّد ذلك.

خلاصة

الكاتب أو الراوي أو الإنسان العربي عامة، يبدو في هذا الرواية أعجز من أن يخرج من هذا الخراب. ولكن الكاتب الذي وجد أنّه وضع نفسه وشخصياته وقرّاءه في مأزق، لا بدّ له أن يخرج ويُخرجهم منه. وهذا ما حدث في الخاتمة. فيها لجأ الكاتب بما يُشبه الخداع إلى ما يشبه الحلم يُقتل فيه العرّافون، وفي ذلك ما يُؤكّد العجز عن حلّ آخر. إذ ما معنى "ستظل الأسئلة عالقة في رأسي وفي كياني، إنّها الكابوس بعينه، لأنّها لن تفقد معناها في الطريق" (ص 133)؟ وما معنى أن يستلقي الراوي على ظهره آملا بالراحة وبأن لا تلحقه شخصياته؟ وما معنى أن يعجز عن الإجابة على أسئلة شخصياته؟ ذلك يعني بقاء الأسئلة مفتوحة والكابوس مستمرّا! وما معنى أن يتوّج الراوي كلامه بشعور يكاد هو نفسه لا يُصدّقه حين يقول للطفل الحلبي: "أشعر في هذه اللحظة أن الرعد يستعيد صوته، والجرذان اختفت، والزنبقة الحمراء ستنبت على ضفة النهر أيها الطفل. لقد قتلت فتاة الزنابق العراف الأخير، والطبيعة تحرّرت من كل الآلهة والأنبياء ... ها أنا أرى الفارعة وقد شدّت حبال شادرها على كتفيها عائدة لتنتظر الياسمين في حديقتها، وسلمى ستعود إلى مسرحها لتبرّئ ميديا" (ص 133-134)؟ وأخيرا، ما معنى جوابه للطفل حين سأله: "وماذا عنك أنت؟ فقال له: لا تخف عليّ لأنني لن أحيك أي خرافة حول حكايتي" (ص 133)؟ هل معنى ذلك، تدبّروا أمركم وأنا سأتدبّر أمري في الخلاص من الخرافات؟ أم هو انسلاخ عن الماضي الذي يحلم بألّا يُصبح مستقبلا؟ وهل يكفي هذا الحلم بعد كل تلك الكوابيس المستمرّة؟ أم أنّها مجرّد رؤيا مصطنعة تستجدي تفاؤلا يشحن به الكاتبُ القارئَ قبل خروجه من الرواية، وذلك بعد ما أغرقه في بحر لا قرار له من الخراب والتشاؤم؟
ومهما يكن من أمر، فرواية رياض مصاروة، تستحقّ القراءة، وتحتاج إلى قارئ ذي ثقافة واسعة لكي يستطيع سبر أغوارها وربط خيوطها بخيوط الواقع العربي وكابوس أرضه اليباب الذي لا أحد يعلم متى سينتهي!