نَسِيمٌ بَحْرِيٌّ

، بقلم لحسن الكيري

نظم: سْتِيفَانْ مَالَارْمِي*

اَلْجَسَدُ مَحْزُونٌ، وَا أَسَفَاهُ! وَ قَدْ قَرَأْتُ كُلَّ الكُتُبِ
فَلْأَهْرُبْ، فَلْأَهْرُبْ بَعِيدًا! أُحِسُّ الطُّيُورَ قَدْ انْتَشَتْ
مِنْ تَوَاجُدِهَا بَيْنَ الزَّبَدِ المَجْهُولِ وَ السَّمَاوَاتِ!
لَا شَيْءَ يَسْتَطِيعُ إِبْقَاءَ هَذَا القَلْبِ الَّذِي يَغْرِقُ فِي البَحْرِ،
لَا البَسَاتِينُ القَدِيمَةُ الَّتِي تَعْكِسُهَا العَيْنَانِ،
يَا أَيَّتُهَا اللَّيَالِي! وَ لَا نَصَاعَةُ سِرَاجِي الشَّفَّافَةُ
الَّتِي يُقَاوِمُهَا البَيَاضُ فَوْقَ الوَرَقَةِ الفَارِغَةِ،
وَ لَا المَرْأَةُ الشَّابَّةُ الَّتِي تُرْضِعُ ابْنَهَا.
أَنَا سَأَرْحَلُ! يَا قَارَبُ، حَرِّكْ صَوَارِيكَ،
اِرْفَعْ مِرْسَاتَكَ بَحْثًا عَنْ طَبِيعَةٍ غَرَائِبِيَّةٍ!
مَلَلٌ، دَمَّرَتْهُ الآمَالُ العِرَاضُ الجَارِفَةُ،
يَثِقُ فِي الوَدَاعِ العُلْوِي لِلْمَنَادِيلِ! لَا زَالَ
وَ رُبَّمَا صَوَارِيكَ نَفْسُهَا تَحُثُّ العَوَاصِفَ،
مِثْلَ تِلْكَ الَّتِي تُوَجِّهُهَا الرِّيحُ نَحْوَ الغَرْقَى الضَّائِعِينَ
بِدُونِ صَوَارٍ، بِدُونِ صَوَارٍ، وَ لَا حَتَّى جُزُرٍ خِصْبَةٍ تَلُوحُ فِي الْأُفُقِ.
لَكِنْ، يَا قَلْبِي! اسْمَعْ كَيَفَ يُغَنِّي البَحَّارُونَ!

* شاعر فرنسي، وُلد في باريس 18 مارس عام 1842. ينتمي مالارمي إلى تيار الرمزية ويعد واحدًا من روادها. التحق بمدرسة داخلية عقب وفاة والدته وزواج والده حتى أتم دراسته الثانوية. تزوج من فتاة ألمانية تدعى ماريا غيرهارد، والتي كانت تكبره ببضع سنوات، ثم سافرا معًا إلى بريطانيا وتزوجا عام 1863. كان مهتمًا بنظم الشعر منذ صغره، ورأى أن يتفرغ له بعد أن أحس أنه يستحق التضحية. كان قد حصل على شهادة تأهيل لتعليم اللغة الإنجليزية، مما سهل له حياته في ذلك الوقت. نظم مالارمي بعض القصائد الشعرية مثل "النوافذ". ومع مرور الوقت، تيقن من أن مهنة التدريس ما هي إلا وظيفة تجلب له الاكتئاب الذي عاشه منذ صغره منذ فقد والدته والده وشقيقه، فعزم على الابتعاد عنها.

في عام 1866 قدم مالارمي عشر قصائد للنشر في صحيفة "البارناس" المعاصر وكان من أشهرها "النوافذ" و "اللون اللازوردي" و "نسيم بحري". وكان قبلها بعامين قد رزق بمولودته التي لم تزح عنه آثار الآلآم التي عاشها مسبقًا، وجاءت معه بطريقة عكسية، زادت من همومه.
كان مالارمي معجبًا بأعمال فيكتور هوجو الشعرية، ولكنه في الوقت نفسه أراد أن يتجاوز مفهوم الشعر التقليدي الذي لم يشهد تطورًا كبيرًا منذ القرن السادس عشر. واتجه إلى مفهوم جديد مبتكر كانت ثمرته الدراما الشعرية "هيرودياد"، وقصيدة ريفية أخرى تحت عنوان: "بعد ظهيرة إله الريف الأسطوري" التي تم نشرها عام 1876. وتميزت هاتان القصيدتان بالتناقض الشديد، حيث كانت بطلة الأولى هيرودياد فائقة الجمال، وكانت تمثل الرغبة الحسية المفقودة في بحثها عن الطهارة الخالصة، بينما كان يمثل إله الريف الرغبة الحسية الشهوانية غير المشبعة. امتاز شعر مالارمي بالأصالة، حيث ساعدت طبيعته المنغلقة وتفكيره العاطفي إلى الوصول به إلى تيار الهرمسية الغامض والمستغلق؛ وبالتالي نتج عن ذلك، أعمال شعرية مليئة بالغموض، حيث كان القارئ يتيه بينها وكان لا يعرف من أين تبدأ قصيدته وأين تنتهي. وكان مالارمي يهدف بذلك إلى الوصول إلى فئة النخبة، حيث كان يلجأ إلى الإيجاز والتعقيد وكان للرموز دورٌ أساسٌ في أعماله. وتُوفي في فالفان في 9 سبتمبر عام 1898. (نقلا عن ويكيبيديا بتصرف).


لحسن الكيري

ناقد، وباحث، دكتوراة في علم اللغات

من نفس المؤلف