حوار مع الناقد والباحث عزيز العرباوي سعدية بلكارح

نظم غاليري الأدب في دورة "حوارات ادبية" لقاء مفتوحا استضاف فيه الكاتب والباحث المغربي عزيز العرباوي..

موضوع الحلقة: سؤال الهوية وإِشكال التراث:

أدارَ الحلقة الكاتب عبد القادر لحميني..

الأستاذ عزيز العرباوي كاتب وباحث وناقد مغربي، ساهم بلديد من المقالات والأبحاث والدراست النقدية والفكرية فيالعديد من المنابر العربية المغربية وبالمجلات المتخصصة والمحكمة، إضافة إلى إصدراه لكتابين "تجليات التراث في الفكر العربي الإسلامي: الجابري وركون نموذجاً" عن نادي تراث الإمارات، و"رمزية الماء في التراث الشعري العربي: دراسة سيميائية" عن دائرة الشارقة، كما حاز المرتبة الرابعة في جائزة الإبداع العربي بالشارقة 2015- 2016 عن روايته "شهيد الحقد"، وله العديد من الكتب رهن الطباعة والنشر...

بداية الحوار:

عبد القادر لحميني: يسعدنا في هذه الحلقة من حوارات غاليري الأدب،أن نستضيف المفرد بصيغة الجمع الكاتب المتعدد الأستاذ عزيز العرباوي، كواحد من الأقلام الواعدة في المشهد الثقافي بالمغرب، أول سؤال يتبادر إلى الذهن كعتبة لتأسيس حوار هذه الأمسية، أين يجد الكاتب عزيز العرباوي ذاته في النص كظل أو كأ ثر ؟،هذا إذا اعتبرنا أن النص شيئا يتوزع في كينونته بين المنفلث والجامد أو بصيغة أخرى بين الثابث والمتحرك، أو بين الكتابة والتأويل.

عزيز العرباوي: شكرا لك أستاذ عبد القادر على تقديمك الجميل، أما في فيما يخص سؤالك، والذي يندرج في إطار الاختيار بين الظل والأثر، فإنني أقول: يصعب على أي كاتب أن يصنف نفسه من خلال ما يكتبه، فإذا ما تحدى ذاته وصنف نفسه في مكانة الظل فإنه سيظلمها، بل قد يقزمها إلى حدود ضيقة، أما إذا ما جعل منها أثراً فإنه سيكون نسبياً في وضع جيد مقارنة مع الأولى، حيث الأثر يدل على أن الكاتب يرغب وهو يكتب في الحصول على موقع أكبر في شخصه أولاً ثم الوصول إلى غاية مهمة وهي تحقيق حب القارئ واحترامه وتقديره...

مصطفى لغتيري: مرحبا بك أستاذ عزيز..نتمنى لك جلسة ممتعة ومفيدة في رفقة أعضاء غاليري.. بعد كتابك حول الجابري وأركون، كيف تنظر للتراث في علاقته بالحداثة، أو على الأقل في علاقته بلحظتنا الراهنة؟

عزيز العرباوي: شكرا لك أستاذ مصطفى لغتيري، بعد انتهائي من محاولتي الأولى حول تجليات الفكر في التراث العربي وخاصة عند الجابري وأركون، برزت لي العديد من القضايا والأفكار التي بقيت في حاجة إلى التوسع والتحديد أكثر، منها العلاقة الكبيرة التي تربط تراثنا بحاضرنا، تلك العلاقة الملتبسة التي تستحق النقاش المستفيض والتفكير الملي فيها، خاصة وأننا نعلم جميعاً أن التراث يؤرقنا فكرياً وثقافياً وحتى سياسياً ودينياً، وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على أن تفكيرنا وقراءتنا له هي قراءة مجردة، بل هي قراءة فيها من الحساسية الشيء الكثير. فلنتصور مثلاً مفكراً ناقدا أعاد النظر في بعض المسلمات والقضايا والأبجديات التي تعتبر في مخيلة البعض منا في موقع التقديس، فهل سيسلم من النقد والتجريح والهجوم والتكفير بكل اشكاله؟ أما عن مسألة علاقة التراث براهننا فإنني أستطيع أن أقول حقيقة وليس مراء، أنها علاقة مشوبة بالحذر لأن أغلب الكتاب والباحثين (وأنا منهم) نكتب ونحن نفكر في ردود الفعل هذه، ودليلي على ذلك، العديد من الكتابات والأبحاث التي تخرج إلى حيز الوجود وهي مغرقة في العموميات ولا تدخل صلب الموضوع ولا تحاول أن تضع مسافة بينها وبين ما تنتقده أو تبحث فيه... كانت لنا تجربة في الكتاب الأول، وهي تجربة متواضعة، من خلالها استطعنا قراءة تراث مهم وعظيم وقراءة نقد لهذا التراث من ناحية، وفهم بعض التيارات الفكرية التي تعاطت معه من خلال إعادة قراءتنا لنموذجين فكريين عظيمين وهما الجابري وأركون، وهما ما هما في هذا المجال، حيث خرجنا بخلاصة مفادها أن تراثنا في حاجة ماسة إلى إعادة التفسير والتنقية والنقد وأن العقل العربي هو عقل متشبع بالوعي الجمعي المرتبط بالتأويل الديني له، وبالتفكير الجماعي الذي يستمد شرعيته من فركة الجماعة الدينية التي تحمي الفرد بكل ما له وعليه... وبالتالي فإن كانت القراءة التراثية للتراث التي هي مطمح الديدين عندنا والتيانتقدها الجابري هي الحل عندهم، فإنها عندنا هي أساس المشكل وأهم منفذ للتطرف وتفريخ التشدد والإجرام...

سمية قرفادي: بكل ترحيب اسر؛وانت تخطو وسط ممشي طريق "الغاليري" المرتع الذي تسطع الاضواء من اسواره، ويفوح عبق الحرف من ارجائه؛ وترقص الابداعات؛ من الحان؛ صدق عطاءاته. وكيف لا؟. ونحن نحاور ونسائل الاديب الراقي "عزيز العرباوي" انتم من تعطون الكلمة حقها غير مهوشين للاجناس الادبية مكلسين واجهتها مضامينها بطلاء المصالحة الادبية؛ بالوان للنقد الادبي/الفلسفي ’التاريخي/الاجتماعي... هذا الشموخ الشاهق؛ صعدنا معه؛الى قمة عطاءاتك الراسية؛ بكل تواضعي الادبي دفعتني لاعتلاء عرش التساؤلات واختراق ما هو مسكوت عليه؛ لعله"الطابو المثلث: الدين؛ السياسة؛ الجنس" طبعا خصوصا هذا الاخير الذي هو خطوط حمراء بالنسبة للابدات النسائي؛ وجائز وسط مراتع التطاء الرجالي باعتباره حقا مشروعا في ظل مجتمع لازال يلمع سكاكين الاقصاء لكل عمل نسائيمادام "مبدا الحب" يرتبط بالنزوات والغرائز البهيمية؛ والى أي مدى سنقيس مشروعية الصدق بكل توجهاته في الابداع النسائي بعيدا عن ضغوطات الموروث السيئ للفهم واعادة الاعتبار للعمل النسائي كيفما كانت تجاوزاته للأعراف وهل نستطيع كأدباء وكتاب اقصاء هوس اللغة الجنوني من كتاباتنا؟؟؟ وكيف نسد ثغرات العزوف عن القراءة التي هي ارقى محطة للاعتلاء بالانسان سلالم الرقي الحضاري متجنبا درك الجهل النوعي الذي نخشى ان تطول انيابه ويفتك بالاجيال القادمة؟ وهل يمكن لنا اعادة الاعتبار للكتاب الورقي باعتباره من مقدسات العلم..... لك مني باقة مشكلة من التقديرات الادبية ودمت مخلصا للتنوع الادبي....

عزيز العرباوي: شكرا لك أستاذة سمية على تقديمك الراقي وعلى شهادتك التي لا استحقها، لأنني مجرد صاحب قلم يبحث في مجاهل العلم والمعرفة عن موطئ قدم ولازال لم يجد ضالته. أنا قول هنا، منطلقاً من سؤالك عن الإبداع النسوي وأنا هنا افضل تسميته الأدب النسوي وهو ذلك الأدب أو الكتابة التي تمارسه(ا) المرأة عموماً، أما الأدب النسائي فهو كل ما كتب عن المرأة سواء كان منتجه امرأة أم رجلاً، هذا من ناحية، أما من ناحية أخرى يبقى الحديث عن الأدب النسوي مسألة فيها أخذ ورد، فالمرأة عندما تكتب لا تكتب من منطلق ترفيهي أو تزييني أو حتى رغبة منها في إظهار شيء أو أمر يصعب عليها أن تظهره في موقع مختلف، المرأة عندما تكتب فإنها تكتب وهي تدرك أهمية ما تكتب أولاً، ثم تعرف أن وظيفتها في مجتمعها تتطلب منها الكتابة والتعبير عن فكرها وعن رأيها وموقفها من الأشياء والقضايا الإنسانية التي تعيشها رفقة أخيها الرجل، وإلا فلماذا يكتب الرجل بالمقابل؟... في هذا الإطار يمكننا القول إن المرأة العربية بالخصوص، قد ساهمت ومازالت بالعديد من الكتابات في تنوير الرأي العام، وفي التعبير عن القضايا الاجتماعية والفكرية والسياسية التي تؤطر المجتمع وعناصر الحياة البشرية، وقد نجحت في ذلك نجاحاً باهراً، وأمثل في هذا الصدد بالمرأة الروائية بالخصوص، فالروائية العربية اليوم صارت تنافس كبار الكتاب العرب الذين تربعوا على ساحة الرواية منذ عقود، وها هي المرأة تحصل على الجوائز وتترأس لجانها، وتمارس النقد بكل أشكاله دون مركب نقص، وهذا لم يكن محض صدفة، وإنما كان نتيجة نضالها الكبير في واقع مجتمعي متخلف ورجعي وتقليدي يقزم دور المرأة ويجعلها من متاع الرجل، فأخذت على عاتقها مسؤولية رد الاعتبار لجنسها ولذاتها الأنثوية التي لا يمكن تقزيمها في جسدها وجمالها وما تملكه من وسائل للإغواء والإغراء، بل أبعدت كل ذلك، واكتفت بالنضال الشريف لتحقيق غاياتها... أما فيما يخص القراءة وضعفها في عالمنا العربي، فهذا أمر يصعب الفصل فيه في أسطر، بل يحتاج منا إلى مؤلفات كثيرة، لأنه أمر مرتبط بمنظومة اجتماعية وفكرية تسيدت علينا وعلى فئاتنا المجتمعية، فغرست كره الكتاب وتجاهله واعتباره من الأشياء الثانوية في الحياة، والنظر إلى المبدع والكاتب والمثقف عموماً نظرة احتقار وازدراء، حتى صار في عرف الكثيرين مجرد مجنون وأحمق، ألم نعشْ مع مقولة: "مسكين سطاه الماط"، أي أن أحمق تراه العين يعبر الشارع يقولون عن الدراسة والقراءة والعلم هم السبب في حمقه وجنونه... أليس مجتمعاً متخلفاً من يقول بمثل هذا الكلام؟

ميلود فيروشة: اهلا بالمبدع الاستاذ العرباوي هذا التعدد والتراكم في الابداع والشأن العام كذلك يحيلنا الى فورة وزخم في الانتاج ما مدى تعالق كل هذه التجليات على الاثار الادبية وتداخلاتها هل من خيط رابط يحدد مسالكها واجناسيتها؟.

عزيز العرباوي: شكرا لك استاذ ميلود، كنت أنتظر مثل هذا السؤال، فشكرا لك لإثارته. في الحقيقة لا يمكن فصل المعرفة عموماً، وتقزيمها في التخصص، لأنني ضد هذه المقولة، عن أي تخصص يمكننا أن نتحدث في ظل عالم شاسع مفتوح على كافة مجالات المعرفة والعلم؟ ولذلك فلا ينبغي لأي كاتب أن يقزم إنتاجه في مجال مخصوص، أو في إطار معين، وهو يعرف قدراته الإبداعية والفكرية وبإمكانه الكتابة في تخصصات أخرى أو مجالات معرفية متعددة. أما مسألة التعالق والترابط فيما بينها، فهذا أيضاً لا يمكنني الفصل فيه، لأنني أضع نصب عيني مسألة واحدة وهي الكتابة في المجال الذي أبحث فيه، أو أبدع فيه، وأنجح فيه قدر المستطاع، ثم بعد ذلك أترك الأمر للقارئ، هذا من ناحية، أما من ناحية أخرى، فلا داعي للتفكير في العلاقة التي تربط بين ما كتبته مثلا في الرواية والنقد أو حتى الفكر، لأنني أقرأ كل شيء بالمقابل، وهذا ما يساعدني في طرق أبواب متعددة من المعرفة الإنسانية. ألم يكن ابن رشد وابن سينا متنوعي الإنتاج وغزيري الإبداع؟ ولماذا لم يتعرضا أو غيرهما إلى هذا الأمر، بل الكل يشيد بهم، ويعتبرونهم قدوة؟. قد يكون هناك رابط، وهذا لم أضعه في الحسبان وأنا أكتب، وقد لا يكون، لكن ما يهم في القضية هي أن أحقق لدى قارئي ما أصبو إليه، وأبحث عنه فيه. هذا ما أضعه في الحسبان...

ميلود فيروشة: جميل لكن لنعود الى اللغة الواصفة التي هي وعاء الكتابة ونسغها كيف استطاع المبدع عزيز بحسه الغزير ان يخلق صياغة اسلوبية تتواتر تماشيا مع تعدد تلك الاجناس وتنويعاتها؟

عزيز العرباوي: في الحقيقة، أنا عندما أتعامل مع اللغة في الكتابة، سواء في الإبداع أم في الفكر والنقد، فإنني أتعامل معها على أنها وسيلة لإيصال الفكرة والمعرفة، فلكل مجال لغته وأسلوبه، فلغة العلم والفكر ولنقد ليست هي لغة الأدب طبعاً، فهما تختلفان من ناحية الأسلوب والصياغة والتعبير، وهذا الاختلاف هو الذي يميز كل حقل عن حقل آخر. أما عن كيفية خلق الصياغة الأسلوبية الخاصة بكل حقل على حدة، فإنني أقول لك يا صديقي، أن القراءة والقراءة فقط، هي التي ساعدتني كثيراً في ذلك، حيث بوساطتها استطعتُ تكوين فكرة عن لغة كل مجال، وبوساطتها كانت لي القدرة المتواضعة طبعاً، على تحديد أهم ملامح ومميزات وصفات اللغة الأدبية واللغة غير الأدبية...

ميلود فيروشة: الاستاذ عزيز تناولت عبر كتاباتك الحداثة الشعرية و احد روادها الماغوط هذا المشاكس وشمس الدين شاعر الجنوب اللبناني الكبير وهما معا كانا يكتبان في مجلة شعر لادونيس ويوسف الخال ترى هل مأزق الحداثة لازال قائما رغما اعطابها على. خد قول بنيس وفبله المجاطي ام ان الشعرية العربية منذ الرواد ظلت تبحث عن موقع لها؟.

عزيز العرباوي: إن الحديث عن الحداثة الشعرية لا يمكنه أن يخرج عن إطار عام يتعلق بالحداثة عامة. فالتحديث في الشعر لا يتطلب منا فقط الخروج عن إطار المسلمات والقواعد المعروفة في الشعر التقليدي، وإنما يتجلى في العديد من الأمور التي قد تكون غير ذات أهمية في الشعر القديم أو التقليدي أو حتى العمودي، حسب التسميات الرائجة. ومن هنا يمكننا أن نعتبر أن كل تحديث في الشعر العربي يمر عبر تبني أسلوب واستراتيجية محددة في الإبداع الشعري، لأن الحداثة ليست في الخروج عن محددات التقليدية من قافية ووزن وغيرهما، وإنما يتعلق بأمر أساسي هو تحديث الفكر البشري والتفكير بطريقة مختلفة في القضايا الراهنة، والتعبير عنها بطرق جديدة غير تلك التي يفكر بها من يحن إلى الماضي ويعيش على وهجه وألقه، ويعيد صياغته بأسلوب جديد مبتعداً ما أمكن عن كل ما هو شكلي لكنه لا يستطيع أن يغادره على مستوى التفكير والتعبير. هذا كله يقودني إلى القول إن الشعرية العربية المعاصرة بالتحديد، فشلت في الحفاظ على حققه هؤلاء الرواد، والسبب هو ذلك التسرع في الكتابة، ثم اعتناق مذهب الآخر في الكتابة الشعرية، وتجاوز العديد من الوظائف الجديدة التي يطلع بها الشعر العربي عموماً، وبالتالي ما ينبغي التأكيد عليه هو العودة إلى هؤلاء الرواد من أجل الاستمرار والإضافة على ما أتوا به وأبدعوا في إطاره من شعر عظيم وجميل مازال يؤثر في القارئ إلى اليوم...

زبيدة أوبح : المبدع عزيز العرباوي وسط هذا الكم الهائل من الكتابة في كل الأجناس والتي شهدها يشهدها العالم العربي هل ترى ان المبدع يجب ان يحدد مساره الابداعي منذ البداية ويخطط ليصل إلى هدفه ام يبدع هاويا واسيرا لالهامه ويترك للناقد تحديد هويته الإبداعية؟

عزيز العرباوي: شكرا لك أستاذة زبيدة، أظن أنني أجبت عن الكثير منه في السؤال السابق، لكن أزيد وأقول لا يمكن للمبدع أن يحدد مساره الإبداعي، لأنه ليس صاحب حرفة أو مهنة معينة. فهو مبدع كاتب يكتب عندما تتوقد حواسه وتبوح مشاعره بمشاعر معينة ومختلفة، وعندما يشعر أنه في حاجة إلى إخراجها إلى الوجود ومشاركة الناس والقراء إياها. أما الناقد فهو حر في قراءة العمل الأدبي أو عدم قراءته وبالتالي نقده، فكل ناقد، وأقصد هنا الناقد الحقيقي، وليس الناقد (النكافة) بالطبع، فهو عندما يكتب عن عمل أدبي لا يكتب وهو لا يحبه أو يثيره معرفياً وإبداعياً وأدبياً وإلا فلا حاجة لنا بقراءته وكتابته عن هذا العمل. لقد راجت مؤخراً كتابة نقدية تحت الطلب، أو بأسلوب آخر، نقد المجاملة، حيث أساء للفعل النقدي وأنتج كتابات متخلفة وموغلة في المدح والمجاملة، فلم يحقق في الواقع الثقافي والأدبي شيئاً، للأسف الشديد.

زبيدة أوبحو: شكرا لك المبدع عزيز العرباوي على إجابتك الهادفة والناقدة لما يجري ويعاني منه عالم النقد على الخصوص؟
مصطفى لغتيري: سؤالي دوما يتعلق بالتراث، لاحظت من خلال كتابكم حول التراث اهتمامكم بمفكرين من المغرب العربي الجابري المغربي وأركون الجزائري، رغم ان هناك العديد ممن تناولوا التراث مشرقيا بل كانت لهم الريادة في ذلك. طيب تيزني، جلال العظم، فرج فودة، وغيرهم فهل هذا كاان الاختيار لضرورة منهجية؟ ثم هل يمكن الحديث عن مدرسة مغربية وأخرى مشرقية في التعاطي مع التراث؟ وهل نجح المفكرون العرب في القطع مع النظرة الاستشراقية للتراث التي تبناها الغرب لردح من الزمن؟.

عزيز العرباوي: شكرا لك أستاذ مصطفى، صراحة اسئلتك الجميلة مستفزة للفكر والمعرفة. أما فيما يخص الكتاب فإنني أقول لك إنني لم أتجاهل مطلقاً هؤلاء الكبار في الكتاب، فقد توزع الكتاب على أربعة فصول، خصصت فصلين منه إلى الحديث عن مفهوم التراث عند العديد من الباحثين والمفكرين العرب منهم زكي الميلاد، وجلال العظم، حسين مروة،... وغيرهم، وهو عبارة عن تأصيل للتراث العربي الإسلامي وذلك من خلال المنظور الإسلامي والمنظور التاريخي، والمنظور المعاصر. ثم خصصت الفصل الثاني إلى تطور التراث والبحث فيه من خلال تجليه في الفكر العربي المعاصر عند زكي الميلاد، فهمي جدعان، محمود أمين العالم، منير الحافظ... بعدها انتقلت إلى الجابري في فصل ثالث، وأركون في فصل رابع... ومن هنا أقول إنني لم يكن في الإمكان المرور على كل الباحثين والمفكرين العرب كافة في كتاب أول ومحاولة أولى أحاول أن أضع بها قدمي في هذا البحر العلمي والمعرفي العظيم... أما فيما يخص الجزء الثاني من سؤالك المتعلق بإمكانية القطع مع النظرة الاستشراقية للتراث المتبناة من طرف الغرب، فهذه مسألة فيها نظر، وفيها رؤى متعددة، فالقطيعة مع التراث قطيعة نهائية دعا إليها البعض من مفكرينا، وكانوا غير موفقين فيها، لأنه يصعب القطع مع الأصل والجذر، وهذا أمر ينبغي التفكير فيه ملياً قبل الخوض فيه، أما الدعوة الأخرى التي تقول بأن التراث لا يمكن تجاوزه والقطع معه نهائياً، أيضاً هي في حاجة إلى إعادة التفكير والتأطير الفكري والنظري، أنا مع مقولة الجابري في هذا الأمر، وهي دعوة مهمة تدعو إلى قطيعة مع القراءة التراثية للتراث، وليس للقطيعة معه، فأي قراءة لتراثنا ينبغي من وجهة نظره، أن تنبع منا، لأننا أعلم بأمور دنيانا، وأكثر معرفة بحاجاتنا الماسة وبكل ما ينفعنا وما لا ينفعنا من هذا التراث، حتى ما ييتعلق بالقضايا الدينية، وهنا، ولكي لا يساء فهمي، أقصد تلك التفسيرات والتأويلات التي عالجت القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف....

خالد الفهام: تحية لك وتقدير لجهودك الهامة في كتابك القيم على الصعيد الفكري والتغييري في بنية الفكر العربي والاسلامي بهدف سامي ملح وهو الانتشال المجتمعات من الجمود من تبني التراث كما هو في نظر السلف في حياتنا الحالية والمستقبلية..أي ما يشبه التقديس للتراث وبكل تداعياته الخطرة على الطموحات للأجيال في التطور والرقي والتقدم (وهي دعوة مهمة تدعو إلى قطيعة مع القراءة التراثية للتراث، وليس للقطيعة معه، فأي قراءة لتراثنا ينبغي من وجهة نظره، أن تنبع منا، لأننا أعلم بأمور دنيانا) اما آن الأوان للانتقال من مرحلة الدعوة لقراءة التراث من وجهة نظره الى وضع تصورات ورؤى وأفكار توضع في خطط وخطوات عملية تندمج في البرامج والسياسات الثقافية وتتخذ منحى عملي يوقف القراءة للتراث وتبني وجهة نظرة كأنها ملزمة بلا انفكاك عنها.. اي الانتقال من الكتابة الساكنة الى الكتابة الضاغطة... وانتهز هذا اللقاء كي اهنئك على النيل دبلوم الماستر موضوعه التحليل النفسي للأدب(مقاربة نفسية لنماذج شعرية لأحمد مطر).

عزيز العرباوي: شكرا لك على التهنئة، أما موضوع الماستر فهو "بلاغة السرد: الاستدلال وإنتاج المعنى في رواية "طوق الحمام" لرجاء عالم"، اما الموضوع الذي كتبته فهو لصديق شاركت من خلاله الخبر...

عزيز العرباوي: أعود إلى سؤالك الأخير، طبعاً أنا أتفق معك في هذه الدعوة، وإلا سأكون تراثياً بدوري، فكل ما لا يعاصرنا فهو من ماضينا وتراثنا، لكنني أعتبر أن الدعوة الجابرية لم تأخذ حقها من التطبيق، وحتى من الفهم والإدراك، ولذلك فدعوته مازالت قائمة، ويمكننا تنقيحها والذهاب بها أكثر من ذلك، وتبني رؤية موضوعية أخرى تنهل من دعوته وفكرته الأساس، وتنطلق بنا نحو المستقبل على أساس من الإبداعية والتجديد لا التقليد المحدود الأفق. ثم ليس هذا مربط الفرس، المسألة تتعلق برؤيتنا النقدية للتراث يا عزيزي، فهي رؤية ذات وجهين متنافرين: إما رؤية متأصلة في التباكي عليه والحنين إليه والدعوة إلى إعادته بكل تجلياته وصوره النمطية والموضوعية، وإما رؤية هدامة واستقصائية تعتبر التراث تخلفاً ورجعية ولا يصلح إلا أن يكون في مزبلة التاريخ. للأسف الشديد هما رؤيتان لهما حضور قوي في الساحة الفكرية وتتصارعان بكل شيء وبوسائل تصل حد التطاحن والتحارب، وهذا إن دل على شيء، إنما يدل على أننا لا نعيش زمننا، وإنما نعيش زمناً آخر بعيداً كل البعد عن حقيقتنا التاريخية....

خالد الفهام: التراث حقيقة لا يمكن تجاهلها وهو ارث ثقافي ثري قد لا يماثله قيمة في الثراء أي جهد في أي ارث لأمم أخرى.. نتج عن بعضه الكثير من الآلام والمعاناة والاعاقات والصراعات لمواكبة التطور ولكنه في جوانب كثيرة منه هي مضيئة وشاهدة على حركات فكرية وعلمية سباقة وتصلح ركيزة انطلاق لمستقبل ثقافي عظيم... لا نحاكم التراث بل نعتبر من حقه أن يكون مرجعية للدارسين والمطلعين عليه لأغراض بحثية ومعرفية ونترك للأجيال القادمة الحكم عليه وحقها في التعرف عليه كما هو دون حذف أو تزوير..ودون أن يعطل مواكبتها لركب التطور والحداثة والتغيير المذهل والاعجازي المتسارع لحظة بلحظة في حياة البشر

عزيز العرباوي: صدقت ايها العزيز، وهذا ما نهدف اليه في كتاباتنا.

خالد الفهام: كتاباتك ستكون شعلة مضيئة في ثورة فكرية ثقافية تنويرية تغييرية انشد معايشتها.

عزيز العرباوي: شكرا لك صديقي على ثقتك هذه، وعلى دعمك وعلى أسئلتك المحفزة على البحث والتفكير... أتمنى أن أكون كذلك، تحياتي.
زبيدة أوبحو: الكاتب والإنسان عزيز بما انك متتبع ومتفاعل مع الشأن العام ومايجري في المغرب بصفة خاصة وامام هذا الوضع النائم والراكض والمتواطىء كيف ترى مستقبل ماهو نقابي وما هو البديل وهل ترى أملا في الأفق لتدارك وانقاد مايمكن انقاذه،قبل ان نفقد العقال ونجد أنفسنا في قبضة الفوضى وتسيير القوى الاقتصادية العالمية مستترة وراء حفظ السلام ومسميات أخرى..؟

عزيز العرباوي: شكرا لك استاذة زبيدة على هذا السؤال، وإن كنت لا أرغب في الخروج عن إطار الأدب والفكر، ليس لأنني لا أحب مناقشة أمور السياسة والمجتمع، لكنني أعرف أن كل ما هو سياسي يفقد جمالية ومتعة القول والتأدب مع من تحاوره، فأتمنى أن لا أفقد احترامكم بما سأقوله. المستقبل من خلال الوقائع والأحداث السياسية والاجتماعية الراهنة في وضع لا يسر أحداً، وقراءتي لها تنبع من كوني أدرك مخاطر التردي السياسي والنقابي والثقافي الذي نعيشه، فلا الثقافة في المغرب بخير ولا السياسة والعمل المجتمعي أيضاً، ولذلك ما ينبغي علينا هو الوقوف لحظة طويلة مع أنفسنا وفيما بيننا وإعادة البحث في مسببات هذا التردي ومحاولة تجوزها، أو على الأقل توضيح الصورة للناس، لكيلا نفقد البوصلة لصالح ما لا يحمد عقباه. السياسيون في بلدنا لا يعرفون من السياسة إلا ما يمكنها أن تمنحهم من مصالح ومنافع لا غير، والمثقفون عندنا لا يهمهم من أمر الثقافة إلا الشهرة وجني بعض المال والحظوة، بل لا يهمهم ما يقع في البلاد من أحداث متلاحقة وقرارات سياسية واجتماعية تضرب تماسك المجتمع وقيمه عرض الحائط. ماذا ننتظر من مبدع لا هم له في الكتابة إلا أن يكتب عن الحب والجنس والمرأة وعن غزواته الجنسية والمادية؟ وماذا ننتظر من كاتب لا يدرك أهمية اللحظة التاريخية التي يعيشها ليعبر فيها عن رايه وموقفه من القضايا المجتمعية؟ وماذا ننتظر من مفكر كبير يناقش رجلاً أمياً ويراشقه بالكلام ويناقشه بلغته؟ وماذا ننتظر من سياسي يرقص على إيقاع السخرية والهزل ويراشق منافسيه ومعارضيه بالكلام الساقط كأنه في حمام شعبي؟ وماذا ننتظر من نقابي وضعنا فيه الثقة وحملناه مسؤولية الدفاع عن حقوقنا وعندما جاء الوقت المناسب ليفعل ذلك، ذهب ليعتمر بأموالنا وتركنا عرضة للنهب والتجويع؟... هي أسئلة حارقة أستاذة زبيدة، لكنني أشعرها وأشعر بحرقتها، كما أشعر بخطر الذين يعيشون على أمل واحد وهو الرجوع عن سياسة التجويع والتفقير والنهب ضد الطبقات الاجتماعية البسيطة والفقيرة والمتوسطة (مع بعض التحفظ)... في النهاية أقول إن العمل النقابي أصبح عندنا مجرد وسيلة لتحقيق المصالح الشخصية والذاتية والضغط على المسؤولين والحكومة لإغماض عيونها عنهم، وإن العمل السياسي أصبح مجرد ديكور نواجه به العالم ونزين به صورتنا السوداء والملطخة بالوحل، وإن العمل الثقافي الرسمي طبعاً مجرد أداة للظهور بمظهر غير حقيقي حتى ولو تم تزويقه بالمهرجانات والملتقيات والمنتديات الرسمية...

زبيدة أوبحو: يؤسفني اخي عزيز ان أخبرك أنني اقاسمك نفس الإحساس المحبط واظن أننا ان لم نقم نحن الأغلبية الصامتة ضعنا لا محالة.

خالد الفهام: عزيز العرباوي تحدثت فلامست جراحاتنا وشكوانا من أنفسنا وانفصال المثقفين عن هموم المجتمع والأخطار التي تهدد حاضره ومستقبله " ماذا ننتظر من مبدع لا هم له في الكتابة إلا أن يكتب عن الحب والجنس والمرأة وعن غزواته الجنسية والمادية؟ وماذا ننتظر من كاتب لا يدرك أهمية اللحظة التاريخية التي يعيشها ليعبر فيها عن رايه وموقفه من القضايا المجتمعية؟ تلك اسئلة نلقيها في الفضاء الثقافي العربي عامة لك ألف شكر.

عزيز العرباوي: شكرا لك صديقي.

منصف القرطبي: تحيّة طيّبة للأستاذ عزيز العرباوي ولكافة مبدعي غاليري الأدب. تتعدّد الأجناس الأدبية التي يبدع فيها الكاتب عزيز، من قصة ورواية...ومن ثمة فهو متعدد في كتاباته، يأخذ غمار الأجناس الأدبية بلا خوف أو تردّد، ومن هذا المنطلق أسألك صديقي : كيف توفق بين هذه الأنماط الإبداعيّة؟؟ لاسيما وأن الإبداع الحقيقي في جنس أدبي مثلا كالقصة القصة يتطلب قراءات وقراءات للأدب العالمي والعربي وكل من كتب في هذا الجنس، بغية ترسيخ الكاتب لاسمه ضمن رواد هذا الجنس أو ذاك؟؟ وماهو معدّل قراءة الكاتب عزيز؟؟ وهل يكتفي بقراءة كتاب واحد أم أنّه ينخرط في قراءة مجموعة من الكتب تجنبا للملل؟؟ وأنت تعلم مليا أن القراءة هي أم الكتابة... مودتي لك وعذرا على الإطالة.

عزيز العرباوي: شكرا لك صديقي العزيز منصف القرطبي، سؤالك مهم، وقد أجبت عنه أو عن جزء مهم منه فيما سبق، لكنني سأضيف وأقول إن مسألة الكتابة في جنس واحد لا يمكنها أن تقنعني صراحة، قد يفهم من كلامي هذا بعض العجرفة الزائدة، لكنها الحقيقة، وأستسمح القراء والأصدقاء الكرام على هذا الكلام. في الحقيقة أقرأ كثيراً وأتابع الأمور بكل جهد قدر المستطاع، وأقول لك إنني أقرأ كل شيء حتى الاقتصاد والجغرافيا والتاريخ والرياضيات كلما سنحت لي الفرصة، أما القصة أو غيرها من أجناس الأدب الأخرى، فإنني أقرأ أيضاً منها الكثير ولا أستطيع أن أحصر لك العدد أو حتى الأسماء التي قرأت لها. أما عن قولك إن كتابة القصة تتطلب من القاص قراءة الكثير من النصوص أو المجموعات، فإنني لا أقتنع بهذه الفكرة مطلقاً، فلو اشترطنا مثلاً هذا الشرط على كتابنا العرب في فن القصة مثلاً دون غيرها فلن تجد قاصاً واحداً بيننا. هذا من جهة، ومن جهة أخرى أنا لم أعد أومن بمقولة الشاعر القديم وهو ينصح شاعراً مبتدئاً ليصبح شاعراً بأن يقرأ ألف بيت شعري ويحفظها عن ظهر قلب ثم ينساها، ومن ثم سيبدأ في قول الشعر.... نعم القراءة هي أم الكتابة، بل هي سيدة عرش الإبداع، وبدونها لن يستطيع المبدع والكاتب أن يبرح باب بيته في إبداعاته، فإذا كان مقلاً في قراءاته فإنه سيكتب عن بيته وعن أهل بيته ثم عن حيه ودربه وشارع المدينة التي يسكن فيها، وكلما قرأ فإنه سيخرج من هذا الفضاء الضيق... القراءة هي دسم الكتابة، هي ملحها، هي كل شيء... بالنسبة للمبدع أولاً وأخيراً... وبدونها لن يستمر....

سعدية بلكارح: تحيات عطرات أخرى ترقى إليكم أديبنا أستاذ عزيز العرباوي.. اتتبع وألتقط أنفاس هذا اللقاء الرائع.. فيبرز لي سؤال حول النقد الأدبي الحديث.. الذي يغير مسار الكلاسيكي الذام في أغلبه أو المادح إلى الواضع خطوطا عريضة تحت فنيات النص وتشريحه أدبيا..مبرزا جمالياته قبل هفواته..مقصيا الكاتب غير هاج له.. ولا مادح.. إلا حسب متطلبات القراءة.. هل هذا الإقصاء النسبي للكاتب حين النقد من حسنات أم عيوب الحداثة؟ لم أقل إعدام الكاتب على غرار رؤيا بارت ولكن أقول الإقصاء النوعي الذي تتطلبه القراءة..
سؤال متشعب..وأعتذر عن الإطالة أستاذ عزيز..هل نحن في صدد انتعاشة للنقد العربي أم لا زال أدبنا يعاني من المحسوبية وهذا الراجح؟؟شكرا جزيلا.

عزيز العرباوي: شكرا لك أستاذة سعدية على هذا السؤال الجيد. حقيقة أنا بفعل متابعاتي لواقع النقد العربي الحديث، أجد نفسي أمام أهوال وأمور عجيبة وغريبة، وهذا لا يعني أن النقد العربي كله غير جيد، هناك بالفعل العديد من الأقلام التي تركت بصماتها في إطار النقد الأدبي، واستطاعت أن تراكم تجارب ضخمة ومهمة في المدونة النقدية العربية. لكنني أنا هنا بصدد ظهور العديد من الأقلام النقدية التي تجمِّل القبيح وتقبِّح الجميل، بل تمنح (صكوك الغفران) -إن صح التعبير- لبعض المبدعين، وهذا ما يؤثر سلباً على المعرفة الأدبية التي نروم تحقيقها في مجتمعاتنا العربية ونجابه الآخر بها. يؤسفني القول إن بعض الكتابات النقدية صارت تمنح اعترافاً بالإبداعية لمبتدئين يخطئون في كتابة الهمزة، وهناك من الرواد في العديد من الأجناس الأدبية، وخاصة في المغرب، من يقدم مثل هؤلاء المبتدئن ويمنحهم شيئاً لا يستحقونه، وقد اعترف العديد منهم بهذا الخطأ، وتحسر عليه. أعود لمسألة موت المؤلف التي برزت في النقد الغربي على يد باحثين غربيين كرولان بارت الفرنسي، فأقول إن موت المؤلف لا يعني أن نطرده إلى الجحيم ونخرجه من تلك الفسحة التي يطل منها على قارئه وهي المتمثلة في نصه الذي ابدعه، فلو كان الأمر كذلك، فكيف يمكننا قراءة عمل سير-ذاتي مثلا؟ إن مسألة انتعاشة النقد العربي من عدمها، تتطلب منا وقفة متأنية وتفهماً واضحاً لأسباب تراجعه أو على الأقل لخروجه عن المرغوب فيه، واتكاله على المدح والهجاء، وليس الجزم بضعفه أو بموته أو فقط بتراجعه...

سعدية بلكارح: شكرا على سعة الصدر و رحابة الفكر سي عزيز..

عزيز العرباوي: العفو أستاذة سعدية.

عبد القادر لحميني: الكاتب والباحث الأستاذ عزيز العرباوي في اشتغالكم على الثراث العربي بشكل من الأشكال ألا ترون أنه من الفضاضة المريبة،أشتعال (بالعين)المنجز العربي بالطرح الإيديولوجي وابتعاده في كثير من أحايينه عن الموضوعية، وهنا أذكر على سبيل المثال مداخلات جورج طرابيشي ونديم البيطار حول (الهوية العربية والطرح الإيديولوجي)، الذي انتصر فيه البعض إلى الإيديولوجي على الهوياتي؟

عزيز العرباوي: شكرا لك استاذ عبد القادر، أنا أتفق معك في هذا الطرح، بل أزيد وأقول إن أغلب الأطاريح التي ناقشت التراث العربي الإسلامي بالخصوص، وبالضبط مناقشة النص الديني، هي أطاريح لها رؤية إيديولوجية تبتعد كثيراً عن الموضوعية العلمية التي تتطلب الابتعاد ووضع مسافة كبيرة بين الباحث وبين ما يبحث فيه، لكن هذا الأمر يغيب في العديد من الكتابات والأبحاث. وهذا غن دل على شيء إنما يدل على أن هؤلاء الباحثين يفشلون في هذا الامتحان لعدم قدرتهم على مواجهة ما يبحثون فيه، وموجاهة من ينتقدهم أو يهددهم. وحتى على المستوى الهوياتي فإننا نكون أمام غلبة الهوية الخاصة على الهوية الجمعية التي تتطلب تحقيق غاية تنقيح النص وتأويله حسب المصلحة العامة، فالشيعي مثلاً يبحث عن تأويل يوافق هويته المذهبية، والسني يفعل ذلك أيضاً، ومن هنا يغلب على أبحاثهم التوتر الفكري والاختلال المنهجي...

سعيد بلمبخوت: كتبت في كتابك الصادر مؤخراً عن دائرة الشارقة "رمزية الماء في التراث الشعري العربي" لماذا يرتكز الرمز في الشعر فقط؟.

عزيز العرباوي: شكرا لك صديقي المبدع المترجم سعيد بلمبخوت، إذا فهمت سؤالك جيداً فإنني أقول إن الرمزية لا يمكنها أن تنحصر في الشعر فقط، بل إن الرمزية التي ظهرت مع الشعر وبأقلام شعراء في الغرب، فإنها انتقلت إلى باقي أجناس الإبداع الأخرى كالمسرح مثلاً، وخير دليل على ذلك الرمزية في مسرح توفيق الحكيم. الرمزية لم تنحصر في الشعر، لكنها برزت فيه لأنه المجال الأدبي والفني الذي يستوعب الرمز والإيحاء أكثر من غيره، لأنه مرتبط بالمشاعر والأحاسيس الإنسانية، ولا يمكن للشاعر أن يبوح بمشاعره وأحاسيسه بشكل مباشر، لذلك يلتجأ للرمز والإيحاء ليبدع ويعبر عنها بكل أريحية وحرية متفادياً رقابة المجتمع ورقابته الصارمة...

منصف القرطبي: لما رأيت جميل تفاعل صديقنا الكاتب عزيز العرباوي، أحببت صراحة طرح أسئلة أخرى وفتحت الشهيّة كما يقولون، وأحسبني محظوظا بكرم أهل غاليري وضيوفه الأجلاء. أما سؤالي فهو مباشر: كيف تنصح الكتاب الشباب المقبلين على كتابة الرواية؟؟ وهل من خطّة لذلك؟ وما هي متطلبات كتابة الرواية؟؟

عزيز العرباوي: شكرا لك صديقي، ومرحباً بك، نصيحتي لك هي أن تقرأ الرواية وتحاول أن تقرأها بعين ناقدة لا بعين القارئ العاشق للقراءة فقط، هذه القراءة النقدية ستساعدك في الوصول إلى غايتك في كتابة الرواية. عندما قررت أن أكتب الرواية مثلاً، كنت أجلس وأقرأ رواية معينة وأحاول أن أبحث فيها عن أخطاء الكاتب وعن فلتاته اللغوية والأسلوبية وحتى الموضوعية والشكلية، ووجدت أن هناك العديد منهم من يغرقك في العموميات ويبتعد بك عن قضية الرواية وفكرتها الأساس، فيهيم في عوالم بعيدة كل البعد عنها، هدفاً في تطويلها وجعلها رواية طويلة وكبيرة، لكنه بذلك يكون قد ضيعها نهائياً. هذه هي الخطة الوحيدة لكتابة الرواية وغيرها من الكتابات الأدبية، وليست هناك خطة معينة ومحددة لذلك. هذه قناعاتي، ونصيحتي: اقرأ الرواية قراءة نقدية، ثم اقرأ بعد ذلك النقد الروائي لتعرف بعض ما ينبغي تجاوزه في ذلك. في الحقيقة أنا أجد الكثيرين يسألون مثل هذا السؤال في اللقاءات الأدبية وفي المنتديات، لكنني أنصح الذين يفعلون أن لا يطرحوه من الآن فصاعداً، لأن جواب المبدع لن يشفي الغليل، وسيبقى ناقصاً على طول الخط. في النهاية أتمنى أن نقرأ عنك في المستقبل خبراً يفيد بنشرك لروايتك الأولى....

وفاء القضيوي الادريسي: أحيي تعددك الحكاىيي سيد عزيز العرباوي قصة ورواية..التعدد الذي يسد تلكم الثغرة التصنيفية والمفاضلة بينها لدى جمهور كبير من روادهما كما حدث بين أحمد بوزفور واحد الروائيين السوريين..والحال انه الآن تم تهافت جملة من الكتاب على الصنفين معا فالأمر أصبح ينذربناقوس الرداءة في ساحة الحكي..أن على مستوى القاعدة الثقافية للساردين ان على مستوى الصنعة الحكاىية..ولا غرو أن الرداءة تطال بلا هوادة المستويين معا.. سؤالي مقتضب جدا سيد عزيز :كيف تؤسس لنفسك الساردة او الواصفة او الحوارية..مناعة مضادة للرداءة كتابة وقراءة..سيما والحكي في يومنا يشرىب إلى صحوة التجريب والتثوير، كل المنى والحمى مبدعنا الحصيف عزيز العرباوي.

عزيز العرباوي: شكرا لك سيدتي على سؤالك، في الحقيقة أن تحقق لنفسك مناعة ضد الرداءة فهذا ليس بالأمر الهين، فالرداءة متعددة المشارب والتوجهات والمواقف والقناعات، إذن الرداءة رداءات، حسب كل قارئ وحسب كل ذائقة، ومن هنا، أقول إنني عندما أكتب أحاول أن لا أقع فيما لا يحمد عقباه، فأختار الموضوع بعناية، وأبحث له عن ما يثريه لا ما ينقصه أو يفقره على مستوى اللغة والموضوع حتى التيمات، فروايتي الأولى التي نوهت لجنة تحكيم جائزة الإبداع العربي بالشارقة 2015- 2016، كان موضوعها الأساس هو الطفولة المغتصبة والمتخلى عنها، وأطفال الشوارع، إضافة إلى التفكك الأسري والاجتماعي الذي يعاني منه المجتمع الحديث... أما روايتي الثانية والتي أنا بصدد وضع اللمسات الأخيرة عليها فموضوعها هو موضوع الساعة طبعاً وهو الواقع الديني والسياسي الذي تعيشه العديد من البلدان العربية، لكنني عالجته بطرية مختلفة، فأتمنى أن أكون عند حسن ظن القارئ الكريم...

عبد العزيز كصاب: أهلا وسهلا بالكاتب والناقد عزيز العرباوي، يتوسل النقاد بجملة من المناهج النقدية في استنطاق العمل الأدبي، فما هو المنهج النقدي الذي تتوسل به ؟ وما حدود حضور المنهج السيميائي في تجربتك النقدية؟

عزيز العرباوي: شكرا لك أيها الصديق العزيز المبدع عبد العزيز كصاب. إن حضور المنهج في مقاربة العمل الأدبي ضرورة لها أهميتها الكبيرة في تحقيق أهداف الدراسة، وإلا غابت هذه القصدية وأصبح بإمكان أي أحد أن يكتب عن الأدب من منطلق خاص به، دون أن يتوسل منهجاً معيناً، ولذلك فالمنهج له أهميته ودلالته في الوصول إلى دلالة النص وتحقيق المعنى المرجو منه. أما المنهج الذي أتوسل به تحليل النص الأدبي، فإنني أنحو إلى المنهج السيميائي لما له من أمكانية كبيرة في التأويل والتحليل والبحث عن دلالة الأشياء والتعبيرات، فهو منهج سلسل وغني بالمفاهيم المسعفة في التحليل، وجامع للعديد من المفاهيم والمناهج والنظريات ومتداخل معها من حيث المفاهيم مثل اللسانيات والبنيوية والنقد الثقافي والدلالة و... هذا المنهج من حيث كونه منهجاً متعدد المنطلقات التأويلية يسعفني في المقاربة النقدية للنص الأدبي، وهذا ما جعلني أختاره، وكتابي حول رمزية الماء في التراث الشعري العربي خير مثال على ذلك...